الاربعاء 4 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 5 فبراير 2003 حققت مفاوضات السلام السودانية المنعقدة في نيروبي امس طفرة تمهد للمضي قدماً في انجاز اتفاق سلام شامل، عندما وقع الجانبان المتنازعان «الحكومة وحركة قرنق» مذكرة تفاهم بشأن وقف العدائيات والتحقق من ذلك بمشاركة المراقبين الاجانب. وضم الاتفاق الذي تم التوقيع عليه على الملأ خلال مؤتمر صحافي سلسلة من الاجراءات الهادفة الى منع وقوع اي خرق للهدنة التي تم التوصل اليها في اكتوبر الماضي. وبدا مفاوضو الحركة سعداء للغاية بهذا الاتفاق الذي اعتبروه في صالحهم في حين ساد اوساط الوفد الحكومي السياسي استياء مكبوت تقاطع مع تعهد بالتزام صارم اطلقه احد افراد الوفد العسكري بحماس فاجأ حتى الوفد السياسي الحكومي، لكن ذلك لم يمنع الوسيط من القول بأنه يريد افعالاً لا اقوالاً. وحسب نص الاتفاق الذي حصلت عليه «البيان» فان الاجراءات التي وردت في الاتفاق الذي وقعه كل من الحكومة والحركة والوسيط الكيني، تلزم الطرفين بابلاغ «لجنة اتصالات» باي تحرك للقوات على الارض. وكان ورد انشاء هذه اللجنة في «بروتوكول اتفاق حول وقف الاعمال العدائية» وقع في الخامس عشر من اكتوبر الماضي في ماشاكوس بكينيا. وكانت وبموجب نص الاتفاق الذي وقع امس بين الطرفين وافقا ايضا على السماح لفريق تحقق ومراقبة من الطرفين بالوصول الى المناطق التي يسيطر عليها الطرفان. كما جاء في الاتفاق ايضا «ان اي منطقة تؤخذ بالقوة من قبل هذا الطرف او ذاك في خرق لبروتوكول اتفاق ماشاكوس الذي دخل حيز التنفيذ في السابع عشر من اكتوبر 2002، يجب ان تعاد على الفور الى الطرف الذي كان يسيطر عليها». وبموجب هذا النص فان الحكومة السودانية تتعهد وقف اعمال شق طريق يمر عبر حقول النفط في جنوب السودان حتى التوصل الى اتفاق سلام شامل. وبعد توقيع الاتفاق خلال مؤتمرصحافي، تابع عدد من المتحدثين على المنصة، لكن ابرز كلمة كانت تلك التي القاها الفريق الركن جعفر حسن محمد احمد عضو الوفد العسكري السوداني الذي اكد في حماس ملحوظ التزام الجيش بالسلام كخيار استراتيجي. وقال «نحن نرحب بمذكرة التفاهم وما صاحبها من مناقشات وتوصل لآلية لتنفيذها، وان هذا يعطيها القدرة في التحقيق والرقابة». واضاف بأن القوات المسلحة ستعمل على تنفيذ كل بنود المذكرة تنفيذاً حرفياً وسنعمل على خلق روح الثقة بين الاطراف المعنية. ودعا الفريق محمد الحسن القادة الميدانيين في الحركة الشعبية على العمل معاً وقال «اننا نمد ايدينا لقادة الحركة لفتح قنوات الثقة والاتصال عن طريق اللجان المختلفة وفي ظل السياسات العامة «واكد مجدداً التزام القوات المسلحة بخيار السلام ووقف الحرب». من جانبه حذر السفير الاميركي في نيروبي جوتي كارسون من ان الوقت يدهم الجميع ولم يعد هناك متسعاً منه، ولذلك يجب على جميع الاطراف العمل بجدية وامانة من اجل احلال السلام. وقال كارسون ان حديث القوات المسلحة السودانية والتزامهم اليوم لهو امر جيد، ولكنه «لا يكفي» فقط لتحقيق السلام حيث يجب ان يلتزم السياسيون ايضاً بذلك، واضاف انهم كوسطاء ومراقبين يتابعون ما يجري في كارن وما جرى في ماشاكوس من قبل، وطلب من الجانبين عدم خذلانهم والمجتمع الدولي، حيث ان الجميع يعملون من اجل تحقيق السلام وعدم خذلان الشعب السوداني. وكان قد تحدث قبل ذلك الجنرال لازاروس سمبويوي الوسيط الكيني الذي اشاد بعمل الجميع من اجل تحقق هذا الانجاز، كما تحدث السفير النرويجي هالفراشين الذي قال ان اليوم هو اخر يوم للحرب في السودان، واعلن استعداد المجتمع الدولي للعمل على تحقيق السلام العادل في السودان، واعرب السفير الايطالي عن تفاؤله بتوقيع المذكرة «لأن نهاية الحرب تعني الكثير». من ناحيته اعرب د. سامسون كواجي الناطق الرسمي للحركة الشعبية عن ارتياح الحركة لهذه المذكرة وقال في تصريح خاص لـ «البيان» ان اهمية هذه المذكرة تكمن في ثلاث قضايا، وهي اولاً ان نظام المراقبة يوسع الان ليشمل كل المناطق وسيستخدم هذا الوجود في حماية المدنيين الذين يعيشون في مناطقنا». وبالفعل كانت لجنة لمراقبة وقف اطلاق النار تتخذ من رمبيك قاعدة لها انشئت بعد مبادرة دانفورث في ابريل الماضي وكذلك اخرى في الخرطوم. الان يمكن اعطاؤها دوراً اضافياً في المراقبة كما ان مشاركة الدول الاربع الكبرى (اميركا، بريطانيا، النرويج، ايطاليا) سيكون مساعداً في تنفيذ هذا الاتفاق اذ ان الامر اصبح عالمياً وليس محلياً كما ان الاتحاد الافريقي سيكون شكلاً من الاشكال لحفظ السلام. والقضية الثانية التي تهم الحركة في هذا الاتفاق هي الخرق نفسه فقد وافقنا على ان اي منطقة تم احتلالها من قبلنا او من قبل الحكومة سوف تعاد. وسوف نتقدم باعداد قائمة بأن المدن والمناطق التي احتلتها الحكومة منذ ذلك الوقت لتقديمها لهم لاستعادتها، وفي المقابل يمكن ان تقدم لنا الحكومة قائمة مشابهة. واعتقد ان بامكان الحركة الشعبية اعادة النازحين وترتيب امور تلك المناطق ادارياً. اما القضية المهمة الاخيرة فهي ضرورة توقف الحكومة عن استخدام طريق بونشوي ـ ادوك والذي يمر بمنطقة اللير، فقد كانت تستخدمه في تهجير السكان من مناطق البترول كما كانت تستخدمه عسكرياً. وقال في ختام تصريحه: بعد الان سنذهب الى طاولة المفاوضات ونحن على ثقة بعدم تعرض اي من مناطقنا للهجوم حسبما نأمل. من ناحيته نفى د. مطرف صديق وكيل وزارة الخارجية السودانية ان يكون الوفد الحكومي متحفظاً من الاتفاق. وقال د. صديق ان هذا الاتفاق جاء متأخراً للغاية. واشار الى الاتفاقيات السابقة التي فشلت منذ عام 1998م في بحر الغزال وقت المجاعة، وقال ان اول اتفاقية مراقبة كانت اتفاقية جبال النوبة والتي اثبتت حتى الان الالتزام التام بها وعدم حدوث اي خروقات بينة، واضاف ان التصعيد العسكري الاخير هو الذي دفع الى هذا التطور الهام «وهي خطوة في طريق الوقف الشامل للحرب»، وان اتفاق وقف العدائيات هذا هو اقرب الى وقف اطلاق النار، وان لم يكن يأخذ الشكل الكامل لخلوه من الترتيبات الفنية التي تطوره، وقال د. مطرف ان اللقاء القادم لنقاش الترتيبات العسكرية والامنية سيكون اسهل بعد هذه الخطوة التي ستساعد بالتأكيد في تهدئة الأحوال والخواطر. وفي رده على سؤال «البيان» عن عدم تنفيذ الحكومة لبنود مذكرة التفاهم الموقعة في نوفمبر الماضي والقاضية باطلاق الحريات ووقف الحملات الاعلامية وتأجيج الحرب والبرامج الجهادية قال د. مطرف ان مذكرة 18 نوفمبر لم تأت من فراغ بل اتت بعد معاناة وتصعيد عسكري، وكاد ان ينسف ببروتوكول ماشاكوس، واعترف بعدم وجود التزام سواء من جانبهم او من جانب الحركة بمذكرة التفاهم، واشار الى وجود حرية في الصحافة التي استقبلت الاطروحات المختلفة. ودافع عن تنفيذ بعض بنود مذكرة نوفمبر مثل العمليات في المسارح العسكرية الرئيسية، وان ما تم من خرق لم يكن مخططاً له من الدولة. ولكن منذ الان وبوجود آلية مراقبة وتحرك، فإن الامر سيؤخذ بجدية اكثر من ذي قبل. ووصف الاتفاق السابق بأنه اتفاق اخلاقي، وان الاتفاق الحالي هو اتفاق آليات وبوجود الشهود سيسهل المراقبة. وفي تعليقه على التزام الجيش السوداني باتفاقية وقف العدائيات قال «انه صحيح ان هنالك مؤسسات قومية كثيرة الجيش احداها. وان دوره مهم في مسألة الحرب والسلام، وان هذا الالتزام له مدلولاته وثقله»، واضاف ان الاطراف المتفاوضة ايضاً ملتزمة. وحول مشاركة القوى السياسية الاخرى اكد على اهمية ذلك ولكن ليس في هذه المرحلة وانما في المرحلة الانتقالية وما بعد الاتفاق الثنائي. نيروبي ـ موفدة «البيان» رجاء العباسي: