الاحد غرة ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 فبراير 2003 رحب الصادق المهدي رئيس حزب الأمة السوداني المعارض رئيس الوزراء السابق امام طائفة الانصار بالنداء الذي وجهه عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية في ختام اجتماعات اللجنة الوزارية العربية الخاصة بالسودان في الخرطوم مؤخرا الى القوى السياسية السودانية المختلفة بالدخول في حوار حر رسمي من أجل الحفاظ على وحدة البلاد ومنع وقوع الانفصال في جنوبها. وأكد المهدي ان الانفصال في السودان قائم في الواقع وان هناك اكثر من سودان على الأراضي السودانية وخارجها، مشيرا في الوقت نفسه الى وجود أمور عدة يمكن بها تكوين السودان الموحد. وتحدث المهدي في حوار اجرته معه في الخرطوم «البيان» عن الدور الأميركي والدور العربي والمصري في قضية السودان وايجابيات وسلبيات كل دور وطرق تفعيله أو الحد منه، وفيما يلي نص الحوار: ـ كيف ترون النداء الذي وجهه عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية للقوى السياسية السودانية بالحوار والحفاظ على وحدة السودان؟ ــ نداء عمرو موسى مشروع ومقبول جدا خاصة انه من الضروري أن تعترف القوى السياسية التي نقلت نشاطها لخارج السودان أن هناك متسعا من الحرية في الداخل لكي ينشطوا ويلتحموا بالجماهير طالما كانوا مستعدين لنبذ العنف والتعامل من منطلق مدني. فنحن لدينا الآن نوعان من الساسة أولهما في الخارج والثاني يعمل تحت الأرض في الداخل وهؤلاء جميعا آن الاوان لأن يطبعوا دورهم. صحيح أن هناك مشكلات مع القوانين والحريات ولكن هناك متسعاً يسمح بالتعبير عن الرأي الآخر. وتوجيه نداء للسودانيين بأن يجتمعوا حول حوار وطني هذا كلام ضروري جدا، لأنه كلما انعدم هذا النوع من التوافق الوطني كلما فتح ذلك مجالا لزيادة الدور الأجنبي ولذلك فإن نداء عمرو موسى يمثل عين الحكمة لأن الاغتراب خارج السودان كان ضرورة لمرحلة معينة لكن هناك الآن اعتراف بالرأى الاخر والتعددية السياسية والوضع أفضل بكثير بما يوجب العودة، ونبذ العنف. ـ وهل يمكن ان يلعب حزب الأمة دورا في حدوث هذا التوافق الوطني وتفعيل نداء الجامعة العربية؟ ــ نحن بالفعل قدمنا في حزب الأمة مشروعا للتعاهد الوطني وهذا المشروع يقوم على افتراضات عدة، أولها: أنه في اتفاق ماشاكوس تم الاتفاق على بعض النقاط مجملة ولكن لم يتم الاتفاق على التفاصيل، كما أن هناك نقاطا تم الاتفاق عليها وتحتاج لهذه التفاصيل واخرى نوقشت واختلف عليها ونقاطا لم يتفق عليها ويجب حسمها، وقد رصدناها جميعا في 31 نقطة افترضنا لها حلولا وسطا يمكن ان تلتقي حولها القوى السودانية جميعا، وقدمنا هذه الحلول في مشروع التعاهد الوطني قدمناه لكل القوى الحاكمة والمعارضة وقمنا بتشكيل لجان للاتصال بهذه القوى والتحاور معها من اجل الوصول الى مشروع نهائي في القريب العاجل. وقد اتى نداء عمرو موسى متماشيا مع تطلعاتنا هذه ونأمل ان نتلقى ردا ايجابيا من كل العناصر المعنية بهذا النداء وهذا المشروع الوطني. ـ وكيف تقيمون الدور العربي في الماضي والحاضر تجاه المسألة السودانية؟ ــ لا شك ان هناك مجالا الآن لدور عربي كبير، لأن الشأن السوداني صار شأنا يشترك فيه العالم كله، ولذلك تأتينا وفود من النرويج وكندا وايطاليا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة فالعالم كله مشغول بقضيتنا وصور هذا الانشغال متعددة منها المؤتمرات البحثية والدراسات وارسال المندوبين الخاصين. وفي حين كان العالم كله مهتماً بقضية السودان كان توجه الجامعة العربية روتينيا.. ولكن جاء عمرو موسى ليصحح هذا الخطأ باهتمامه بموضوع السودان وتعيين مفوض خاص له والحديث عن صندوق للتنمية في الجنوب وهذه جميعا مسائل ضرورية ومهمة وتسد ثغرة مهمة جدا في الدور العربي في السودان. الطريق المسدود ـ ولكن كانت هناك بعض الاطراف العربية المنشغلة بقضية السودان والدليل على ذلك المبادرة المصرية الليبية المشتركة اليس كذلك؟ ــ المبادرة المشتركة كانت واحدة من أدوات الاهتمام العربي بالشأن السوداني بالفعل وقد رحبت الأطراف المختلفة في السودان بالمبادرة، الا أنها ـ المبادرة ـ وبعد أن قطعت شوطا دخلت طريقا مسدودا والأسباب واضحة أولها انها لم تجد صيغة للتعامل مع فكرة تقرير المصير بما يرضى العنصر الجنوبي وهذا ماجعله يأخذ موقفا أشبه بالتحفظ عليها. ثانيا: أنه كان مأمولا من المبادرة أن تجد دورا لجيران السودان في القرن الأفريقي وأن نشركهم بصورة ما ولكن هذا لم يحدث. ثالثا انه كان من الضروري اعطاء دور للأسرة الدولية رغم أن البعض يرى ان هذا يعتبر تدخلا في الشئون السودانية والحقيقة ان هذه الدول لديها أسباب موضوعية للانشغال بالشأن السوداني ومن ذلك أنها تتحمل جزءا كبيرا من تمويل أعمال الاغاثة في السودان ويريدون أن يعرفوا أين تذهب أموالهم، الى جانب ان الكثيرين يظنون ان الكنيسة بعيدة عن السياسة في الغرب وهذا غير صحيح وكلام فارغ لأن هناك اهتماماً كنسياً مثلا بالسودان وهناك احساس بأن هناك اضطهاداً للمسحيين في الجنوب السوداني. أضف الى ذلك أمرين مهمين آخرين يدفعان الدول الغربية الى الاهتمام بالموضوع السوداني يتمثل الأول في أن قضايا حقوق الإنسان صارت قضايا عالمية وتشكل ضغطا على سياسات الدول، والأمر الثاني أن السودانيين المغتربين أصبحوا يشكلون وجودا قويا في الغرب وهؤلاء يقومون بعمل حلقات نقاشية واتصالات بمختلف الدوائر هناك حول مشكلات بلادهم بما يحرك هذه المجتمعات الغربية تجاه السودان. لكل ذلك فقد كان ضروريا الا تغفل المبادرة المشتركة الدور الدولي في القضية السودانية، ولذلك اقترحنا من قبل أن تجد المبادرة صيغة لفكرة تقرير المصير يمكن للجنوبيين ان يلتفوا حولها وان تشرك المبادرة جيران القرن الافريقي وتعطي منبرا لمشاركة ما لمعنيين بالشأن السوداني في الأسرة الدولية. كما طالبنا بأن يكون للمبادرة المشتركة قوائم وأقدام تتحرك بها فهي تفتقد لوجود سكرتارية ومندوب خاص وهذه من الأمور التي أضعفت الاداء العام للمبادرة في الوقت الذي حدث فيه تنشيط لمبادرة «الايغاد» التي تلافت هذه الأمور واستندت الى مساهمة دولية قوية فأصبحت حقيقة واضحة. ولكن أقول لك انه وان كانت المبادرة المشتركة قد وصلت الى طريق مسدود فإن هذا لا يمنع الجانب العربي من المساهمة وأن ينشط ليس فقط في اطار التوسط وإنما أيضا بالمتابعة والمراقبة ووسائل الدراسة وتقديم الدراسات والابحاث والمجهود الانساني، خاصة وان الحرب خلفت اعدادا هائلة من الضحايا وأغلبية الاغاثات تأتي من الجانب الغربي. اذن فالمطلوب في ظل التطورات الحالية ان يكون هناك حضور عربي في كل المستويات ونحن نعرف أن أمين عام الجامعة العربية مدرك لكل هذه الاشياء ويعمل على تطوير الجامعة وسد ثغرات عملها. مشاركة الجميع ـ ماهي رؤيتكم لسير مفاوضات الحكومة السودانية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق؟ ــ في اعتقادي أن ماتم الاتفاق عليه حتى الآن صحيح وذلك لأنه لم يأت بشئ خارج ماقبلته القوى السودانية قبل التفاوض، وهذا التفاوض لم يزد سوى انه قام بتقنين مفاهيم سياسية مقبولة لدى أطراف كثيرة في الحياة السياسية السودانية. ولكن هل مااتفق عليه حتى الآن كاف؟ أقول لك: لا لأننا نعتقد انه لكي يصبح الاتفاق ملزما للجميع فيجب ان توجد صيغة مشاركة للجميع لتفاوض يسير حتى الآن بصورة ثنائية وهناك ضرورة لان يتم الاتفاق في اطار قومي وطني يشمل الآخرين حتى يكون ملزما للجميع. ومع كل ذلك فنحن لا مانع لدينا في حزب الأمة من أن يستمر التفاوض ثنائيا مع ضرورة مراعاة ان يشمل مايتفق عليه تعاهدا بين طرفيه على احترام حقوق الإنسان وآلية لمتابعة تنفيذه وأن يتم الاتفاق على انه مهما كان الاتفاق الثنائي تكون هناك آلية أو منبر قومي يمثل القوى السياسية المختلفة يعرض عليها الاتفاق بشكله النهائي لاجازته وان يتم تكوين لجنة الدستور باطار قومي بحيث تشمل الاخرين وان يتم الاتفاق على اجراء انتخابات عامة واحترام نتائجها، ونعتقد ان هذه الضوابط تصلح لسد النقص في غياب القوى السياسية الاخرى. ـ وماهي النقاط التي ترون تحديدا ان الاتفاق بين الحكومة والحركة الشعبية قد حققها لصالح السودان؟ ــ ليس هناك شك في ان الاتفاق حقق مدخلا لأهم نقطتين يريدهما السودانيون وهما السلام العادل وبرنامج التحول الديمقراطي ولو استطاع الاتفاق مخاطبتهما بوضوح فسيكون فيه استجابة لتطلعات الشعب السوداني. ولكنْ هنا نقص في الوجود العربي والمساهمة العربية في الاتفاق والوجود الخارجي فيه هو افريقي من دول جنوب الصحراء وغرب افريقيا وهذا أمر لابد أن يتوازن بالوجود العربي في مستوى اللجان والهيئات المكونة للمراقبة والمتابعة والتنفيذ وهو وجود ممكن بل انه ضروري جدا. والاتفاق في مجمله يمكن الا يرضي كل طرف ولذلك تكون هناك ضرورة لحلول وسط ولهذا ايضا اقترحنا في حزب الأمة مشروع التعاهد الوطني وهو مانتصور ان يقبله الجميع. الانفصال ـ وهل ترون ان انفصال جنوب السودان سوف يتحقق بعد الفترة الانتقالية؟ ــ الانفصال قائم في الواقع الآن والسودان الآن فيه 3 سودان فهناك السودان المعروف وسودان المهجر والسودان الذي تحكمه الحركة الشعبية ونحن نريد أن نجمع السودان وهذا أمر ممكن ان ننجح أو نفشل فيه، فالجنوبيون يطالبون بالاجماع بحق تقرير المصير والقوى السياسية بالاجماع ايضا تتفق على ذلك وتقرير المصير ليس حتما ان يؤدي للانفصال ولكن يمكن ان يؤدي اليه واذا كنا نريد ان نتجنبه فيجب ان نتفق على شروط يكون فيها السودان موحدا بالصورة الجاذبة وليس بالصورة الطاردة ويشعر فيه جميع المواطنين انهم مواطنون من الدرجة الأولى واذا افلحنا في الفترة الانتقالية في علاج المظالم التي يعاني منها الجنوب فسوف نهزم فكرة الانفصال والعكس صحيح. والحقيقة ان الانفصال كلمة يتطلع اليها بعض الجنوبيين وهناك الآن بعض الشماليين يقولون انه يكفي ماحدث ويجب ان نترك الجنوب في شأنه لكي ينطلق الشمال في شأنه أيضا ولكن أي عاقل يعلم أن مشاكل الانفصال أكبر بكثير من مشاكل الوحدة وذلك لعدة أسباب منها أن أغلبية الجنوبيين تسكن في الشمال وعدد كبير منهم انخرطوا في اقتصاد الشمال المتقدم عن الجنوب وهؤلاء يصعب عليهم جدا العودة للجنوب، كذلك هناك شماليون ترتبط مصالحهم الحياتية بالجنوب، وهناك مثلا قبائل البقارة التي تقتضي ظروف الطبيعة عليهم ان يعيشوا لمدة 8 شهور في السنة على الكلأ والمياه في مناطق تقع شمال أعالي النيل وبحر الغزال أي شمال الجنوب وهؤلاء لا توجد قوة في الارض تمنعهم من حقوقهم الحياتية، اذن فالانفصال يعني ترحيل الجنوبيين من الشمال ومنع الشماليين من الذهاب للجنوب وهذا أمر سيؤدي الى حروب يستحيل الوصول الى نتيجة لها. اضافة الى ذلك فإن الجنوبيين موحدون الآن عموما ضد الشمال ولكن اذا تم حل هذا الموقف فسوف تظهر التناقضات الجنوبية الجنوبية والدراسات تظهر كيف أن ضحايا النزاعات الجنوبية الجنوبية في الفترة من 1983 حتى عام 1999 أكبر بكثير من ضحايا النزاع مع الشمال، وهذا يعني انه فور وقوع الانفصال سوف تنفجر كل هذه المشكلات بصورة كبيرة جدا. ومن مشكلات الانفصال أيضا أن الجنوب المنفصل سوف تكون له مشكلات مع جيران السودان في القرن الافريقي وهي المناطق التي تتسم بوجود قبلي مشترك. هناك مشكلة اخرى تتعلق بدول الجوار ايضا وبالدول الافريقية بشكل عام وهي ان الانفصال سوف يغذي مسألة خطيرة، جدا وهي فكرة الاستقطاب الاثنى وهي قضية ستنصرف على كل افريقيا وستكون مدخلا لرؤية جديدة استقطابية لمستقبل القارة على أسس اثنية أو ثقافية وهذا يضر الشعوب وربما يفيد الاستعمار. وهناك أيضا مسألة مهمة تتمثل في أن البترول موجود في منطقة شمال الجنوب وجنوب الشمال واقرب اتجاه لاستغلاله هو الشمال وليس مومباسا أو الجنوب وهذه ثروة قومية يؤثر الانفصال فيها في حين ان استغلال البترول في بلد موحد على أن يوزع عائده بطريقة عادلة سيكون أفضل للجميع. أما مشكلات الوحدة فلن تزيد عن ضمان قبول الآخر كمواطن وأن يقبل بمصادر القانون الذي يحكم به فلا تفرض الشريعة على غير المسلمين ويعترف لهؤلاء بهويتهم الثقافية والدينية وان تكون السلطة لا مركزية وكل منطقة تحكم نفسها في حين توضع موازين للسلطة الكبرى فإذا كان الرئيس شماليا يكون نائبه جنوبيا والعكس صحيح وذلك في اطار ديمقراطي. ومع ذلك نقول أن هناك عناصر داخل البلاد وخارجها تعمل على انقسام السودان ولا تعجبها وحدته وسوف تعمل على تنشيط التناقضات الموجودة، فهناك في الشمال من يعتقدون ان التخلص من الجنوب سوف يؤدي الى قيام سودان أقرب لمثلهم العليا، أي التضحية بالجنوب من أجل مصلحة ايديولوجية، كما أن هناك جنوبيين يرون أنه لا توجد مصلحة لهم في استمرار العلاقة مع الشمال وان استمرارها يعني استمرار المظالم لأهل الجنوب. ـ لكن هناك من يتخوف من تأثير كل هذه الأحداث على الهوية العربية والإسلامية للسودان؟ ــ الهوية العربية والإسلامية في السودان لديها مركزها وتاريخها ووزنها ودورها ولا يوجد خوف عليها ولا يمكن محوها وإذا كان هناك من يطالب بالاعتراف بالهوية المسيحية الاثنية للجنوب فمن باب أولى أن يتم الاعتراف للآخرين في الاحتفاظ بهويتهم الدينية والاثنية، ولابد من وجود صيغة دستورية للتوفيق بين حقوق هؤلاء وهؤلاء. دور أميركي ـ ماهو تقييمكم للدور الأميركي في الموضوع السوداني حتى الآن؟ ــ جميعنا في العالم العربي والاسلامي والأفريقي لابد أن ننتبه للتعامل مع الموضوع الأميركي بصورة غير شعاراتية فهي القطب الوحيد ولديها قدرات في مختلف المجالات ولذلك لابد أن نجد طريقة للتعايش مع هذا العملاق ليس بأن نلغي أنفسنا ولا أيضا نعرض أنفسنا للتهلكة، وفي رأيى فإنه لا يوجد موقف أميركي أصم واحد تجاه أي قضية فالقرار الأميركي موزع بين جهات مختلفة وسياسات واشنطن اليوم في جنوب السودان وجنوب شرق اسيا ايضا تستطيع أن تقول انها سياسات براجماتية وواقعية ولكنها ليست كذلك في الشرق الأوسط أو في الخليج، فهي في السودان أكثر عقلانية وفي الشرق الأوسط أكثر ايديولوجية، ولابد أن نعترف أن القرار الأميركي يتأثر باللوبي اليهودي القوي جدا داخل أميركا، فهو صاحب الوزن النوعي القوي في الاعلام والمال والعالم الأكاديمي ورغم أن اليهود يمثلون 2% فقط من سكان أميركا الا أن 16 من بين أغنى أربعين أميركيا هم من اليهود و40% من أساتذة الجامعات من اليهود و30% من الذين حصلوا على جوائز نوبل هم يهود ايضا وهذا الامر ينعكس في تمويل الانتخابات بمختلف درجاتها في الولايات المتحدة وفي امتلاك الصحف الكبرى بها. وكما قلت لك فإنه كلما ابتعد الموقف عن منطقة الشرق الأوسط كلما كان التصرف الأميركي أكثر عقلانية وبراجماتية لذلك فإن الولايات المتحدة ترى الآن أن وقف الحرب في السودان في مصلحة الجنوب وذلك لأن ضحايا الجنوب في الحرب أكبر عددا من ضحايا الشمال كما أن أعدادا كبيرة من الطبقة المثقفة في الجنوب تنزح بكميات كبيرة الى خارجه. والملامح العقلية في السياسة الأميركية تجاه السودان الآن متعددة الأشكال وفي مقدمتها حضور مندوب أميركي ليس برؤية جاهزة ولكن لكي يتشاور مع كل القوى السياسية الى جانب أنه يسعى الى جر الأوروبيين الى الموضوع ولا يحاول عزلهم كما يجري في قضايا كثيرة. ـ وهل تتوقعون أن يحدث تعارض بين الدور الأميركي الموجود بالفعل والدور العربي المنتظر في المسألة السودانية؟ ــ الأميركان كانوا يظنون أن الدور المصري والعربي كان يجب أن يكون الأهم لكن حدثت مفارقات عدة أهمها سوء العلاقة بين السودان ومصر في أوائل التسعينيات ولجوء النظام السوداني للإيغاد مما غيب الدور المصري والعربي بشكل عام، وهذا الوضع يتغير الآن أما بالنسبة للدور الأميركي فإن أميركا بلا شك منحازة للجنوب ولكنها في نفس الوقت حكم ضروري ومهم وجوده. ـ ولكن هذا الحكم الضروري هو الذي أصدر قانون سلام السودان؟ ــ قانون سلام السودان يشكل الرؤية المتشددة الأميركية وهي الرؤية التي لا تقبل بها ولا تلتزم بها الادارة الاميركية الحالية وان كانت تخشى من اثارها السلبية، وهذا القانون هو نوع من رد الفعل المتراكم على تصرفات كان يقوم بها النظام السوداني وكان فيها كثير من المعاني الطاردة السيئة وهذا القانون هو شئ مفهوم في اطار الماضي وليس في اطار الحاضر، وكما قلنا فإن الدور الأميركي يواجه ضغوطا من لوبيات تريد فرض رؤى معينة على السودان ولابد أن نحذر نحن من ذلك، ونحن لا يمكن أن نتعامل مع قوى أخرى بمنطق العشاق أو الذين لا يرون الا الايجابيات ولكن نحن نعتقد أن الدور الأميركي الذي نراه معيبا في الشرق الأوسط والخليج وعدد من القضايا الدولية نراه فيما يتعلق الآن بالشأن السوداني أكثر واقعية وأكثر عقلانية. ـ لو تحدثنا عن الداخل السوداني فيما يتعلق بعلاقة حزب الأمة بالحزب الحاكم والأحزاب الأخرى.. ماهو واقع هذه العلاقة حاليا بين المعارضة بشكل عام والحزب الحاكم في السودان؟ ــ هناك بعض المعارضين السابقين انخرطوا في الحكومة وآخرون ـ على رأسهم حزب الأمة ـ يتحاورون مع الحكومة وعلى استعداد للتحاور معها في القضايا الكبرى ونحتفظ بشرطنا في السلام العادل والتحول الديمقراطي والانتخابات العامة الحرة، فنحن نتحاور معهم ولكن نظل نشكل معارضة مدنية تنبذ العنف أي اننا نشكل طريقا ثالثا مابين المعارضة المسلحة والنظام القائم وهو طريق المعارضة المدنية. ـ كيف ترون العلاقة السودانية مع مصر في الوقت الحالي؟! ــ الاستعداد لتطوير العلاقات المصرية السودانية بلا سقف هو أمر موجود بشكل كبير جدا في السودان الآن وان كان يحد من هذه النزعة وجود بعض العوامل في مقدمتها الحرب الأهلية في الجنوب والتي تشكل العقبة الأولى أمام التنمية وتطوير العلاقات مع مصر بصورة جدية، خاصة وأن هناك رؤى مختلفة بين الشمال والجنوب تجاه هذه العلاقة والعلاقات العربية بشكل عام فالشمال يرى بتطور العلاقات مع البلاد العربية بصورة واسعة والجنوب يرى بتطوير العلاقات مع الدول الافريقية وهناك كثير من الجنوبيين لديهم تحفظات على العلاقة مع مصر وهي تحفظات نشأت من ظروف تاريخية مفهومة وهذا أمر لابد من معالجته. النقطة الاخرى انه لابد من الاعتراف بالبعد الشعبي في العلاقة بين البلدين، ولذلك كان انطلاقنا في التحفظ على التكامل مع مصر من كونه كان موظفا لصالح نظام أوتوقراطي مماخلق معارضة للمسألة وليس للعلاقة مع مصر وكان جزءا من تطلعات ثورة 1985 موجها ضد هذا التكامل والدفاع المشترك ونحن نطرح مفهوما قوميا يقوم على أن كل القوى السياسية السودانية تتفق على أساس للعلاقات مبني على ثوابت حتى لا تخضع لخلافات حزبية لذلك اقترحنا عمل «مؤتمر وادي النيل» تشترك فيه كل القوى السياسية في مصر والسودان ويتم طرح ميثاق وادي النيل على أساس أنه جاء ليبقى ويشكل ركيزة في العلاقات ويشترك في تطويرها وتشترك فيه كل القوى الشعبية كوسيلة للتعامل مع العلاقة خارج نطاق العلاقات الرسمية.