السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 حذر أحمد سعدات أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من مواصلة السلطة الفلسطينية الخضوع للاجراءات الأميركية، ما يضطرها مستقبلاً لتوسيع سجونها والزج بالمناضلين فيها، ووصف خريطة الطريق بأنها صياغة دولية لخطة الارهابي ارييل شارون السياسية. وقال سعدات ان تحرك الشعب العربي كفيل بردع الحرب الأميركية المزمعة ضد العراق والتي ان وقعت ستفضي الى اعادة صياغة المنطقة طبقاً للرؤية الاسرائيلية ـ الأميركية. «البيان» التقت سعدات في داخل سجنه بمدينة أريحا وجرى الحوار التالي: ـ في ظل التحضير لضرب العراق، ما التداعيات والنتائج المترتبة فلسطينيا وعربيا؟ ـ لم يعد خافيا على احد ان اهداف الحرب الاميركية على العراق، هي اطباق السيطرة الشاملة على المنطقة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا واجراء ترتيب اقليمي امني وسياسي يكون لحليفتها اسرائيل الدور الاساس والمهيمن في الاقليم، فالرغبة بوضع اليد على اكبر مخزون للنفط في العالم تحتويه المنطقة العربية والتي تحركها مصالح الاحتكارات التي تمثلها الطغمة الحاكمة في الولايات المتحدة والمشبعة برغبة الانتقام من كل ما هو عربي واسلامي، والتحكم بمصير العالم والحفاظ على دورها القيادي الاول في المنظومة العالمية الاحادية القطب، كل ذلك عوامل تجعل من الحرب واقع يتعدى الاحتمال، فقد حركت احداث الحادي عشر من سبتمبر اجندة الولايات المتحدة لتضع الحرب في المنطقة على رأسها اجندتها بعد ان نجحت في تنظيم تحالف دولي لمكافحة ما اسمته الارهاب، ومع ان حجم الممانعة الدولية خاصة من قبل ألمانيا وفرنسا والعديد من الدول الاوروبية يشكل عوامل لكبح هذا الميل واعاقته والتي ترافقت مع نجاح التجمع المناهض للعولمة من آثار تحركات شعبية دولية واسعة مناهضة للحرب على العراق، غير ان هذه العوامل لا تكفي للجم شهوة الحرب والسيطرة الامبريالية الاميركية ما دامت تجد في الموقف العربي الرسمي قدراً عالياً من التلعثم والتردد والخوف ويمكن تشبيه الموقف العربي على انه يمثل شكلا من الممانعة اللفظية الخجولة، هذا الموقف الذي جعل من العراق موحداً وامتلاكه لحكمة سياسية وقدرته الدبلوماسية على الاستجابة لشروط الامم المتحدة واجراء الرقابة والتفتيش، فقبول العراق لهذه الاجراءات مجاملة لردع الحرب، وتعالت في المنطقة اصوات تتحدث عن منطق الانحناء للعاصفة تفاديا للحرب المدمرة، ولم نسمع صوتا واحدا للانظمة العربية الرسمية يتحدث عما يجب وينبغي في حال اجتياح العاصفة للعراق، والعاصفة ستشمل حتما كل دول المنطقة بل والامة العربية برمتها، هل سيبقى سلوك العاصفة هو الناظم لسياسة دول المنطقة، ولا يكفي الحديث بأن هذه الدولة او تلك ممن تساهم في العدوان على العراق فهذا ما لا تحتاج اليه اميركا وحليفتها بريطانيا التي تملك كل هذه الاساطيل، بل المطلوب تحديد موقف عربي ورسمي واضح يبدأ بعدم السماح باستخدام الاراضي والمياه العربية لضرب العراق ويأمر بوضع الامكانات كل الامكانات العربية الى جانب العراق مسرعا بتجنيد صوت الجماهير في الشارع العربي، لو أحست اميركا والعالم بالموقف العربي الموحد لربما اضطرت الى اعادة حساباتها تجاه العراق والامة العربية وعليه فان الوقوف والتحفظ امام الشعارات الراهنة المرفوعة يعتبران تنصلا من الواجب القومي بالدفاع عن العراق وشعبه في وجه التهديد الإمبريالي الاميركي بل توطؤاً مع هذا العدوان. ـ وافقت السلطة الفلسطينية على خريطة الطريق الاميركية، ما هو موقفكم كجبهة شعبية من هذه الخطة؟ ـ ما سمي بخريطة الطريق كمسار اميركي مقترح للتسوية المستقبلية على جبهة الصراع الفلسطيني الصهيوني هذا اذا لم تكن مجرد ورقة استهدفت ملء الفراغ السياسي في المنطقة والحفاظ على استمرار الحضور الاميركي الوحيد في ظل الانشداد للولايات المتحدة لشن الحرب على العراق، وفي حال ان تأخذ طريقها للتطبيق فهي ليست اكثر من اعادة وترجمة قرارات شارون لاسباب الصراع وآليات حله وهذه المرة بلغة دولية بعد ان اصبحت خطة الرباعية للحل السياسي، فالخطة استندت الى منطق واساس مفاهيمي مقلوب لطبيعة الصراع العربي الصهيوني وعليه فهي خطة لمكافحة ما سمي ب«الارهاب الفلسطيني» وانهائه وليس آليات لترجمة قرار مجلس الامن لاقامة الدولة الفلسطينية وانهاء الاحتلال الصهيوني للاراضي الفلسطينية المحتلة وباعتماد هذه القاعدة فإن شروط التحرك نحو دفع اسرائيل لتقديم اية التزامات بات مرهونا بنجاح السلطة الفلسطينية بمكافحة الارهاب ووقفه الذي شكل جوهر برنامج الاصلاح السياسي المطلوب تحقيقه من قبل السلطة الفلسطينية، وبهذا المعنى فإن هدف خريطة الطريق هو توفير الغطاء والمبرر للعدوان الصهيوني، وايقاف الانتفاضة والمقاومة وتبديد الحقوق الوطنية الفلسطينية، لقاء العودة مجددا الى طاولة المفاوضات بنفس الشروط والاسس والمرجعيات السابقة التي وصلت الى طريق مسدود في اتفاقات كامب ديفيد، ومجرد وجود عبارات تتحدث الى ان تطبيق هذا الجدول مرهون بوفاء اطراف الصراع بالتزاماتهم والمقصود الطرف الفلسطيني يجعل من الحديث عن الدولة اطارا نظريا لا يحمل أي جدية، واذا كان هذا هو اطار وجوهر خريطة الطريق فإن التفاصيل الواردة التي تجعل الطرف الفلسطيني طرفا مذنبا لا بد من معاقبته من خلال تحديد شكل النظام السياسي المناسب له وبالتالي نظام انتخابي، وفرض الرقابة على مجالات الحياة الحيوية والامن والمال والاجراءات الديمقراطية، هذه الدعوات التي تفتقر الى ابسط حد لاحترام حقوق الشعب الفلسطيني التي تقرها المواثيق الدولية وتعتبر تجاوزا لابسط مفاهيمها. ـ يتم بين الحين والاخر خطوات احتجاجية من قبلكم واخرى شعبيية بسبب استمرار اعتقالكم، وقد قلتم ان السلطة تملك قرار اعتقالكم ولا تملك قرار الافراج عنكم؟ ـ اذا كان اعتقالي ورفاقي الاربعة قد شكل خطوة في الخضوع للاملاءات الاميركية والاسرائيلية في محاربة المقاومة، فان تسليمنا للفريق البريطاني الاميركي واشراك اسرائيل الفعلي في عملية اعتقالنا والتحكم بمصيرنا شكل هبوطا نوعيا في منحنى هذا الخضوع ويتجاوز عملية الاعتقال واسبابها التي لم تحقق للسلطة الفلسطينية ما اردته وما توقعته من هذه العملية، وكذلك توقيع الاتفاق الذي يمكن ان تبرره السلطة بأنه كان اضطراريا وشكل اهون الشرين كما تقول وما دامت السلطة تتحدث عن حمايتنا، أليس من المجدي وهي تعرف جيدا ان الاتفاق جمد مرحليا المطالب الاسرائيلية بتسليمنا وان الموقع الذي تعيش فيه اريحا يشكل خطرا وتهديداً مباشراً على حياتنا ويضعنا تحت تهديد مباشر، واسرائيل تستطيع تنفيذ اجتياح لمدينة اريحا خلال دقائق، أليس جدير ممن يتحدث عن حماية المناضلين وهو يدرك كل هذه المخاطر وهو قادر الان على امتلاك زمام المبادرة بالغاء الاتفاق في الظلام كما وقعته السلطة الفلسطينية في الظلام ليكون حديثه عن الحماية منسجما، هذا على المستوى المباشر وعلى المستوى الوطني العام ومع تصاعد العدوان على الشعب الفلسطيني وانتهاك كافة المحرمات بما فيها تهديد الرئيس عرفات شخصيا، ان يبقى مفهوم الحماية للمناضلين رديفه الاعتقال، اذا ما تحركت مسيرة التسوية وبقي هذا الواقع قائما الا ينذر باتساع حجم المطاليب الامنية المطروحة على السلطة لتحريك عملية المفاوضات حينها ستضطر لتوسيع السجون وزج العشرات ان لم يكن المئات فيها ليتسع دور الرقابة الاميركية والبريطانية على السجون. ان من يطلع على واقع دور الرقابة والمراقبين كمرجعية علينا لعملية الاعتقال تكفي بالكامل الشخصية الوطنية المستقلة ويقرأ خريطة الطريق عن اطارات ملزمة لرقابة الامن والمال والاجراءات الديمقراطية التي يمكن ان تعتمد نموذج سجن اريحا للتعتيم ماذا سيصبح واقع السلطة الفعلي في ظل مرجعية المراقبين. وعليه فان لم يكن الحماية للمناضلين تقضي بحماية حقهم في النضال وليس في اعتقالهم، وان الحماية الدولية مطلوبة للشعب الفلسطيني وليس لعدد من المعتقلين، فان مصلحة الوطن ومستقبل الكيانية الفلسطينية باتت تطلب الغاء هذا الاتفاق وهو الطريق الوحيد لانهاء هذه المشكلة مما لها من انعكاسات سلبية على المصير الوطني ومستقبل العلاقات الفلسطينية الداخلية. القدس ـ عبدالرحيم الريماوي: