السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 اعتبر انجلو بيدا نائب رئيس المجلس الوطني السوداني «برلمان» بأن ماشاكوس أغلقت الباب أمام المناورات السياسية وفتحت الباب لرفع المظالم عن الجنوب سياسياً واقتصادياً ودينياً بوقف تطبيق الشريعة واكد في حوار مطول اجرته معه «البيان» ان حركة قرنق محقة في المطالبة بمنصب نائب الرئيس ولا سبب لممانعة الحكومة باعتباره مطلباً شرعياً». وتحدث نائب رئيس البرلمان السوداني، وهو من جنوب الوطن، في سياق حواره عن رؤاه بشأن عدة قضايا بينها الانتخابات المرتقبة في الفترة الانتقالية، ووضع العاصمة الخرطوم. وكشف بيدا، وهو سياسي جنوبي مخضرم، عن تشاور لاتفاق دولي «لاستثناء الجنوب بشكل جاد من تطبيق الشريعة خوفا من الاسلمة» وعبر عن استيائه للمظالم التي يعاني منها الجنوبيون في الشمال وقال في هذا السياق: «أذهب لأي وزارة او مؤسسة ولن تجد جنوبياً واحداً في أي وظيفة». ـ محادثات ماشاكوس التي بدأت ويتوقع أن تتواصل منتصف هذا الشهر حسمت عددا من القضايا ولا زالت أخرى مثار خلاف... بحكم وجودكم على رأس القوى الجنوبية في الداخل كيف ترونها؟! ـ أنا اعتقد بحكم التجربة بين حكومة السودان وحركة قرنق ونتائج المفاوضات السابقة وحتى تجارب الحكومات التي سبقتها إن النتائج التي تحققت عبر المفاوضات الحالية وبواسطة هذه الحكومة غير مسبوقة ولا تستطيع أي حكومة انجازها. لقد انقضت فترة طويلة من المحادثات في تجارب التفاوض بين الحكومة والحركة دون التوصل لنتائج ومنذ قيام التمرد في أواخر عهد الرئيس نميرى في 1983 فإن كل المحاولات للتفاوض مع الحركة باءت بالفشل آخذين في الاعتبار مساعي حكومة المشير عبد الرحمن سوار الذهب في 85 ـ 1986م ثم الصادق المهدي حتى يونيو 1986م جميعها لم يتم خلالها التوصل لنتائج وكانت اجتماعات التفاوض لا تعدو أن تكون مناورات سياسية ولعل مؤتمر الحوار الوطني الذي عقدته هذه الحكومة في مطلع التسعينيات كان له أثر في تحديد طبيعة المشكلة واقتراح الحلول العملية لايقاف الحرب، ولعل النجاح الذي جاء في ماشاكوس كان معقداً بدأ أولاً بجبال النوبة وتطبيق تجربة وقف إطلاق النار عبر اتفاق محدد مع جزء من قوات الحركة بجبال النوبة الهدف منه «وضع ملح السلام في أفواه الناس» وبعد ذلك بدأت تترسخ في دعم اتجاهات السلام رؤية ورغبة من المجتمع الدولي ومن نجاح تجربة التفاوض في جبال النوبة ذهبنا لماشاكوس وكان الاعتقاد أن مصيرها سيكون كمصير سابقاتها من الفشل بدءاً بأبوجا واحد واثنين ونيروبي التي كانت جميعها مجرد مناورات بينما نجحت ماشاكوس في التوصل لاتفاق في قضايا مهمة جداً للجنوب والجنوبيين وهي تقرير المصير وعلاقة الدين بالدولة وبالطبع فإن الاتفاق على تقرير المصير لا يعني أصلاً المطالبة بالانفصال ولكن لإزالة عوامل فقدان الثقة وإعطاء فرصة لتنمية الجنوب ومناطقه المتأثرة بالحرب بصورة حقيقية لأن ذلك هو التأمين الحقيقي للسلام ونحن هنا نعتقد بأن الجنوبيين سيساندون خيار الوحدة مع الشمال كبديل لخيار الانفصال إذا شعروا أن التنمية في الجنوب تتجه نحو الأفضل وهذه سياسة مهمة جداً لجلب السلام والعمل الذي «يبرد قلب الناس»، ثانياً موضوع الشريعة فمنذ 1956م لم تظهر مشكلة الدين في السودان لكن التخوف الذي انتشر وسط أبناء الجنوب من موضوع الأسلمة دفعهم للمطالبة والتمسك بضرورة استثناء الجنوب من تطبيق الشريعة أو هيمنة الثقافة من الشمال في الجنوب. الإسلام ليس جديد في السودان ولكن المشكلة التي بدت في انه داخل في «كلام عرب» ولذلك فإن اتفاق ماشاكوس أشار لابعاد الشريعة من الجنوب تماماً. ونلاحظ هنا ان اتفاقية الخرطوم للسلام 1997م التي وقعتها عدد من الفصائل الجنوبية مع الحكومة، الجنوب استثنت من تطبيق الحدود فقط لكن استثناء الشريعة كلها تمت أول مرة في الاتفاق الأخير مع حركة قرنق ولذلك لا نعتقد أن حركة قرنق ستذهب اكثر من هذا. كما تطرقت المفاوضات لمسألة تقسيم السلطة والثروة وهيكلة الحكومة من أجل المشاركة رغم أن تقرير المصير هو الأهم لأنه يفتح الفرصة لتنمية الجنوب وخلال الست سنوات ستنصب كل الجهود للتنمية. الجنوب والتشريعات الإسلامية ـ إذا افترضنا ان الاتفاق استثنى الجنوب بقانون هل توجد في تقديرك ضمانات في الدستور الاتحادي تحمي الجنوب من أي قوانين ذات طابع ديني؟ ـ قبل ماشاكوس كانت الاتفاقات السابقة قد استثنت الجنوب من الشريعة لكن هذا الاستثناء لم يطبق كان مجرد «كلام ساكت» والآن لا تستطيع «فتح بار» في جوبا ولا تستطيع فعل شئ من هذا النوع، لكن اتفاقية ماشاكوس تختلف وتزيل كل هذه القيود والتطبيق لاستثناء الشريعة في الجنوب سيكون جاداً والمرجع لذلك هو الدستور باعتباره القانون الأعلى الذي يحكم كل البلد واي قانون ولائي إذا تعارض مع القانون الأعلى فإن الولائي يجب أن يتعطل ويتم إيقافه من التطبيق والقانون الأعلى في الدستور الحالي «دستور 1998م» هو الشريعة والآن في هذا الاتفاق اختلفت الأمور والشريعة أصبحت محصورة في الشمال فقط ولا أدري شكل القانون الذي ينتهي إليه الاتفاق، كما سيكون هناك برلمانان والبرلمان الأعلى مسئول عن مراقبة أي تجاوزات في الدستور وإذا تم إصدار قوانين ذات طابع إسلامي في الجنوب فإن البرلمان الأعلى سيقوم بإلغائها. هذه أشياء كلها كانت تدخل في أسباب الحرب واعتقد أن هذا الطرح سينهى المشكلة. ـ إذا افترضنا ان القضايا التي ذكرتها تمثل المشاكل الرئيسية لماذا تتمسك الحركة اذن بان الخلافات مع الحكومة ما زالت متواصلة وأن بنوداً أخرى أهم ما زالت تحتاج لنقاش؟ ـ تبقت قضايا أخرى فعلاً حساسة ومن بينها موضوع تقسيم السلطة والثروة ونسبة مشاركة الجنوبيين في الخدمة وأرى أنها قضايا تحتاج لنقاش فعلاً واعتقد المطالبة بأن يكون نائب الرئيس من الجنوب مطلباً عادلاً ورفضه لا مبرر له ولماذا يتمسك الوفد الحكومي بأن يكون النائب الثاني وليس الأول للرئيس وأنا لا أوافق الحكومة في هذا الكلام وطالما أن الدستور قد نص على أن أي شخص سوداني من حقه ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية إن كان الشمال أو الجنوب فلماذا الرفض والاختلاف لكنني اختلف مع الحركة في الحديث بتقييد سلطات الرئيس بان لا يصدر أي قرار إلا بموافقة نائبه هذا غير عملي وغير موضوعي وكان يمكن القول الا يصدر الرئيس قراراً دون مشورة نائبه وليس اشتراط موافقته أولاً. لا خلاف مع الحركة ـ الفترة الانتقالية وشكل الحكم فيها ما هو تصورك لها باعتبارك أحد الساسة الجنوبيين المتحالفين مع الحكومة وهل قرنق سيكون الحاكم الأوحد في الجنوب؟ ـ أنا ليس لي أي اعتراض أن يأتي قرنق رئيساً للجنوب طالما أن ذلك سيوقف الحرب لكن ما أعلمه فإنه يتمسك بمنصب نائب الرئيس وليس هناك خلاف بأن يأتي قرنق حاكماً للجنوب عبر الانتخابات، نحن ليس لنا خلافات كثيرة لاننا نتحدث عن مطالب واحدة ومن حق كل الجنوبيين ترشيح أنفسهم وليس بالضرورة أن تكون قيادة الحركة هي المسئولة عن الجنوب في الفترة الانتقالية لكنا سنسعى لاتاحة الفرصة أمام قيادات الحركة للتجريب في أمر الحكم وأهم شئ هو السلام، والجنوبيون يعرفون من هو الذي يقدم لهم خدمة. ـ موضوع الاستفتاء لتقرير المصير ما هو تصوركم له؟ ـ مسألة تقرير المصير موضوع واضح ومنصوص عليه حتى في اتفاقية الخرطوم للسلام ذلك إن موضوع تقرير المصير ينص على استفتاء الجنوبيين بعد فترة انتقالية ويصوت الجنوبيون فقط، الاتفاق سيبقى بذات الولايات الجنوبية العشر بتعدادها لاتاحة فرصة اكبر للمشاركة والحكم للجنوبيين. وكما رفضنا هيمنة الشمال نرفض هيمنة الحكومة الإقليمية التي تقوم في الجنوب بعد الوصول للاتفاق وكما رفضنا هيمنة الخرطوم نرفض الهيمنة في جوبا والسلطة والثروة يجب تقسيمهما حسب حاجة كل البلاد ودور الحكومة الإقليمية في جوبا سيكون ذات الدور الذي يؤديه مجلس التنسيق الحالي للولايات الجنوبية ولكن بصلاحيات أوسع. يجري الاتفاق حولها وأهم دور لها سيركز على التنمية الاقتصادية والثقافية. ـ اتجاه الحركة لاقامة بنك وعملة خاصة اعتبرته الحكومة عدم جدية منها في موضوع السلام ومحاولة للتنصل والعمل لفرض واقع كونفدرالي ما تعليقك؟ ـ نحن ما يهمنا الآن الاستمرار في سياسات تعزيز الثقة وخلق التنمية أو البدء فيها قرنق لا يستطيع فرض واقع انفصالي وفي النهاية يحكمه الاتفاق الوارد في ماشاكوس ونصوصه ولا نتصور أن دول الغرب وحتى أميركا يمكن أن تسانده في هذا الاتجاه، ماشاكوس كما تعلم تشرف على المفاوضات فيها لجان دولية تراقب وتتابع وتعرف أسباب تصرفات كل طرف طالما تم الاتفاق منذ البداية على وحدة السودان فلا يمكن قبول فكرة وجود عملتين أو بنك مركزي جنوبي وما شابه ذلك لأن موضوع عملة نفسه من ناحية إجراءات اقتصادية فقط يحتاج لضمانات محددة، الضمانة الوحيدة لقرنق ولغيره هي العمل على تعزيز الثقة وان كان انعدامها قد دفع لطرح موضوع ايجاد مراقبين دوليين لتنفيذ الاتفاق والاشراف على تطبيقه وبالتالي فإن الاتفاق عند التوصل إليه غير قابل للتلاعب والظروف الدولية الآن ما عادت ضد السودان كما كانت في السابق وذلك يطرح رقابة موضوعية وإذا حاولت الحركة تجاوز أي أحد ستجد التوجيه والمحاسبة من المجتمع الدولي وهذا شئ مطلوب جداً حتى تكون هناك مصداقية وهذا ضمانة للحكومة والحركة بدلاً ان ينتهي الناس من حرب ويدخلوا في حرب أخرى وبالتالي فإن نتائج ماشاكوس ستكون نهائية. أكبر ضمانة للاتفاق ـ سبق أن التقيت بالمبعوث البريطاني آلن غولتي وقد اتهمته الحكومة والبرلمان مؤخراً بأنه ينشط في تنظيم مؤتمرات الحركة ما تعليقكم؟ ـ مسألة زيارته لمناطق النيل الأزرق وجبال النوبة لا علم لي بها ولا أملك حقائق فيها وما عرفته أن المبعوث البريطاني غولتي يذهب لبعض المؤتمرات في تلك المناطق دون علم الحكومة وحقيقة فإن الأمر يحتاج لشفافية والمبعوث مطالب بتوضيح موقفه لكن وجود الوسطاء في هذه المبادرة ضروري جداً لإنجاحها وعدم انتكاستها ولعل ما يجب الالتفات إليه إذا كان العقيد جون قرنق قائد التمرد قد أخذ يعمل بالخارج ونجح في السابق من إقناع العقيد القذافي والرئيس منقستو وعدد آخر من الرؤساء الأفارقة لدعمه فما الذي يمنع الحكومة من فعل ذلك ونحن إذا كان ما في واحد يدعمنا فيعني ذلك أن هناك شيئاً ما يجب إصلاحه ومعالجته وأضيف بأن الجهد البريطاني او الأميركي مطلوب في هذه الفترة للوصول لسلام مسنود ومدعوم من إدارة دولية وقد قابلت الدكتور نيكولاس وهو أبرز الخبراء المشرفين على هذه المفاوضات أثناء زيارته الأخيرة للسودان وعلمت أنه سعى للتعرف على مواقف مواطني بعض المناطق التي تتواجد فيها قوات للحركة خارج حدود الجنوب وقد أخبرته بأن مشروع سلام السودان الذي أصدرته الإدارة الأميركية وتعهدت خلاله بتخصيص أموال للحركة تفوق الـ 300 مليون دولار خلال فترة 3 سنوات في حالة فشل المفاوضات لا يساعد على السلام بل ربما حفز الحركة اكثر للمماطلة وتعويق أي مسعى للوصول لاتفاق نهائي والحركة اتجهت لذلك مؤخراً وهي تتحدث لأصدقائها في الخارج عن حسابات قبلية وتتناول موضوع الدينكا والنوير ومناصب كل قبيلة في الحكومة الاتحادية ومجلس التنسيق رغم أن الأوروبيين لا يفهمون مثل هذه الاشياء وإن كانت تحوي مخاطر لأنها ستقود لصراعات وتحيزات قبلية في تقرير المصير والاستفتاء في الجنوب. ـ ما رأيك في مطالبات وفد الحركة إعطائها 60% من عائدات البترول؟ ـ والله من حق وفد حركة قرنق أن يقول أي شئ طالما أن ذلك داخل قاعات التفاوض لكنه يبقى المطلب كسقف تفاوضي قابل للنقاش والمداولة ومثلما للحركة حججها للحكومة أيضا حججها وبالتالي فإن الطرفين سيتفقان في نهاية النقاش ولا أفتكر أن الأمر مدعاة لهروب من المفاوضات والابتعاد عنها، ومثال آخر فإن موضوع العاصمة الاتحادية والتي تتمسك الحركة باستثنائها من القوانين الإسلامية صاحب ذلك احتجاج من جانب الحكومة ويمكنها أن تتفاوض وتوضح ضرورة إزالة كلمة عاصمة علمانية لان كلمة علمانية بدأت جهات كثيرة تتحسس منها. ـ هل تعتقد أن مطالبة وفد الحركة بإعطاء الجنوبيين 30% من حجم الخدمة المدنية هو مطلب موضوعي؟! أم أنه سقف تفاوضي؟ ـ هذه حقائق موضوعية ويمكنك ان تذهب لأي وزارة وترى... نحن حصلنا في السودان على الاستقلال منذ 46 عاماً هل نجد جنوبيين في مناصب بها، يمكن أن تذهب لاي وزارة وتبدأ من وكيل وتنزل لاسفل لا تجد جنوبياً والحكومة قبل أن تذهب لماشاكوس تعلم هذه الحقائق. وحتى الآن لا يوجد جنوبي نائباً أو كيلاً في أي وزارة بل إنك إذا ذهبت لوزارة المالية أو بنك السودان لا تجد الجنوبي حتى في وظيفة مراسلة، التمسك بسودان واحد يحتاج لإقرار عدالة في توزيع الثروات والفرص، نحن نتحدث في البرلمان نفس الحديث بينما الحركة تطالب بذات المطالب بالسلاح. ونتمنى أن يتواصل التفاوض للتوقيع على الاتفاق لتلافي كل هذه السلبيات. وقد اخبرني الخبير نيكولاس المشرف على التفاوض كما قلت أن مراحل التفاوض الأولى كانت صعبة لأن حركة قرنق لم تكن تصدق ان تقبل الحكومة تقرير المصير للجنوب وعندما وافقت اعتقدت الحركة أن الحكومة لم توافق على موضوع علاقة الدين بالدولة وكلام الشريعة ثم طرح موضوع تقسيم السلطة والثروة ثم طرح موضوع المناطق المهمشة وعلمت أن رؤية الحركة في المطالبة بضم المناطق الثلاث ابياي والنيل الأزرق وجبال النوبة ليس جاداَ ولكنه محاولة لرفع الحرج حيث أن الحركة كانت قد استقطبت عدداً كبيراً من أبناء هذه المناطق لصفوفها والآن لا نريد أن تتناسى قضاياها لمجرد أنها توصلت لحلول بشأن مشاكل الجنوب. وأقول في نهاية حديثي بأن سلام ماشاكوس سيكون سلاماً حقيقياً بحكم انه مس جوهر قضايا الخلاف التي لم تعالج منذ الاستقلال بغرض انجاز اتفاق نهائي. حوار : التجاني السيد