الثلاثاء 25 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 28 يناير 2003 ديكتاتورية صدام حسين صنعتها اميركا وبريطانيا بغضهما الطرف عن سنوات ما قبل غزو الكويت مما ساهم في ترسيخ «مملكة الشر» و«جمهورية الخوف» اللتين يتحدثان عنها .. تلك خلاصة اطلالة «آلان ليتل» مراسل الشئون الدولية في شبكة «بي. بي. سي» البريطانية على عالم صدام الخاص الذي لا يجرؤ فيه احد على قول «لا» لملك غير متوج لا يريد ان يسمع اخباراً سيئة. يقول ليتل في ليتل تقريره: لا بد أن تكون الحرب مع الولايات المتحدة وبريطانيا، بالنسبة لصدام حسين، على قدر من الصعوبة، ولكن من غير المحتمل أن يجرؤ أحد من المقربين منه أن يفصح له عن هذه الصعوبة. فعند غزوه للكويت، مغيرا بذلك في لحظة واحدة الشكل الاستراتيجي لأهم منطقة منتجة لطاقة في العالم، لم يستشر صدام سوى ثلاثة أشخاص فقط. وهؤلاء الثلاثة الذين استشارهم صدام هم ابن عمه (علي حسن المجيد) وصهراه (حسين كامل وصدام كامل). وهؤلاء الثلاثة هم من أبناء عشيرته التكريتية التي تحكم العراق منذ أكثر من ثلاثين عاما. وعندما تتخذ هذه المجموعة الصغيرة المتماسكة قرارا، فلا يستطيع أحد أن يتحداها. وهذه الخاصية معروفة عن رئيس زيمبابوي روبرت موجابي، وهي حقيقة بالنسبة لصدام حسين. نحن نعرف ذلك عن صدام لأن اثنين من مستشاريه الثلاثة إبان غزوه الكويت، وهما صهراه، قد فرا إلى الأردن عام 1995، إذ وصلا الأردن دون سابق إنذار بحثا عن لجوء سياسي. واستقبلهما الملك الراحل حسين ووضع في خدمتهما رئيس مكتبه الخاص، اللواء علي شكري. وقد أخبراه بكل شيء. كيف تتخذ الحلقة الداخلية قراراتها وكيف بدأ نجلا صدام يتدخلان في السلطة السياسية وكيف واصل صدام جهوده لتحقيق حلمه الطويل في حيازة قنبلة نووية. كذلك نعلم هذه الحقيقة لأن الرجل الذي كان رئيسا لأركان الجيش العراقي عام 1990، أي عند غزو الكويت، الجنرال نزار الخزرجي، قد هرب إلى الخارج بعد ذلك بسنوات وهو الآن تحت الإقامة الجبرية الفعلية في الدنمارك. فقد قال الخزرجي لبي بي سي إنه لم يعرف شيئا عن خطة غزو الخليج، وإنه سمع الخبر من الإذاعة، تماما كما سمعه باقي الناس. وعندما أخبر الخزرجي صدام بعد أيام من غزو الكويت، بأنه لا يستطيع أن يهزم جيشا بقيادة الولايات المتحدة، أبعده صدام عن منصبه. الديكتاتوريون لا يريدون أن يسمعوا أخبارا كهذه، فهم لا يستمعون إلى أحد. اللواء وفيق السامرائي، نائب رئيس المخابرات العسكرية السابق هو الآخر من المسئولين السابقين الذين هربوا إلى الخارج. ذهبت للالتقاء به في شقة صغيرة في مقاطعة سري أصبحت الآن منزله. سألته إن كان قد قال لصدام إن غزو الكويت كان خطأ فقال إنه من غير الممكن أن تقول ذلك لصدام وجها لوجه، وليس هناك من يستطيع أن يقول ذلك له. وأضاف: «الكل خائفون لأن صدام سيقتل من يقول له ذلك». هناك شخص واحد قال ذلك لصدام وجها لوجه وهو نائب السفير الأميركي لدى العراق، جو ويلسون الذي التقى بصدام بعد أربعة أيام من غزو الكويت. ويقول ويلسون إن صدام عرض على أميركا صفقة. «نحتفظ بالكويت على الرغم من أننا لا ندري ماذا نفعل بها. وإذا لم تثيروا أيها الأميركيون مشكلة، فإن بإمكاننا أن نتوصل إلى اتفاق ينفع الطرفين نقدم بموجبه إمدادات نفط رخيصة، مقابل أن يعد العراق بعدم تهديد السعودية». إلا أن السؤال هو لماذا تصور صدام أن الولايات المتحدة سوف توافق على مثل هذا العرض؟ الجواب هو لأنه ببساطة محاط بإمعات مرعوبين. ويعكس هذا أيضا الطريقة التي فهم بها صدام علاقته مع الولايات المتحدة. وكانت الولايات المتحدة قد أيدت انقلاب حزب البعث الذي وقع عام 1963. فقد كان للسي آي أيه دور فيه. فالمخابرات الأميركية هي التي موَّلت حزب البعث الذي كان صدام من الأعضاء الشباب فيه عندما كان في المعارضة. ويقول الدبلوماسي الأميركي جيمس أيكينس الذي كان يعمل في السفارة الأميركية في بغداد آنذاك «عرفتُ كل زعماء حزب البعث وأعجبت بهم». ويضيف أيكينس «من المؤكد أن المخابرات الأميركية «سي آي أيه» لعبت دورا في انقلاب حزب البعث عام 1963. لقد اعتبرنا وصول البعثيين إلى الحكم وسيلة لاستبدال حكومة تؤيد الاتحاد السوفييتي بحكومة أخرى تؤيد أميركا. إن مثل هذه الفرص قلما تتكرر». وقال أيكينس «صحيح أن بعض الناس قد اعتقلوا وأعدموا، إلا أن معظم هؤلاء كانوا شيوعيين، ولم يكن ذلك ليزعجنا». لقد دام هذا التعايش السعيد (بين أميركا وحزب البعث) حتى نهاية الثمانينيات. فعندما استولى آية الله الخميني على السلطة عام 1979، عملت أميركا على تحويل صدام إلى «رجل أميركا في منطقة الخليج». وقد قدمت واشنطن لبغداد معلومات استخباراتية، وأرسل الرئيس الأسبق رونالد ريجان مبعوثا رئاسيا خاصاً للتحدث إلى صدام حسين. واسم هذا المبعوث هو دونالد رامسفيلد. الجميع كان يعرف أن صدام حسين كان يستخدم الأسلحة الكيماوية ضد الجنود الإيرانيين. وعندما قتل خمسة آلاف كردي بالأسلحة الكيماوية في حلبجة عام 1988، اتجه الزعماء الأكراد إلى أميركا طلبا للمساعدة. وكان السياسي العراقي الكردي، محمود عثمان، بين هؤلاء. يقول عثمان إن أصدقاءه في وزارة الخارجية الأميركية لم يردوا على مكالماته الهاتفية. ويوضح ذلك لماذا اخطأ صدام كليا عام 1991 في تقديراته. فقد غضت أميركا والعالم الغربي النظر عن كل ما فعله خلال أكثر من عقد من الزمن. لم يجرؤ أحد على أن يقول هل إن غزوه للكويت سيكون أمرا مختلفا. وقد قضى ذلك القرار على اثنين من الأشخاص الأربعة الذين اتخذوه. فقد عاد صهرا صدام إلى العراق بعد ستة أشهر في المنفى، ظانين أن عمهما قد غفر لهما. يقول اللواء شكري: «لقد حذرتهم من أنهم سوف يعدمون خلال سبعة أيام من عبورهما الحدود. لكنني كنت مخطئا، فقد أعدما خلال يومين». هذه هي طبيعة حكم صدام، فليس هناك من هو آمن، حتى أولئك الذين يجلسون عند يمينه ليساعدوه على حكم جمهورية الخوف. إن الذين يقومون بأعمال التخويف يصبحون انفسهم ضحايا له. التقيتُ الأسبوع الماضي برائد في جهاز المخابرات العراقي من الذين انشقوا مؤخرا. قال لي ضابط المخابرات إنه يشعر بالعار من عمله في خدمة الديكتاتور. وعند سؤاله عن سبب عدم تركه عمله من قبل، أنصت إلي وقال: «إن لي زوجة وعائلة وطفلاً. ولو تركت فإن صدام سيقتلهم. هل تعلم ماذا يعني ذلك؟» وأضاف الضابط: «نعم. إنني أشعر بالعار لكنني من هذا البلد. لم أساعد صدام وحدي، بل ساعدته أميركا وبريطانيا. إنه رجلكم. إنه ابنكم». بي. بي. سي