الاثنين 24 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 27 يناير 2003 يفتتح الروائي الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز مذكراته «عشت لأروي» بالتنويه الى ان «الحياة ليست ما يعيشه احدنا وانما هي ما يتذكره وكيف يتذكره ليرويه». وفي اليوم الثاني لمعرض القاهرة الدولي للكتاب طرحت دار «البلد» بسوريا الطبعة الاولى من مذكرات الكاتب الحائز على جائزة نوبل في الاداب عام 1982، وتحمل مطوية الغلاف الاخير ما يمكن تسميته تقديما للرئيس الكوبي فيدل كاسترو الذي وصف المذكرات وكاتبها مؤكدا «انه يقوم في هذه المرة بتقديم بعض من نفسه بصراحة ببراءة بحمية تظهره مثلما هو عليه في الحقيقة..رجل مستقبل لا نستطيع الا ان نشكره لانه عاش هذه الحياة كي يرويها». وتعيد المذكرات التي ترجمها صالح علماني الى الاعتبار قيمة التذكر والقدرة البشرية على اعادة تشكيل واقعة بعينها لا كما شاهدها الكاتب في طفولته وانما كما تصورها ان تكون. فبعد ان يروي احدى الحكايات التي يعبر فيها على مصطلح «أساطير الطفولة»، يثبت «بعد ستين سنة من ذلك تقريبا عندما كنت احاول انقاذ الذكريات من أجل (الحب في زمن الكوليرا) روايتي الخامسة». وقريب من ذلك ما أشار اليه الكاتب وهو طفل بصحبة أمه في رحلة بالقطار الذي توقف في «محطة دون قرية وبعد قليل من ذلك مر قبالة مزرعة الموز الوحيدة على الطريق التي يظهر اسمها مكتوبا على البوابة.. ماكوندو». بعد ذلك انتبه ماركيز الى الايقاع الشعري لكلمة «ماكوندو» واستخدمها في ثلاثة كتب كقرية متخيلة. ولا يعمد الكاتب الى الادعاء او صناعة الاساطير بأثر رجعي عن نفسه أو عائلته بل يحكي احيانا بصراحة جارحة عن فقر الطفولة وكانت امه تقول ان الفقر يظهر في العيون «كانت تشتري لي ملابس مستعملة في مراهقتي وعندما لا تعود تنفع لمقاسي تكيفها لاخوتي الصغار». لهذه الام يدين الروائي ذو الشهرة العالمية بالكثير ويعترف «اظن انني مدين بجوهر طريقتي في الحياة والتفكير لنساء الاسرة ونساء الخدمة الكثيرات اللواتي رعين طفولتي لقد كن يتمتعن بقوة الشخصية وطيبة القلب وكن يعاملنني بتلقائية الفردوس الارضي». ومن احدى هؤلاء تلقى تحذيرا من «التذكر» فقد تصادف ان شهد ولادة احدى الشغالات متابعا مراحل الولادة من ركن لم يره فيه احد الى اكتشفت امراة وجوده فسحبته الى الخارج وقالت بتأنيب وتحذير «انك في خطيئة مميتة.. لا تعد الى تذكر ما رأيته». الا ان الكاتب ظل وفيا لقيمة التذكر ومحبا لروعة الاكتشاف وان كانت حداثة السن تمنعه من البوح ففي العاشرة اكتشف ان من يأتي بالهدايا في عيد الميلاد «ليس الطفل يسوع ولكنني كنت حذرا من قول ذلك». ويحظى ماركيز بتقدير عربي كبير واكتسب مصداقية ككاتب مهتم بالشأن العام حين نشره مقالا اقترح فيه ان «يمنح شارون جائزة نوبل في القتل» بعد حصار الجيش الاسرائيلي لمدينة جنين في العام الماضي. رويترز