الاثنين 24 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 27 يناير 2003 اتفق المشاركون في أولى ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب على ضرورة احياء مشروع حضاري عربي للتنوير والنهضة، واختلفوا حول أسباب انكسار وانحسار موجة التنوير، ما بين قائل بمسئولية تقاعس النظم المعتدلة عن تنفيذ الاصلاحات، وآخر ألقى بالمسئولية على دور الاستعمار الأوروبي العسكري، وثالث يعتبر ان الأفكار السلفية هي الخطر الراهن. هذا مارصده وحلله المشاركون في أول ندوات معرض الكتاب أمس الأول وهم د.فيصل دراج «فلسطين» د.محمد جابر الانصاري «البحرين» د.سليمان العسكري «الكويت» محمد عودة «مصر» أحمد حمروش «مصر». في البداية طرح الدكتور فيصل دراج فكرة جوهرية توضح تحولات مسار التنوير العربي وهي أن مشروع التنوير ارتبط ازدهارا وانكسارا بمشروع النهضة فكلما ازدهرت النهضة ازدهر مشروع التنوير، وكلما تراجعت النهضة ومنيت بالهزائم والضربات تراجع مشروع التنوير ليحل محله مشروع تجزئي سلفي. ويرى فيصل دراج ان هزيمة 1967 كانت أكبر ضربة تلقاها مشروع التنوير حيث سادت بعدها مفاهيم روج لها الغرب الاستعماري عن الخصوصية وعادت مرة أخرى فكرة ان الشرق شرق والغرب غرب، وانهما لا يلتقيان، ومن الخصائص التي يتسم بها الغرب: العقل والعلم والديمقراطية والبرلمان والدستور وغيرها من ركائز التنوير أما الشرق فإنه لا يعرف سوى نقيض هذه القيم وتلك المبادئ. ولمواجهة هذه الأزمة التي ادت الى تراجع مشروع التنوير العربي يقول فيصل دراج: مطلوب من العرب الآن السعي الى فلسفة جديدة والدعوة الى فلسفة تستلهم كل ماهو ايجابي في الفكر القومي والفكر الاشتراكي والفكر المستنير وكل ماله صلة بالمجتمع المدني وحقوق المواطنة والحريات العامة وحق الرأى والتعبير والديمقراطية والدولة العصرية. على أن أهم شئ ينبغي الانتباه اليه حتى تعود الروح الى مشروع التنوير العربي هو خلق الشروط الاجتماعية القابلة لتسييس الانسان العربي، وبدون شروط تسييس الإنسان العربي لن نتمكن من انجاز خطوة واحدة في مشروع التنوير، ومن بديهيات هذا التسييس التأكيد على فكر التحرر وفلسفته والعداء للاستعمار والولايات المتحدة الاميركية واسرائيل. الأنصاري: تراجع التنوير وتأخرت الاصلاحات: وفي مداخلته تناول الدكتور محمد جابر الانصاري الازمة الراهنة في المجتمع العربي من زاوية الهوة الشاسعة بين النظرية والتطبيق أو بين الأقوال والأفعال في الدول العربية، وقال ان المجتمعات العربية تأخرت كثيرا في تبني الاصلاح والتطوير والتنوير، وخصوصا في ربع القرن الأخير الذي شهد فيه العالم العربي أنظمة معتدلة «جمهورية أو ملكية» كانت قبلها أنظمة ثورية ومد ثوري انحسر هذا المد وتراجع، وهذه الأنظمة المعتدلة اتيحت لها فرصة الاصلاح والتطوير بدون مشاكل كبيرة لكنها لم تنتهز الفرصة السانحة في الاصلاح، وهناك قانون ثابت في حركة التاريخ وهو اما الاصلاح وإما الثورة فإذا خشيت من الثورة فعليك ان تبدأ بإصلاح صادق وتطوير حقيقي. النموذج البريطاني ـ يضيف الانصاري ـ لم تقم فيه ثورة ضد الملكية لأنه شهد اصلاحات وتطورات جذرية في الفكر والمجتمع والتربية.. الخ.. لأنك اذا لم تقم بالاصلاح فسوف تتعرض للثورة وهذا ماحدث للملكية الفرنسية التي لم تبادر الى اصلاح نفسها مثل الكثير من الأنظمة العربية في الوقت الحاضر. فنحن في العالم العربي تأخرنا في اصلاح أنفسنا وعلينا ان ننتبه الى ذلك وأن نبادر الى اصلاح حقيقي يتجاوز النظم السياسية وينفذ الى جميع الناس. على أن الأعمق من مشكلة الاصلاح هو أن كثيرا من النظم العربية لم تحدث النقلة النوعية من المجتمع القديم الى المجتمع الحديث، فالأزمنة في المجتمعات العربية تتجاوز وتتداخل ونجد من يعيشون في قبلية المجتمع الجاهلي الى جوار من يعيشون العصور الحديثة وهذا يخلق التوتر الذي نعاني منه نحن الآن كعرب. محمد عودة: «إبريز» الطهطاوي أول كتاب تنويري: وفي مداخلته استعرض الكاتب محمد عودة تاريخ التنوير المصري الذي بدأت بذوره منذ الحملة الفرنسية على مصر التي كانت استعمارا سافرا في الوقت نفسه حملت الى مصر أدوات وآليات التنوير والتحديث مثل المطبعة التي كان يشرف عليها مستشرق فرنسي يجيد اللغة العربية وكان يصحب مشايخ الازهر الى المطبعة ويشرح لهم أفضالها في طبع كتب التراث والحفاظ على الدين فيفتنون بها، وبعد خروج الحملة ومجئ محمد علي باشا وتصميمه على اقامة دولة عصرية في مصر تصادف ان كان شيخ الازهر حسن العطار شيخا منفتحا ومستنيرا، وعندما أرسل محمد علي أول بعثة مصرية الى فرنسا لاستيعاب أسس الحضارة الأوروبية وعلومها ونقلها الى مصر، رشح حسن العطار لمحمد علي شيخا ازهريا من تلاميذه وهو الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي ليسافر مع البعثة فكان رفاعة الأب الأول والرائد الأول للتنوير المصري وكان كتابه «تخليص الابريز في شرح باريز» هو أول كتاب تنويري في العالم العربي استوعب الحضارة الأوروبية والتنوير والتحديث وتحدث عن الديمقراطية والمجتمع المدني والمؤسسات والقانون والبرلمان والحريات. وينتقل محمد عودة الى محطة أخرى في مسار التنوير فيتوقف عند جمال الدين الافغاني الذي جاء الى مصر لنشر مبادئه العصرية فالتفت حوله نخبة من الشباب المثقف تحولوا الى مريدين له ولأفكاره وكان منهم الامام محمد عبده الذي عمل على تجديد الفكر والخطاب الديني وتخليصه من الخرافات ووضع هؤلاء بذور الثورة العربية، وعندما جاء الانجليز الى مصر جاءوا لضرب الثورة ولضرب اللغة العربية والدين ولاطفاء شعلة التنوير. ثم تأتي حلقة أخرى في مسار التنوير ـ حسب عرض محمد عودة ـ تتمثل في موقف الشيخ علي عبدالرازق الذي تصدى لاطماع الملك فؤاد ورغبته في نقل الخلافة العثمانية بكل مساوئها الى مصر، فكتب علي عبدالرازق كتابه التنويري «الاسلام وأصول الحكم» ليثبت فيه بالأدلة الشرعية ان الخلافة ليست فرضا من فروض الاسلام ولا هي حكم من أحكامه. العسكري: النكسة التنويرية سببها الاستعمار: أما الدكتور سليمان العسكري رئيس المجلس الوطني للثقافة والفنون في الكويت فقد توقف في مداخلته عند اثر الصحافة وبخاصة الصحافة الثقافية فمنذ بداية القرن العشرين ـ كما يقول العسكري ـ لعبت الصحافة دورا أساسيا في حركة التنوير داخل المجتمع العربي وطرحت كل القضايا التي كانت تطرح في الغرب مثل الوضع السياسي والاجتماعي والتعليم والديمواقراطية والسلطة والحريات والتربية وحرية المرأة وغيرها. وكان دعاة التنوير في الصحافة العربية ينظرون باعجاب لما يدور في الغرب ويطمحون للاستفادة منه في المجتمعات العربية بهدف تحديثها، وكانت هناك مقاومة قوية لهؤلاء لكنهم كانوا أقوياء وكانوا مؤثرين وكانت لهم أهداف عظيمة. وأضاف الدكتور العسكري ان هذا الزخم التنويري الذي كان قويا في بداية القرن انتكس الآن والسبب في انتكاسه وفي عدم تحويل مجتمعاتنا الى مجتمعات حديثة هو هيمنة الاستعمار الانجليزي والفرنسي الذي جاء للأسف من دول متقدمة لكنها عندما احتلت بلادنا العربية اغلقت الطريق امام أي مشروع للنهضة ووقفت في وجه التقدم العلمي. أما الكاتب والمؤرخ أحمد حمروش فقد استعرض مرة أخرى تاريخ التنوير المصري والعربي لكنه أضاف أن ثورة يوليو عندما أضافت الى مشروع النهضة المصري فكرة العروبة فقد أعطت للتنوير بعدا عربيا داعما للأمة العربية وقال حمروش ان التخوف الأساسي والخطر الاساسي على مشروع التنوير الراهن يأتي من سيادة الافكار السلفية التي تتقنع بقناع الدين وتطرح أفكارا متخلفة ضد التنوير. القاهرة ـ فتحي عامر: