الاحد 16 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 19 يناير 2003 استبعد مصطفى بكري رئيس تحرير جريدة «الاسبوع» المصرية المستقلة أن تشن الولايات المتحدة الأميركية حرباً ضد العراق خلال الأشهر المقبلة، مرجحاً تأجيل الضربة المحتملة الى نهاية العام الجاري. ورأى أن تكون العوامل الاقتصادية الى جانب عوامل أخرى مؤثرة سبباً مباشراً في تأجيل ضرب العراق الى نهاية العام، بديلاً عن التوقعات التي تشير الى ان الضربة ربما تكون في فبراير المقبل. وأوضح بكري في محاضرته التي ألقاها مساء الأربعاء الماضي بالفجيرة بدعوة من جمعية الفجيرة الثقافية ان أميركا تمتلك بالفعل القوة العسكرية لكنها لا تمتلك القوة الاقتصادية التي تؤهلها في الظروف الراهنة على امتلاك شروط الحرب ضد العراق التي يمكن أن تتكلف ما بين 100 و200 مليار دولار، ولا تستطيع الخزائن الأميركية حالياً الوفاء بها. وأكد بكري ان الأمة العربية بحاجة الى حركة واعية وحقيقية للالتفاف على كل المخططات التي تستهدف الهيمنة على مقدراتها، مشيراً الى ان الشعب العربي لايزال قادراً بالفعل على قيادة هذه الحركة شريطة أن تكون هناك مراجعة شاملة لكافة الأوضاع الحياتية المؤهلة لبناء مجتمع فاعل. كما توقع أن يكون الاحتمال القائم باقدام الرئيس العراقي صدام حسين على حرق آبار النفط في حالة تعرضه للقصف سبباً في وضع الإدارة الأميركية أمام حالة تردد بالنظر الى الآثار السلبية التي يمكن أن تنتج عن ذلك والتي ستؤدي بلا شك الى خراب الاقتصاد الأميركي بل والاقتصاد العالمي كله. المنطقة العربية مستهدفة وكان بكري في محاضرته تحت عنوان «الأوضاع في المنطقة العربية.. إلى أين؟» والتي قدمه خلالها الشيخ سعيد بن سعيد الشرقي رئيس جمعية الفجيرة الثقافية استهل حديثه بقوله: اننا نقيم بهذه المحاضرة حواراً تفاعلياً مشتركاً حول موضوع يشغلنا جميعاً يجسده هذا الظلم الأميركي الذي يمارس جهاراً نهاراً حول بلد عربي يقولون انه تجاوز كل القرارات الدولية بينما الحقيقة هي ان المستهدف هو المنطقة العربية كلها، ومنظومة القيم والعقائد الاسلامية، وقد تكشفت كل الوقائع حول هذا الهدف الذي أصبح معلناً. وأضاف: ان الرئيس الأميركي بوش يتحدث علانية عن حربه الصليبية الجديدة في الوقت الذي تتحرك فيه الآلة العسكرية الآن وتزحف نحو العراق والمنطقة بأكملها، وفي الوقت نفسه فإن كولن باول يختصر المسألة كلها فيعلن ان القضية لا تتعلق بالمفتشين الدوليين، ان أميركا مصرة على ضرب العراق، سواء استجاب للقرارات الدولية أم لم يستجب. النفط.. سلاح للهيمنة واستعرض بكري الأجندة المعلنة للحزب الحاكم في الولايات المتحدة الأميركية فقال: ان أميركا تريد الاستيلاء على النفط ليس في العراق فقط بل في المنطقة العربية كلها التي تملك احتياطياً استراتيجياً يقدر بحوالي 65% من الاستراتيجي العالمي، وبهذا الاستيلاء فإنها تستطيع أن تواجه العمالقة الجدد، حيث الصين واليابان والعملاق الأوروبي بقيادة ألمانيا. واستطرد قائلاً: ان الادارة الأميركية تدرك ان السلاح لم يعد هو الوسيلة المثلى لفرض هيمنتها على العالم كقوة كونية وحيدة، كما انها تدرك ان سلاح النفط هو القادر على تركيع الجميع علاوة على ان الحاجة الى النفط تتزايد يوماً بعد يوم. وأضاف: اننا أمام صراع في المرحلة المقبلة تريد الإدارة الأميركية حسمه من الآن، لأنها تدرك جيداً ان انهيار الامبراطوريات القديمة قد تم بعد أن تفوقت القوة العسكرية على القوة الاقتصادية، وهي، أي الادارة الأميركية، لا تريد أن تكرر التاريخ الماضي. أهداف مشتركة وأشار بكري الى ان هناك لجنة عسكرية أميركية اسرائيلية تتحرك على محورين وترى ان العراق هدف استراتيجي وكذلك السعودية، أما مصر فهي الجائزة الكبرى، وتعتبر اللجنة ان المسألة ليست مسألة تغيير نظام حكم أو أجندة محددة بحدود العراق بل تشمل كل المنطقة العربية. وأضاف: ان اسرائيل لديها مخطط أعده رئيس الوزراء الحالي شارون عندما كان وزيراً للدفاع عام 1982 يشتمل على عدة أهداف منها: ضرورة تغيير الواقع الديمغرافي (السكاني) في فلسطين، لأن استمراره يعني نهاية اسرائيل لصالح الفلسطينيين، وضرورة افتعال أزمة مع دولة عربية لاستغلال أجواء هذه الأزمة في العمل ضد أبناء فلسطين، ويشتمل المخطط كذلك على اقرار خطة للتفتيت الطائفي والعرقي في المنطقة من أجل جعل اسرائيل قوة كبرى تلتف حولها تلك الدويلات الطائفية والعرقية الناشئة. المبادرة... اهانة واملاء وفي حديثه حول مبادرة كولن باول للشراكة والديمقراطية قال بكري: انها محاولة للتدخل الواضح والصريح في الشئون العربية الداخلية، بل واهانة للأنظمة العربية الحاكمة وتقليل من شأنها، ومحاولة لايجاد قيادات تكتب بأقلام أميركية وباملاءات أميركية أيضاً. وأضاف: ان هذه المبادرة تسعى أيضاً لجعل الجيوش العربية خاضعة للقيادة الأميركية، والأجهزة الأمنية تابعة، بل وتسعى أيضا« الى التعدي على عقيدتنا من خلال خطة أطلق عليها «خطة تطوير الخطاب الديني» تهدف منها أميركا الى تعليمنا كيف نطور خطابنا الديني بما يتواءم والمشروع الأميركي للهيمنة على مقدراتنا. ويتوقف مصطفى بكري لاستعراض ما تستهدفه خطة تطوير الخطاب الديني، فيقول: ان المطلوب اضعاف الجانب الديني في حياتنا الاجتماعية واغراء الشعوب العربية باتباع الأنماط الغربية، والحاق الدعاة من مصر والسعودية للتدريب على طريقة التناول في الخطاب الديني وفق المنظور الأميركي، بل وتغيير معظم مفردات الخطاب الديني مثل الجهاد وغيره، وتجنب الحديث عن اليهود بشكل تحريضي، كما ان المطلوب هو الغاء دور المسجد كمؤسسة دينية وتحويله الى مجرد مؤسسة اجتماعية بحجة ان رسالة المسجد غير ديمقراطية وتفتقد الرأي الآخر فيما يطرح من أمور من قبل الأئمة. وأضاف بكري ساخراً: هكذا يكون المطلوب منا كمسلمين أن نحول ديننا الحنيف الى دين على «مزاج» الأميركان!! وفي إشارة موجزة الى المخطط الأميركي تجاه المنطقة قال: انه يستهدف الماضي والحاضر والمستقبل، وأيضاً التاريخ والجغرافيا، مما يجعلنا في حاجة الى مصارحة بعضنا البعض بعد أن كشف المخطط وبات واضحاً للجميع، وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية قد تستطيع تحرير هذا المخطط لكن الشارع العربي حي، والجماهير العربية لا يحكمها الساسة الأميركيون، وبوعيها لن تستطيع أميركا تنفيذ مخططها ونواياها. وحول محاذير ضرب العراق قال: ان العراق ليس سهلاً، ويجب أن يكون لدينا بعض الثقة في ذلك، فالحرب المقبلة ستكون بشعة والشارع العربي لا يمكن أن يصمت تجاهها، فالتقديرات المتواضعة تقول ان حوالي نصف مليون عراقي سوف يسقطون بين قتيل وجريح، كما ان أعداداً ضخمة سوف تكون ضحية للجوع، علاوة على دمار البنية التحتية للعراق، وانتشار الأوبئة. وأضاف: ان بوش يمكنه أن يطلق صواريخه وقنابله من الجو على العراق لكن الى أي مدى يمكنه بالحرب البرية أن يجتاح العراق؟! الفجيرة ـ محمود علام: