السبت 15 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 18 يناير 2003 حذر محمد حسين فضل الله رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان من الاستجابة للمبادرة الاميركية الخاصة بالقضية الفلسطينية قائلا ان ظاهرها الحل وباطنها سوق الشعوب العربية والاسلامية الى المقصلة وحذر فضل الله من اشغال الانتفاضة بتفاصيل تافهة، لان المبادرات المطروحة ليست الا خديعة. وطالب رئيس المجلس الشيعي الاعلى الامة بالخروج سريعا من حالة الاسترخاء لان وجودها ذاته اصبح مهددا واوضح ان القواعد العسكرية الاميركية في المنطقة اصبحت خطرا على الشعوب لأنها تمثل انتدابا عسكريا مقنعا للسيطرة على المواقف السياسية والاوضاع الاقتصادية وتساءل فضل الله اين الجامعة العربية والمؤتمر الاسلامي ونحن نعيش كل لحظة استلابا وتهديدا لأكثر دولنا؟ ومن يضمن لنا ان اميركا لن تنصب ديكتاتورا جديدا يتقنع بالديمقراطية مثلما ساندت الانظمة التي تقهر شعوبها. وهذا نص الحوار: ـ مارست اسرائيل مختلف انواع العدوان والهمجية والتهديد والوعيد حتى الآن، لتجد نفسها في المحصلة محشورة في الزاوية، عاجزة عن تحقيق ضرب الانتفاضة ووضع حد لثورة الحجر والبشر بوجهها في فلسطين. كيف يمكن توصيف الحالة التي تمر بها سلطات الاحتلال على مفترق انتهاء عام واستقبال آخر؟؟ ـ لم يعد العدو يملك هامشا كبيرا من المناورة بحيث يضرب دون ان يتلقى ضربات مضادة تستهدفه حتى داخل فلسطين المحتلة، وتنذره بان توازن الرعب معه لا يزال قائما، وبالتالي فلا يمكن لاية تطورات في المنطقة ان تلغي مفاعيله، او ان تجعل اسرائيل طليقة اليد مجددا في لبنان، بل لا بد من ان تدفع الثمن على كل خطوة تحاول من خلالها الاعتداء على الامن اللبناني الداخلي بطريقة مباشرة او غير مباشرة... بعد مرور حوالي السنتين على الانتفاضة في فلسطين المحتلة، بات العدو يشعر بصعوبة القضاء عليها، وعلى حركتها الشعبية والجهادية التي قد تخمد في اوقات قليلة، ولكنها سرعان ما تعود الى الضغط على الاحتلال الاسرائيلي بشتى الوسائل المتاحة والتي تؤكد ان المأزق الاسرائيلي عميق جدا، وان الشعب الفلسطيني ماض في خط المواجهة ليفتح اكثر من ثغرة في جدار الاحتلال الذي لا بد ان من ان يقر باستحالة القضاء على حركة شعب يعمل للخلاص من الاحتلال، وهو الامر الذي اعترف به الاعلام الصهيوني نفسه الذي اقر بان جيش العدو بذل اقصى ما يمكن لجيش ان يبذله. هناك تلويح بان الضائقة التي يعيشها المجتمع الصهيوني هي اقل خطورة من تلك التي يعيشها الفلسطينيون، بصرف الانظار عن التأثيرات الاستراتيجية التي فرضتها وتفرضها الانتفاضة على مجتمع العدو». ـ قد يفسر حشر اسرائيل في الزاوية احد ابرز اسباب اضطرارها للبحث عن هدنة، خاصة مع اقتراب الانتخابات فيها؟ ـ لم يعد خافياً على احد ان العدو يسعى لاستثمار الوضع القائم في المنطقة على اكثر من مستوى، وخاصة في الجانبين الامني والسياسي، بعدما شعر بان التهديدات التي أطلقتها الولايات المتحدة الاميركية من جهة، والجرائم الوحشية التي قام بها هو ضد الفلسطينيين والتي تواصلت حتى في ايام عيد الفطر من جهة ثانية، لم تحل دون استمرار ضغط الانتفاضة عليه حتى في الوقت الذي يمهد السبيل فيه لتحرك اكثر من وساطة على امل تهدئة الامور في فلسطين المحتلة لحسابه، ولاستدراك اية تطورات قد تنعكس عليه في الانتخابات المقبلة وغيرها. ولذلك، فان مسئولي العدو يحاولون الايحاء للمجتمع الصهيوني الداخلي بانهم قادرون على تحريك عجلة التطورات حسب مصالحهم، ودفعها في اطار مخططاتهم الرامية الى استكمال استهدافهم لمن يشكل خطراً على امنهم سواء في فلسطين او في لبنان». الفتنة ـ ما هي المحاولات التي قامت بها اسرائيل خلال العام 2002، وتشكل امتداداً لما سبق ذلك، بهدف اخراج نفسها من عنق الزجاجة التي أوصلتها اليه الانتفاضة؟ ـ ثمة مرحلة جديدة من مراحل الحرب على الفلسطينيين قد بدأت، سواء على مستوى تهويد المزيد من المناطق، كما في «الخليل»، من طرد لعائلات بكاملها لمصلحة توسيع مستوطنة المحتلين اليهود هناك، او على مستوى الاستهداف الوحشي للمدنيين من العمال او الاطفال بالقصف العشوائي، او حتى بالاغارة من خلال الطائرات الحربية والمروحية، كما ان الهجمة الاسرائيلية على مواقع العبادة في فلسطين تأتي في السياق نفسه الذي يستهدف دفع الفلسطينيين نحو التسليم بالشروط الاسرائيلية التي تتبناها الادارة الاميركية. اضافة الى ذلك فان العدو الصهيوني يواصل عمليات الاغتيال والحصار والاعتقال وتدمير المنازل وجرف المزارع، والهاء «السلطة» بالاتفاقات الامنية التي هي في مستوى الخديعة الساذجة، وقد سمعنا «مراراً» ان ارييل شارون يحدث وزارءه عن اتفاق، لكنه لا يمثل الا سحب دبابتين من الشارع، كما سمعنا بعض رجال السلطة الفلسطينية يصرحون بان اسرائيل تمارس المماطلة في تنفيذ الاتفاق، وان وزير حربها يشكك في قدرة السلطة على ضبط الامن لان المطلوب اسرائيلياً واميركياً اعطاء العالم فكرة ان اسرائيل تسعى للسلام مع الفلسطينيين، مع التخطيط لايجاد مناخ للفتنة من اجل ايقاف الانتفاضة وتحويل المسألة الى صراع فلسطيني ـ فلسطيني، بدلاً من صراع اسرائيلي فلسطيني، وهذا هو الحل المميت للقضية الفلسطينية. ـ لوحظ في الفترة الاخيرة زيادة تحرش اسرائيل بلبنان ومحاولة اللعب على اوراق التناقض بداخله ما تفسيرك؟ ـ نضع الاعتداءات الاسرائيلية في اطار سعي «الموساد» للعودة بقوة الى الداخل اللبناني، في محاولة جديدة لتلميع صورته التي ارهقتها المقاومة اثناء الاحتلال، وحتى في اعقاب الانسحاب الاسرائيلي، كما ان مسئولي العدو يحاولون استثمار ذلك ووضعه في سياق خططهم الانتخابية والسياسية. ولا شك ان تلك التطورات أظهرت مجدداً ان اسرائيل لا تستثني اية فئة لبنانية من اعتداءاتها ومخططاتها، وانها تنظر بعين الحقد الى الوحدة اللبنانية التي يمثلها الشعب كله في مواجهة أطماعها واهدافها، ولا سيما تلك التي تجلت في وحدة الدولة والشعب معاً، والتي جعلت اسرائيل تحسب الحساب لاية عملية عسكرية، لانها قد تنعكس عليها بطريقة او باخرى، وان حاولت ايصال اكثر من رسالة عبر اكثر من عملية امنية، ولكنها في المقابل حظيت باجوبة سريعة ودقيقة». ـ كيف تندرج تلك التطورات في سياق التعاطي الدولي مع الشأن الفلسطيني في ظل الهجمة الاسرائيلية ـ الاميركية الشرسة على المنطقة العربية بصورة عامة؟. ـ ان القضية الفلسطينية تراوح مكانها في موقع التجميد الاميركي، حتى للمشروع الذي اعلنه الرئيس الاميركي جورج بوش والمسمى «خارطة الطريق» للدولة الفلسطينية، وقد فرض وزير خارجيته ذلك على اللجنة الرباعية، ذلك ان اسرائيل طلبت تأجيل الامر الى ما بعد انتخاباتها من دون ان يطلب منها ايقاف الهجمة العسكرية والاقتصادية والتدميرية على الشعب الفلسطيني، لان السياسة الاميركية هي اعطاء الدولة العبرية الفرصة لخلق امر واقع امني سياسي يمنع من تحقيق الهدف الفلسطيني في انشاء الدولة المستقلة حتى على مساحة الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، لان اميركا لا تعترف بانها اراض محتلة بل هي ـ في المنطق الاميركي ـ اراض متنارع عليها. اما الدعوة البريطانية للسلطة الفلسطينية للاجتماع في لندن للبحث في اصلاحها السياسي والامني، فهي دعوة يراد منها تجميد الانتفاضة وارباكها واشغالها بالتفاصيل التافهة، ريثما تنتهي الانتخابات الصهيونية بسلام وتنطلق طبول الحرب ضد العراق بالطريقة المتوقعة». ـ هل الادارة الاميركية جادة في هذا؟. وهل تصدق نفسها ومستشاريها ومخبريها حول الاساس في نمو ما تسميه الارهاب؟ انها تعرف جيداً ان السبب في ذلك كله هو موقفها في التأييد المطلق للعدو الصهيوني، واعطائه الحرية في تدمير البنية التحتية للشعب الفلسطيني، ومنعه من حق تقرير المصير ومقاومة الاحتلال، وادخال حركات التحرر الفلسطيني واللبناني في دائرة الارهاب، ومحاصرة ايران لاخضاعها لنفوذها الاستكباري، وتهديدها لدول المنطقة بتهمة حيازتها لاسلحة الدمار الشامل التي تملك اسرائيل اقوى ترسانة عسكرية منها بما في ذلك السلاح النووي، ودعمها للانظمة التي تحاصر شعوبها حماية لمصالح اميركا». اجتياح آخر ـ ما هي ابرز الاحتمالات الاميركية في المنطقة خلال العام الجديد 2003؟. ـ أخشى: «ان تكون الكلمات الجديدة التي صاغتها الادارة الاميركية، ضمن مبادرة جديدة، هي مقدمة لصياغة جديدة، على اساس ان تسير المنطقة في ركب التوجهات الاميركية الجديدة وليس العكس، ليصار الى ربط العالم العربي والاسلامي بالعجلة الامنية والعسكرية الاميركية التي تعني - من ضمن ما تعنيه ـ نزع بقايا القوة في هذا العالم، وانهاء الصراع مع اسرائيل وفق المبدأ الاميركي القاضي باعلان تفوقها على العرب والمسلمين مجتمعين، مع ما يعنيه ذلك من انهاء للقضية الفلسطينية وفق الشروط «الشارونية». لذلك فانني المح في المبادرة الاميركية الجديدة ملامح المشروع الاميركي الذي نسقته الدوائر الامنية والسياسية الاميركية للمنطقة، مستفيدة من حركة كل الطغاة الذين ساهمت في صعودهم الى الواجهة، لتعمل على اجتياح المنطقة كلها بمشروع جديد، ظاهره حل مشاكل المنطقة الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية، وانهاء ما يسمى بـ «النزاع العربي ـ الاسرائيلي»، وباطنه سوق العرب والمسلمين الى المقصلة واجبارهم على الاعتراف بالهزيمة الشاملة وما يترتب على ذلك من اعلان الخضوع لاميركا وربيبتها اسرائيل، بعيد انهاء او تدجين القوى الحية في الامة التي لا تزال تتحرك في فلسطين وما حولها. اننا نحذر من ان ما تخطط له الادارة الاميركية هو اخطر بكثير من كل ما جرى ويجري على امتنا الى الان، لان الهدف الحقيقي الكامن وراء هذه المبادرات الاميركية هو تغيير وجه العالمين العربي والاسلامي لحساب المصالح الاميركية والصهيونية، ولذلك فالمطلوب هو الخروج السريع من حالة الاسترخاء واللامبالاة، لان الخطر الداهم لا يهدد حاضر الامة فحسب، بل قد يعني تهديد وجودها ايضا». ـ هل تعتقد ان هناك اهدافا ابعد من مجرد ازاحة النظام العراقي؟ ـ القواعد العسكرية الاميركية في المنطقة، ولا سيما في الخليج، بدأت تدق ناقوس الخطر ضد شعوبها، في عملية انتداب عسكري مقنع للسيطرة على المواقف السياسية والاوضاع الاقتصادية، والعبث بكل ثرواتها الطبيعية، والتلويح بالضربات الوقائية لاكثر من هدف محتمل، قد تكون سوريا وليبيا وايران في مقدمتها، تحت شعار منع حصول هذه الدول على اسلحة الدمار الشامل، والتهديد بانها تحتفظ بحقها في الرد بقوة هائلة، بما في ذلك جميع الخيارات المتوفرة لها ضد اي طرف يستخدم هذه الاسلحة ضد قواتها في العالم، وضد اصدقائها او حلفائها، حتى على مستوى الاستخدام الاميركي للاسلحة البيولوجية والكيميائية والنووية. ثم ان الولايات المتحدة الاميركية التي عملت على توفير كل الاجواء الدولية والاقليمية الملائمة لاسرائيل لكي تقفز فوق كل القرارات الدولية، من قرار العودة «الرقم 194» الى القرارين 338 و424، الى كافة القرارات التي تنكرت لها بالكامل في ما يختص بضمها للجولان واحتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة وغيرهما. ان اميركا هذه تريد محاكمة العرب والمسلمين جميعاً باسم القرارات الدولية التي دعمت اسرائيل لكي تتنكر لها، وتتجاوزها مراراً، لا بل ساعدتها في صنع واقع جديد في المنطقة، لا يحسب للقرارات الدولية حساباً، ولا يقيم لحقوق الانسان وقضايا الشعوب وزناً. ـ السلوكيات والاهداف الاميركية حيال الشعوب العربية والاسلامية، مثار اندهاش.. تعلن انها مع الديمقراطية وتتدخل لاجهاضها حينما تصبح واقعا وشيكا؟ ـ «لعله من المضحك ـ المبكي ان تعلن اميركا عن مبادرة للشراكة بهدف مساعدة العرب للتكيف مع العصر، وتعزيز الديمقراطية في العالم العربي، وتشجيع قوى الاصلاح والتغيير، وتطوير مؤسسات المجتمع المدني وحكم القانون في هذا العالم، لكننا امام هذه المبادرة نقول: ان شعار الديمقراطية الذي ترفعه اميركا في العالم الثالث هو من اجل حماية المصالح الاميركية، بايجاد حالة شكلية من التغيير الذي لا يلامس العمق في حق الشعوب في التحرك على اساس حماية ثرواتها الطبيعية واستثماراتها الاقتصادية واسواقها الاستهلاكية من السيطرة الاستكبارية. واننا نعرف ان حلفاء اميركا في العالم هم الذين يصادرون مصالح شعوبهم لحساب المصالح الاميركية، ولكن بشكل يحمل بعض الملامح الديمقراطية. تعرف اميركا جيدا بان اغلب الشعوب المستضعفة، ومنها شعوب العالمين العربي والاسلامي، تحمل الكراهية للادارة الاميركية في مراحلها المتعاقبة، لانها وقفت مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين، ومنعت العالم من حماية الشعب الفلسطيني من مجازر اليهود، وساعدت، ولا تزال، اسرائيل بعشرات المليارات من الدولارات من اجل اسقاط مواقع القوة للفلسطينيين. بيروت ـ وليد زهر الدين: