الاربعاء 12 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 15 يناير 2003 في سياق الانجراف نحو اليمين الذي يشهده مجتمع الدولة العبرية بدا كاتبان اسرائيليان واثقين من فوز ارييل شارون زعيم «الليكود» بالانتخابات المقبلة، لكنهما توقعا له مهمة مستحيلة بعد هذا الفوز، وحيث لن ينجح في تشكيل حكومة مستقرة وبالتالي لن يكون هناك مفر من انتخابات جديدة خلال العام الجاري. وقال الكاتب يوئيل مارلوش في مقال نشرته أمس صحيفة «هآرتس» العبرية: من الصعب كتابة كلمة انتقادية ضد رئيس الحكومة في هذه الايام من دون ان تغمرك موجة من الاحتجاجات الغاضبة. رسائل حافلة بالتهديدات مثل «نهايتك ستكون مثل نهاية كل خائن لشعبه». رسائل مليئة بالتعابير القاسية والشتائم والنعوت الصعبة على شاكلة «هتلر». هذه الرسائل تنتقل من مخاطبة الفرد الى لغة الجماعة مثل «أنتم اليساريون تعشقون العرب» أو «أنتم الذين صنعتم اتفاق اوسلو وأعطيتم السلاح للفلسطينيين» وما الى ذلك من عبارات وألفاظ. والأمر الأكثر غرابة هو ان صعوده في استطلاعات الرأي تناسب طرديا مع حجم فشله، شارون تلفع برداء الشخص الذي يمكن الوثوق به والذي يعرف ماذا يفعل. كثيرون اختاروا الانضواء تحت لواء شخص يعبر عن الثقة لهم فقط من خلال حقيقة وجوده هناك مهما بلغ عدد المقتولين والضحايا. ومن المثير ان ما تسبب في هبوط شعبيته في الاستطلاعات لم يكن فشله القيادي وانما قضية الفساد التي تثار الآن. فهل هذا رد فعل جماهيري متأخر؟ على كل الاحوال القشرة التي غطت شارون الحقيقي تصدعت. الليكود سينتصر الآن فعلا، الا ان فتيل قنبلة الزمن قد اشتعل الآن. وشارون لن يكون من الآن نفس شارون ما بعد الانتخابات. هكذا هو الحال عندما يتسبب الفساد وليس وضعنا الأمني والاقتصادي البائس في كشف اللثام عن فشل القائد. أما سفير بلوتسكر محلل الاستطلاعات فكتب في «يديعوت احرونوت» العبرية يقول:لقد اخطأ شارون خطأ جسيما اذ قرر تقديم موعد الانتخابات للكنيست. وهو اليوم متأسف على ذلك، واذا ما شكل الحكومة التالية فلا بد انه سيبعد عنها الناس الذين أشاروا اليه بارجاء النهاية. جدول اعمال الحكومة المقبلة مكتوب منذ الآن، وهو يستدعي الحسم الدراماتيكي في ثلاثة مجالات مركزية ويعد بالفشل لحكومة ضيقة أحادية الجانب. أولا، لا مفر من القطع العميق في اللحم الحي وتنحيف ميزانية 2003. فالمزيد من المس بالمخصصات غير ممكن وغير مرغوب فيه، لاسباب اجتماعية. وهذه المرة سيكون هناك اضطرار لتقليص في النشاطات واقالة العمال وتقليص الاجور. ومثل هذه الخطوة تتطلب ائتلافا مع «العمل» و«شعب واحد». وبدون الحوار معهما، ولا سيما مع الهستدروت، فلا أمل في اقرار التقليصات. غير انه في الحملة الانتخابية المضغوطة لشارون فانه يحرق الجسور نحو قيادة «العمل» ويقوم بمهمة ميتسناع نفسه الذي يرفض «في هذه الاثناء» حكومة الوحدة. والأمل في ان يقيم حكومة طواريء اقتصادية بعد الانتخابات يبدو الآن طفيفا. ثانيا، الحرب في الخليج لن تندلع، أغلب الظن، قبل الانتخابات. واحتمال تأجيلها الى ما بعد الصيف يبدو الآن عاليا جدا. وبالمقابل يقصر فتيل انتظار الادارة في واشنطن لتسوية اسرائيلية ـ فلسطينية، وثمة هناك اقتراب يجر الأرجل نحو موقف الاتحاد الاوروبي، ولا سيما الموقف البريطاني. فالصداقة بين بوش وشارون شجاعة ولكنها غير مقيدة: «خريطة الطرق» ستطرح على طاولة حكومة اسرائيل في أقرب وقت ممكن. وسيكون هذا انذارا، غير رسمي، لتلقي المساعدات الاقتصادية، بيد ان شارون لا يمكنه ان يتوقع من ان يمنحه ميتسناع بعد الانتخابات مساندة واسعة، كما منحه فؤاد وبيرس قبل عامين، وفي داخل كتلته هو تعزز الجناح الصقري. ونشأ مأزق. على أمل زيادة قوة الليكود في الكنيست التالية والتحكم بالحكومة بمفرده. والاستطلاعات تشير الى ان احتمالات ذلك طفيفة. ولا يمكن لشارون اليوم الا ان يتوق للحكومة التي كانت له. القدس ـ «البيان»: