الثلاثاء 11 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 14 يناير 2003 في حوار نادر لصحيفة خليجية اعترف الدكتور يورج هايدر زعيم اليمين النمساوي المتمثل في حزب الحرية بوجود توجه كنسي اوروبي للتقليل من تأثير واسهام الحضارة العربية الاسلامية على حضارة اوروبا. وأكد هايدر في حوار مع «البيان» ان حوار الحضارات لم ينطلق حتى الان، طالما ظلت الهيمنة الاقتصادية والعسكرية هي التي تسير امور العالم. واتهم هايدر الصحافة الغربية، بالانحياز ضد العرب تحت ضغط المصالح والمنافع والرؤى المشجعة. ويشغل هايدر حاليا منصب حاكم مقاطعة كارينثيا احدى اجمل المناطق الاوروبية. تالياً نص الحوار: ـ شهدت الساحة الدولية في الآونة الاخيرة دعوات الى حوار الحضارات وأخرى ترى عكس ذلك، وبدأت الأنظار تتجه الى احتمالات أسوأ في فهم المنظور السياسي للحالة الراهنة، كيف ترون بصيص امل الحوار بين الحضارات حسب ما تضمنته رؤية الأمم المتحدة باعتبارها الحاضنة لشركاء الحضارات المختلفة؟ ـ حقاً، انك تتحدث عن مجرد بصيص أمل فحسب، ان ما يسمى الحوار بين الحضارات لم يبدأ بالكاد، بمعنى آخر عندما تكون المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية مهددة، فإن القول المأثور «البر يبدأ بالبيت» مازال مسيطراً وحاكما الان، هنا يتضح الامر جليا، من هم اللاعبون الكبار الذين تكون لهم الكلمة في الأمم المتحدة. نحن بعيدون بضع سنوات ضوئية من ان نكون قادرين على التحدث عن المساواة بين الشعوب، ان تحدي اوروبا الجديد هو الانعتاق من الظل السياسي للولايات المتحدة والشروع في مسار مستقل اكثر منه الان. المشكلة القائمة تنعكس بصورة تلقائية على مسار حوار الحضارات، وتداخل المصالح والأبعاد السياسية يجرف وراءه تلك الأصوات المبحوحة التي تنادي بصيغ اكثر عدالة في فهم وصيرورة حوار الحضارات، وما دام الظل السياسي الاميركي يهيمن على الرؤية الاوروبية فستظل اوروبا تجتر مفردات حوار الحضارات دون وعي ودون فاعلية تثمر ما تصبو اليه الشعوب ومنتديات حوار الحضارات. التواصل الحضاري يرفض الرؤى المسبقة ـ ما دمنا نتحدث في «أزمة الحوار والتواصل الحضاري» وصراع المصالح بين من تسميهم اللاعبين الكبار، ووفقاً لخبرتك في التعامل مع العديد من البلدان العربية والاسلامية، هل تواجه صعوبات في تفهم هذه الشعوب وخصوصياتها الثقافية وتطلعاتها السياسية والاجتماعية؟ ـ ان التفاعل ومواجهة الثقافات على الطبيعة يعتبران تجربة ثرية تساهم في فهم أفضل لثقافة الاخر، من المبالغة الزعم بأنه من اليسير تفهم حضارة بالغة التعقيد من قبيل الثقافة العربية والاسلامية. ان التعامل مع الثقافة الاسلامية تحتم عليك التعامل مع جوهرها وكينونتها على نحو مكثف، قد يكون يسيرا التحدث عن التواصل والتسامح، لكن تلمس حقيقة ثقافة الاخر عن قرب والتعامل معها دون احكام مسبقة هو الرؤية الضرورية والفاعلة في الاستفادة. الى غاية اللحظة استفدت من التواصل والاحتكاك بعلاقاتي السابقة والتي علمتني بأن ثمة وجهات نظر بعيدة عن تلك المسلم بها في اوروبا وأميركا، حيث كرست منظومة الاعلام الغربي صورة نمطية عن الشعوب العربية والاسلامية، وتشبعت الاجيال الغربية بهذه الافكار الخاطئة، لذلك فليس من السهل الوصول الى الحقيقة اذا لم يكن هناك تعامل مع الوقائع والشعوب على الطبيعة ودون حواجز. وأود هنا ان اشير الى ضرورة الحركة والتنقل بين مختلف البلدان ومواجهة الثقافات المحلية بتلقائية وعفوية فذلك يقدم نتائج ايجابية في التواصل الثقافي وجعل العلاقات الانسانية اكثر توافقا، مما يخدم في انجاح مباديء حوار حضاري حقيقي بعيدا عن صالونات الدعاية الجوفاء. للمسلمين فضل اكتشاف الكنوز الاغريقية ـ كيف يرى الدكتور هايدر مساهمة وعطاء الحضارة الاسلامية في اوروبا ابان فترة وجود المسلمين في الاندلس في سياق الاعتراف بالآخر كشرط لديمومة ونجاح الحوار الحضاري؟ ـ ينبغي علينا عدم الضحك على أنفسنا، ثمة مسلك كنسي للتقليل من تأثير العالم الاسلامي على الحياة الفكرية في اوروبا لفترة طويلة. هذا التقليل قد يكون مشروعا في زمن الصراعات، بيد انه الان يجب اعادة النظر الى جذورنا الثقافية المشتركة. يرجع الفضل الى الحضارة الاسلامية في الكشف عن كنوز مقدرة من الفلسفة الاغريقية، حيث طوعتها واثرتها وجعل منها ذخرا علميا وانسانيا، وقدم المسلمون ثقافتهم في سياق التواصل الانساني فلم يختزلوها لانفسهم بل امدوها بمهاراتهم العلمية وجعلوها في متناول اوروبا. لقد حقق العالم الاسلامي وقتذاك انجازات مذهلة في العلوم، فلننظر مثلا الى الطب، الرياضيات أو علم الفلك، نحن الان نستعمل الارقام العربية وليس الارقام الرومانية، ومعروف ان الخوارزمي اكتشف الجبر الذي احدث ثورة جديدة في سياق التدافع العلمي الرياضي، قس على ذلك ما تشاء في مختلف المجالات. ان اثر الاندلس كان كبيرا علينا، ويجب الاقرار بذلك، انصافاً للدور الريادي والعطاء الانساني للاندلس في الحضارة الاوروبية، كما ان المدنية المعاصرة هي في الحقيقة حلقة في سلسلة التراكم التاريخي، فلم توجد من عدم بل كانت ثمرة من ثمار ذلك العطاء الفريد للاندلس وللثقافة الاسلامية في اوروبا. انحياز الإعلام الغربي دعائي ونفعي ـ هل تعتقد ان الاعلام الاوروبي يتعامل بمعايير مزدوجة؟.. عندما يتبنى احيانا الحوار مع الآخر، ومن جهة اخرى يتفنن في الاساءة الى الخصوصيات الثقافية للاخرين؟ ـ ثمة علاقة كبيرة للاعلام بذلك، الاعلام يعكس احيانا صورة مشوهة عن الحقيقة، غير ان هذا الامر ينطوي احيانا على نوايا سيئة. ان هذا التحامل يصب في اهداف الدعاية والتجارة، وحسبك في ذلك المواد الاعلامية التي كتبت عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث قامت الصحافة وعن بكرة أبيها باتهام المسلمين دونما تمييز وتم تسويق هذا الامر على نحو جيد يخدم الدوائر الاعلامية المتحاملة على العالم العربي والاسلامي. ان غياب الصوت الواعي والمسئول في المنظومة الاعلامية سيكرس قيماً خطيرة على مجريات العلاقات بين الشرق والغرب وسيسهم في تكريس الصورة النمطية التي خلقتها ابواق اعلامية تهدف الى وضع العربي والمسلم في المواجهة المباشرة، وفي ذلك الوقت سمعت فئة قليلة من المتحدثين بشأن الرأي الآخر او حتى الرؤية المحايدة، لقد ساعد الاعلام على خلق صورة مشوهة، ستمتد اثارها طويلا، حتى على صناع الاعلام، هل فكروا مليا في عواقب ذلك الامر؟ هل فكروا في اطفالهم؟! عليهم ان ينقذوا انفسهم كما يحاولون انقاذ الآخرين. ـ سمعنا بأن المقاطعة التي تديرون شئونها خليط من ثقافات وعرقيات مختلفة، هل لكم ان تقدموا لنا صورة ولو مختصرة عن هذه التركيبة الثقافية العرقية لسكان «كارينثيا»؟ ـ في كارينثيا هنالك مجموعتان عرقيتان، والأغلبية يعتبرون انفسهم منحدرين من أصول المانية، والأقلية تتحدث عن أصولها السلوفينية، ويقطنون في الأجزاء الجنوبية من كارينثيا ويطلق عليهم بـ «انتركانتن»، كما ان العلاقة بين الجماعتين ليست بالسهلة دائماً، ويعود ذلك الى بعض الاحداث على اثر الحرب العالمية الثانية، حيث طالبت سلوفينيا بحقها في اجزاء من كارينثيا، ونحاول تجسير الهوة بين المجموعتين، ومن نافلة القول ان الاغلبية السلوفينية تعيش في اوضاع افضل وتتمتع بامتيازات مقدرة مقارنة برفقائهم من الأقليات الاخرى في اوروبا، وتقدم لهم كل المساعدة للاحتفاظ بهويتهم، على سبيل المثال لا الحصر: المدارس ومحطات الاذاعة والتلفزيون باللغة السلوفينية. لقد اشادت المجموعة الاوروبية بهذه السياسة الحكيمة تجاه الأقلية السلوفينية باعتبارها رائعة ومثالا يحتذى. ـ ونحن نتكلم عن التواصل الحضاري والتفاعل بين مختلف الشعوب، كيف هي قراءتكم لحال رغبة الانسان العربي في «كارينثيا» اي ماذا يمكن ان تقدمون له كسائح او كرجل اعمال او غير ذلك؟ ـ تعتبر «كارينثيا» منتجع عطلات وهي صنو للعالم العربي، في «كارينثيا» يمكنك رؤية جبال النمسا والغابات الكثيفة والوديان الخصبة والسهول، وفي المقام الاول تمثل المياه اكسير حياة بالنسبة لنا. نحن الوحيدون في اوروبا الذين يستطيعون الحصول على ماء الشرب من بحيراتهم، وفي كارينثيا هناك حوالي 1200 بحيرة، ويمثل الريف بعدا اخر لكارينثيا وهذا يفسر سر نجاحنا سياحيا في الجانب الاقتصادي. كارينثيا بلد يجمع ما بين التراث وروح العصر، وهذا الامر بالكاد تقوم به البلدان الاخرى، سوف تجد عندنا حرفاً يدوية في مناطق الغابات، كما تجد منتجات طعام طيبة من مزارع طبيعية غير متأثرة بالكيماويات، ونستعمل تقنيات عالية تنافس افضل مثيلاتها على مستوى العالم. من جهة اخرى، درجت الثقافة الاجتماعية في كارينثيا على حب الاخرين وجعلهم يستأنسون بطيب الاقامة بين ظهرانينا، انني كحاكم وممثل لشعب كارينثيا احاول ان اجسد السياسة الثقافية لخلق بيئة نظيفة تكن كل المحبة والتقدير والاعتراف بالجميل للاخرين وهذا هو دأبنا في تسيير شئون مجتمعنا المتفتح والمضياف. ـ هل هناك مشاريع مشتركة بين حكومتكم وبين العالم العربي؟ ـ في الحقيقة هناك العديد من العلاقات التجارية بين كارينثيا ودول الخليج، خاصة مع دولة الامارات العربية المتحدة والعراق الذي يعتبر اكبر شريك تجاري للنمسا بالمنطقة قبل الحظر المفروض من قبل الامم المتحدة، ونحاول تقوية علاقاتنا مع مصر وايران، ونحن سعداء بكل ضيف يحل الى بلادنا من العالم العربي.