الاثنين 10 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 13 يناير 2003 «قناع شارون يسقط» ذلك ما يؤكده الكاتب الاسرائيلي عوزي بنزيمان في مقال نشرته أمس صحيفة «هآرتس» العبرية والذي يؤكد فيه ان توليه منصب رئيس الوزراء لم يلجم أداءه على الخداع والاحتيالات واستخدام اللغة الفظة كثور هائج. ويقول بنزيمان ما نصه: ارييل شارون يوفر في الايام الاخيرة ردا راسخا على كل من تساءل اذا كان قد تغير بعد انتخابه لرئاسة الوزراء: لقد بقي أزعر. شارون هو ممثل أصيل للاسرائيلي العنيف الذي ينكل بجيرانه ويرد بجبروت وتسلط ويصرخ بصرخات الغضب عندما يحاولون وضعه في مكانه الصحيح. لقد كان على هذا النحو دائما، والآن يتبين لنا ان رئاسة الوزراء لم تضف عليه الرقة ولم تغير من أنماط سلوكه. وعندما يتورط في محنة ويرغب في تحقيق هدف معين لا يتوانى عن استخدام كل الوسائل المتاحة لتحقيق الغرض. شارون لا يتردد في خرق قواعد اللعبة وقوانينها واحيانا لا يتوانى عن اختراق القانون وتجاوزه، وعندما يستدعى للمحاسبة على افعاله يحاول الظهور بمظهر المظلوم المضطهد. لقد كان شارون ضابطا استطاع اثارة الامتعاض والانتقادات للطريقة التي كان يفسر فيها الاوامر الصادرة عنه رغم قدراته العسكرية في هذا المضمار. واستيضاح فهمه للامور أثار عنده ردود فعل من يلاحقونه ويغارون منه ويحسدونه على نجاحاته ويحاولون تحميله المسئولية التي يتحملها الآخرون. وهذا ما حدث بعد الاعمال الانتقامية في قبية وفي قلقيلية وفي ورطة المتلة مع المصريين وفي حرب اكتوبر وحرب لبنان. عندما خرج شارون من صفوف الجيش خلافا لرغبته ألقى أمام جنوده خطابا مخجلا مخزيا لم يتردد خلاله عن مهاجمة المسئولين عنه واضفاء صبغة وضمونا سياسيا على اقواله. وعندما ودع فرقته في حرب اكتوبر، وهو ضابط في الاحتياط، لم يتردد في نشر اوامر اليوم التي يهاجم بها قيادة الدولة والجيش لاخفاقات الحرب ودعا جنوده فيها الى تأييد مساره السياسي. سيرة شارون السياسية ترسم منحنى سلوك ثور جامح يشكل مصدر قلق متكرراً لمحيطه. فعندما كان وزيرا للدفاع في حكومة بيغن تشاجر مع زملائه وهاجمهم بوحشية وغلظة ولم يتوان عن توجيه الاتهامات القاسية لرئيس الوزراء نفسه. وعندما كان أحدهم يتجرأ على الوقوف في وجهه كان يهاجمه بعنف كلامي لا حدود له «أيها النائب سأجردك من ملابسك فوق طاولة الحكومة»، صرخ على نائب رئيس الحكومة يغئال يادين في حينه. شارون أدخل للسياسة الاسرائيلية اسلوب الكلام اللاذع الهجومي المنفلت الذي عكر صفو الخطاب السياسي والجماهيري ووصل الى درجة طرح اقتراح على طاولة الحكومة لاتخاذ قرار رسمي يرفض تهجماته على بيغن. فتيل شارون كان قصيرا خصوصا عندما بدا له تحقيق طموحه الشخصي في متناول اليد، مثل مسعاه للحصول على حقيبة الدفاع وبعد استقالة عيزر وايزمن من المنصب. وفي ذات الوقت ابتدع من خياله كلمات الشفقة الذاتية عندما ثارت المعارضة لسلوكه، «انهم يريقون دمي»، «يوجهون لي نمائم شريرة»، «جوقة الكلام الفارغ والحاقد تهاجمني». شارون خاض صراعاته السياسية بواسطة صيغة ممزوجة من التهجم والتزلف والحيل الاعلامية والخروج عن خط الحقيقة بين الحين والآخر. وتسجل في رصيده السلبي قرارات اللجان القضائية في الجيش ولجنة التحقيق الرسمية وقرارات المحكمة التي قررت في السياق انه لم يتصرف باستقامة مع المسئولين عنه. كل هذا كان معروفا في شهر فبراير 2001، الا انه لم يمنع الجمهور العريض من انتخابه بأغلبية هائلة لرئاسة الوزراء. وثمار هذا الانتخاب العفنة أصبحت طعاما تأكله الدولة اليوم في كل مستويات وأبعاد حياتها. مشهد ظهور شارون الاخير يبرهن على صحة مقولة نابليون انه اذا قمنا بقشط جندي روسي فاننا سنكتشف تحت جلده تتريا. شارون وأبناؤه هم قيد التحقيق الآن حول مصدر الاموال التي مسحوا بواسطتها التبرع غير المشروع الذي حصل عليه في عام 1999. شارون لا يوفر اجابات موضوعية للشبهات المثارة ضده ويقوم بدلا من ذلك بتوجيه الاتهامات لسلطات القانون والصحافة. وخلال ذلك يضفي على نفسه طابع الضحية مستخدما هذه الصفة لتجاوز القانون الانتخابي ومهاجمة ميتسناع الذي لا توجد له أي صلة بالتحقيق. قناع شارون يسقط ولكن من المشكوك ان يكون الجمهور متأثرا كما يجب من الوجه الذي يظهر من خلفه. القدس ـ «البيان»: