الاحد 9 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 12 يناير 2003 وصف خالد زياري الضابط في الشرطة الجزائرية والاختصاصي في علم الإجرام ومكافحة الإرهاب، النظام الجزائري بالفاشل لأنه ـ كما قال ـ يدعوالمجرمين للحوار ويصفح عنهم «وأكد في حديثه لـ «البيان» في العاصمة الجزائر بأن إمكانيات بلاده المادية والبشرية والتقنية كفيلة باستئصال الإرهاب على مدى خمس سنوات لكن الذي ينقص هو الإرادة السياسية للقضاء النهائي على هذه الظاهرة. واتهم الضابط الجزائري أطرافا في النظام بالاستفادة من استمرار ظاهرة الإرهاب. وقال زياري وهو شقيق الوزير الاسبق والمستشار بالرئاسة عبدالعزيز زياري ان الجرائم التي وقعت في الجزائر اقترفتها الجماعات الإسلامية المسلحة لكن أطرافا في السلطة استفادت وتستفيد منها. وأكد أن تداخل السياسي والعسكري أفسد الخطة الأمنية التي كانت في بدايتها ناجحة وحققت نتائج كبيرة على درب استئصال الإرهاب. وفيما يلي نص الحوار: ـ عادت أجواء الخوف من جديد لتخيم على عاصمة الجزائر وضواحيها جراء استمرار الجماعات المسلحة في ارتكاب المجازر والاغتيالات، كيف تفسرون هذا التصعيد؟. وما هي الإجراءات التي اتخذها الأمن لمجابهة الوضع؟ ــ أعتقد أن هناك تعزيزاً أمنياً كبيراً شهدته السنتين الأخيرتين، والعاصمة اليوم استرجعت قدرا وافرا من الأمن والاستقرار، في حين تبقى الأوضاع ببعض الولايات المجاورة خاصة عين الدفلة والشلف غير مستقرة وخطيرة في بعض الأحيان هذا بالنسبة للوضع الأمني كحالة متحركة وخاضعة باستمرار للجديد. مع هذا أقول ان بعض العمليات الإرهابية التي شهدتها المنطقة في الشهور الأخيرة زرعت بالفعل نوعا من الخوف والفزع في النفوس. وأعتقد أن هذا التأثير لا يعود لهذه العمليات بعينها فقط ولكنه راجع أيضا لعدم وجود استراتيجية محددة ومضبوطة لدى السلطة لمواجهة الموقف ومخلفات مثل هذه الأعمال الإجرامية. فالاستراتيجية المتبعة اليوم أشبه أوأقرب إلى تخطيط «أعرج» وهذا ما يبقي نشاط الإرهاب قويا في بعض الأحيان بالرغم من أن السنوات الطويلة التي قضيناها في مواجهة آلة الموت يفترض أن تفرز معرفة أكثر للميدان وتحكما أكثر في الوضع بحكم التجربة المكتسبة. وحسب تحليلي الخاص هناك خلل ما، علينا البحث عنه وفي خلفياته التي تضعنا أمام تساؤل في غاية الأهمية وهو: هل الدولة الجزائرية تريد فعلا استئصال الإرهاب و القضاء عليه نهائيا. وكمختص في مكافحة الإرهاب أقول ان الجزائر في مقدورها القضاء على الإرهاب فهي تملك العتاد والقدرات البشرية والتقنية لذلك وليست بحاجة إلى دعم خارجي في هذا المجال، فالذي نملكه يكفينا. إذن ما الذي يمنعنا من القضاء على الإرهاب في الجزائر؟ بصراحة تحليلي الخاص يفترض بقوة وجود أطراف في هرم السلطة يخدمها العنف على مستوى معين، وهذا الوضع يعزز مصالحها الشخصية وأعتقد أن هناك عصبة في السلطة أيضا تستغل مختلف الأعمال الإرهابية التي ترتكبها الجماعات الإسلامية لمصلحتها وتستعملها كورقة تضغط بها على النظام الحالي والذي يبدو نظاما فاشلا، لأن النظام الذي يدعوالمجرمين إلى الحوار ويصفح عنهم هو نظام فاشل، والإرهابيون من جهتهم يستفيدون من هشاشة هذه السلطة. دليل فشل ـ ترون إذن أن الدعوة الى الحوار مع الجماعات الإرهابية أضرت بمخطط المواجهة؟ ــ ليس هذا وحسب بل أضرت بالبلاد كلها وعرضت مصالحها للخطر. قلت إن الحوار مع المجرمين والعفوعنهم دليل فشل ولا يمكن اعتباره مبادرة من موقع قوة. ثم إن العفوعن الإرهابيين ودعوتهم المستمرة للحوار أربكت موقف الجزائر على صعيد القوى المكافحة ضد الإرهاب في العالم. فرؤية الغرب غير واضحة بالنسبة للإرهاب في الجزائر ومقاومته. ويرى الغرب بأن إرادة النظام الجزائري الحالي في مكافحة الإرهاب غير واضحة طالما أن هذا النظام يتعاطى مع الإرهابيين ويرغب في عقد مصالحة معهم. ـ هل تغيرت خطة المواجهة مع الإرهاب وفق التغيرات التي حدثت في الجانب السياسي أم أنها استمرت كما بدأت قبل ما يقارب 11 عاما. وهل تعتقد أن الخطة الأمنية كفيلة بتحقيق النصر النهائي على الإرهاب؟ ــ عندما بدأنا بمكافحة الإرهاب في سنة 1992 كانت الاستراتيجية واضحة إلى غاية سنة 1995في هذه الفترة تمكنت قوات الأمن من القضاء على عدد كبير من الإرهابيين، وتضاؤل نشاط الجماعات المسلحة بشكل ملفت. وقتها كان هناك استقلالية بين المواجهة الأمنية للإرهاب والنشاط السياسي بكل ما فيه من تناقضات. كانت مواجهة الجماعات مسألة مادية يقوم بها أفراد قوات الأمن من منطلق أن تلك الجماعات الاجرامية تشكل العدو الذي يجب محاربته والانتصار عليه. ولم يكن الخطاب السياسي يتدخل لا من قريب ولا من بعيد في الجانب الأمني. كانت هناك استقلالية بين الجانبين في القيادة والممارسة. وبعد سنة 1995 تغيرت الاستراتيجية جراء التداخل الفعلي بين العسكري والسياسي مما أثر سلبا على سير خطط مكافحة الإرهاب، وهذا التداخل أعتقد أنه سيدفع مستقبلا إلى تقوية الإرهاب. الطبيعة الصعبة ـ هل بإمكانكم تحديد أخطر الأماكن التي تتمركز فيها الجماعات المسلحة اليوم في الجزائر؟ ــ هناك المناطق المعروفة تقليديا بانتشار الجماعات الإرهابية وكثافة نشاطها على أراضيها مثل: «البويرة، البليدة، عين الدفلة، الشلف، سعيدة، العاصمة» غير أن الملفت للانتباه أن رقعة الإرهاب اتسعت بشكل كبير خصوصا العامين الأخيرين، واليوم امتد إلى أقصى الشرق والغرب وحتى إلى الصحراء ولو بشكل أقل نظرا للطبيعة الصعبة. الإرهاب يضرب بقوة في المناطق التقليدية وهي في غالبيتها جبال ومرتفعات وهذه الجغرافيا تساعدهم كثيرا ولكن هذا لا يعني بتاتا أن قوات الأمن ليس باستطاعتها الوصول إلى هذه الأماكن. والضعف الظاهر هو نتيجة لنقص الإرادة السياسية. إن الإرهاب في الجزائر أصبح ظاهرة معممة ومنتشرة في كل المناطق وعندما يجيد حرية أكثر يعبر على وجوده بالمجازر وحين تواجههم قوات الأمن يهتمون بتنظيم شبكات مد العون والمساعدة. ـ انتهجت الجماعات المسلحة في الجزائر منذ بداية نشاطها أسلوبين متكاملين هما إرهاب الريف عن طريق المجازر والحواجز المزيفة، من جهة، ومن جهة أخرى إرهاب المدينة من خلال الاغتيالات والتفجيرات. هل تتعامل قوات الأمن على ضوء هذا مع الظاهرة بأسلوبين أيضا؟ ــ بطبيعة الحال هناك إستراتيجيتان واحدة للتصدي للإرهاب الحضري، والثانية للإرهاب الريفي وشبه الريفي، كل إرهاب لدينا وسائل لمجابهته، فالحضري يقع على عاتق الشرطة في حين الإرهاب الريفي هو من اختصاص مصالح الجيش، غير أنه من الملاحظ أن هناك نقصاً فادحاً في مكافحة الإرهاب الريفي مما مكن ويمكّن الإرهابيين من احتلال مناطق عديدة وينشطون ويرهبون المواطنين. وأود أن أشير إلى أن الشرطة حققت نتائج كبيرة في مقارعة الإرهاب الحضري وقد نظفت المدن تقريبا من النشاط الإرهابي ومن الخلايا الإرهابية. لكن في الريف لا يزال هناك عمل كبير يجب فعله لاسترجاع الأمن. الارادة السياسية ـ اختلفت تقديرات مسئولين سامين حول المدة المفترضة للقضاء على الإرهاب. ففي سنة 1991 بعد الهجوم على ثكنة مدينة «قمار» قال الجنرال خالد نزار وكان وقتها وزيرا للدفاع إنها مسألة ثلاثة أوأربعة أيام، وبعد تفجير مطار هواري بومدين في صيف 1992 قال بلعيد عبد السلام رئيس الحكومة آنذاك إن القضاء على العصابات المجرمة يستدعي كفاحا لثلاثة أو أربعة أشهر وقبل عامين قال العقيد علي تونسي المدير العام للأمن الوطني «الأمر يتطلب ثلاث أو أربع سنوات». من موقعكم كمختص في مكافحة الإرهاب ما هي المدة التي تقدرونها للقضاء نهائيا على الجماعات المسلحة؟ ــ أقول لو توفرت الإرادة السياسية للقضاء على الإرهابيين بالأساليب المقبولة عالميا وتضع الدولة نصب عينيها أن هذه القضية هي من الأولويات، يمكننا أن نستأصل جذور هذه الظاهرة على مدى خمس سنوات، وبالموازاة أؤكد أن مكافحة الإرهاب تكون مواكبة للاهتمام بالحالة الاجتماعية للمواطنين حتى لا نخلف إرهابا آخر. ـ تؤكد دراسات اجتماعية أن تردي الوضع الاجتماعي ساعد الإرهاب على انتشاره، هل تشاطرون هذا الرأي. إذا كان الجواب بالإيجاب، إلى أي مدى ساهم تفاقم ظاهرة الفقر وصعوبة الحياة في تعزيز صفوف الجماعات الإرهابية؟ ــ مبدئيا حالة الفقر الذي يضرب عميقا في المجتمع الجزائري خصوصا في السنوات الأخيرة لا يمكن أن يتخذ ذريعة لحمل السلاح، هناك طرق أخرى يسلكها المواطن للحصول على حقوقه. والأكيد أن الأشخاص الذين حملوا السلاح ومارسوا الإرهاب قاموا بذلك ليس لكسب لقمة العيش ولم تكن أفعالهم منعزلة أبدا فهم يخضعون لتوجهات من تنظيمات ذات أهداف لا علاقة لها بإطعام الجائع وتشغيل البطالة وإنارة بيوت من يعيشون في الظلام. ولأنهم ينتسبون لتلك التنظيمات الإجرامية المهيكلة هم إرهابيون وليسوا طالبي حقوق. ومع هذا فإن انتشار العوز والحيف وتفاقم أسباب الاضطراب الاجتماعي اعتمدته بعض الأوساط لتبرير العمل الإرهابي من باب أنه رد فعل على وضع قاهر. وعلى كل أرى بأن النظام الحالي مطالب أكثر من أي وقت مضى بتحسين الأوضاع الاجتماعية بتوفير الشغل والسكن حتى لا يبقى هذا الحيف مجال متاجرة ومزايدات تستغله جهات أخرى، كثيرا ما بررت النشاط الارهابي. قاعدة للارهاب ـ يجري الحديث عن وجود لتنظيم القاعدة في الجزائر لا سيما بعدما قتلت قوات الأمن في سبتمبر الماضي عماد عبد الواحد اليمني الذي قيل إنه مسئول تنظيم أسامة بن لادن في المغرب العربي والساحل الإفريقي، وما يتردد هذه الأيام عن تعيين قائد جديد يكون حسب معلومات أمنية قد دخل الى الجزائر والتقى حسن حطاب قائد الجماعة السلفية. ما صحة هذا الكلام؟ وهل تعتقدون أن هذا يدفع إلى انتهاج سياسة جديدة في مكافحة الإرهاب؟ ــ أقول إن المخابرات الفرنسية كانت أسبق من المخابرات الجزائرية في كشف العلاقة بين الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي يتزعمها حسن حطاب وبين تنظيم القاعدة. وهذا في إطار عملها الخاص بمراقبة الإرهاب الدولي. وكانت المخابرات الفرنسية أول من أعلن للعالم عن وجود هذه العلاقة. وربما استغرب العالم من إعلان المخابرات الجزائرية عن مقتل الإرهابي اليمني بعد ثلاثة أشهر من القضاء عليه. إن علاقة القاعدة بالجماعات المسلحة الجزائرية ما كنا لنكتشفها لولا أحداث 11 سبتمبر 2001. وبعد ما قضى على اليمني اكتشفت هوية عنصر آخر للقاعدة في الصحراء الجزائرية مؤخرا وهنا أؤكد أن على الدولة اتخاذ إجراءات عاجلة و الخروج من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، وأنا أحذر من تحول الجزائر إلى قاعدة خلفية للإرهاب الدولي. وأكثر من هذا، إذا لم تخطط الدولة الجزائرية اليوم فإن «الإرهاب المحلي» سيتقوى بالإرهاب الدولي الذي يملك كل الإمكانيات، وعندئذ يتوجب على الدولة التصدي لجبهتين عوض الكفاح على جبهة واحدة. وهذا بالطبع سيعقد المسألة. ـ هل عززت قوات الأمن قدراتها العلمية والتكنولوجية بما يساير التطور العام الحاصل في العالم فيما يخص مكافحة الإرهاب؟ ــ هذه المسألة ليس فيها نقاش، فالإمكانيات التي بحوزة قوات الأمن كفيلة بمكافحة الإرهاب وتحقيق النصر، القوات البشرية موجودة، النخبة التي تفكر في المواجهة مع هذه الظاهرة تسهر على إيجاد الحلول لكن اتخاذ القرار بيد السلطة وهي لا تتبع دائما تحليلات وتوجهات قوات الأمن في هذا المجال. حاوره في الجزائر: مراد الطرابلسي