السبت 8 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 يناير 2003 توقع فاروق القدومي رئيس الدائرة السياسية بمنظمة التحرير الفلسطينية أن تعقب الانتخابات الاسرائيلية مفاجآت على المستوى العربي والاسرائيلي وتغيرات حتى لو لم تتم الضربة العسكرية للعراق، ومن هذه المفاجآت اختفاء بعض القيادات وسقوطها. وأشار القدومي في حوار مع «البيان» الى ان دولاً عربية تتعرض لضغوط أميركية مباشرة لحمل الفلسطينيين على التهدئة وان بعض العرب يذعنون لأميركا للأسف. وقال القدومي ان الأوضاع المأساوية في فلسطين تستدعي عقد قمة عربية عاجلة، مشيراً الى ان الفلسطينيين لا يطلبون من البلاد العربية خوض «حرب ساخنة» بل «حرب دافئة» بمعنى استخدام الجماهير والمصالح والى نص الحوار: ـ لماذا تغيّر العرض الفلسطيني والدعوة التي حاول تسويقها بعقد قمة عربية طارئة وعاجلة، رغم ان القمة المقبلة العادية في البحرين باتت «على الأبواب»؟ ـ وضّحت خلال زياراتي الى بعض الدول العربية المشاكل والقضايا التي تواجهها الأمة العربية واحتمالات المستقبل، وما حمله ماضيها من أثقال ومشاكل، وكيف يمكن أن نعالجها في المستقبل. لذلك تقدمنا بطلب خطي الى عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية من أجل عقد قمة عربية استثنائية في القاهرة. وكنا قد اقترحنا أن يكون موعدها في النصف الثاني من الشهر الجاري. إن الظرف الذي نمر به يحتاج الى موقف عربي متضامن، تضع الدول العربية على أساسه كل امكانياتها الاقتصادية والسياسية في دعم القضية الفلسطينية، وقضية العراق، لأننا نشعر ان هناك تراخياً وتردداً من البلدان العربية قاطبة، أو في معظمها، في وضع كل امكانياتها في التصدي للتحديات التي تواجه الأمة العربية كاحتمالات الاعتداء على العراق. لقد ساءت الأوضاع داخل الأراضي الفلسطينية أكثر فأكثر والشعب زادت معاناته، فلابد من دعم الصمود الفلسطيني، خاصة ان هناك قصوراً عربياً من الناحية المادية والسياسية على حد سواء، فثمة هدوء، وكأن الأمر لا يعني الأمة العربية، فيما يمضي شارون في استفزاز الشعب الفلسطيني، ودفعه للقيام بعمليات عسكرية، حتى يقول هو للاسرائيليين: «أنظروا ماذا يفعل الفلسطينيون بناً»، طبعاً هذا التوجه من شارون ذو أرضية انتخابية تتعلق بالانتخابات المقبلة في 28 الجاري. بالتأكيد، فإن العرب مطالبون أن يدعموا الفلسطينيين ليزيدوا من عدد نوابهم في الكنيست. كل هذه القضايا طرحناها خلال الزيارتين الى كل من سوريا ولبنان، لننسق معهما حول مجمل القضايا المطروحة، ونستشرف المستقبل، وخاصة في العام الجديد، ونرى ما هي المعطيات التي يمكن أن تعزز الموقف العربي بالنسبة للتحديات، أي بالنسبة لقضية فلسطين، ودعم الصمود الفلسطيني، وأيضاً ابعاد العراق عن أي اعتداء أميركي في المستقبل. ـ ماذا تتوقعون في الانتخابات الاسرائيلية المرتقبة؟ ـ سيعود شارون حتماً الى الحكم، والمرحلة ما بعد الانتخابات هي استمرار لهذا الواقع، وهذا سيستمر الى مرحلة معينة، وسوف تحصل بعدها مفاجآت، منها اختفاء بعض القيادات وسقوطها اسرائيلياً وعربياً، كما ان ثمة تغييرات ستحصل في الواقع العربي حتى لو لم تتم الضربة للعراق، لأن أي تغيير يبقى مرتبطاً بالقضية الفلسطينية التي هي الأساس بالنسبة للواقعين العربي والاسرائيلي. ـ ماذا يجب أن تخرج عنه أية قمة عربية عاجلة، في حال انعقدت، كما تقترحون وتطالبون؟ ـ المطلوب قرار واجراء باستخدام المصالح واتخاذ اجراءات فعلية، يعني «تحمير العين» بأننا لن نقبل بما يحصل، اجراءات ردعية، استخدام البترول، المقاطعة، استنفار الجماهير في تظاهرات صاخبة والسماح لحركة الجماهير أن تقوم بفاعلية لتؤكد على انها «الجماهير» ضد الحرب. ولا نطلب من البلاد العربية خوض «حرب ساخنة» بل «حرباً دافئة» بمعنى استخدام الجماهير والمصالح». ـ هل طرحت نقاطاً متمايزة خلال المباحثات الأخيرة مع المسئولين الذين التقيت بهم في سوريا ولبنان؟ ـ طرحت ما هو مطلوب، وهو التنسيق بين الأطراف الثلاثة: فلسطين، سوريا، ولبنان، وذلك حيال الأوضاع في المنطقة والمسائل المصيرية التي تهم الأمة العربية، وخصوصاً قضية فلسطين والعمل السياسي، وما يجري داخل الأراضي الفلسطينية من تصعيد للارهاب الاسرائيلي، وضرورة تعزيز التضامن العربي في هذه المراحل بالذات من أجل معالجة القضية الفلسطينية وقضية العراق بشكل أساسي، وتعزيز هذا التضامن بيننا وبين اخواتنا في لبنان، هذه هي المسائل الأساسية التي ناقشناها بشكل موسع، واحتمالات المستقبل في هذا العام الجديد، وكيف يمكن لنا كأمة عربية، وبالتنسيق مع اخواننا أن نعزز هذا التضام العربي، والرؤية السياسية التي تحافظ على الحقوق العربية، وضرورة اجراء انسحاب شامل من الأراضي العربية المحتلة في هذه البلدان الثلاثة. هناك ضعف عربي، وبعض الدول العربية لا تضع وزنها السياسي والاقتصادي في ميزان القوى من أجل أن يختل هذا الميزان لصالح القضايا العربية. وقد طرحنا ذلك أيضاً في ليبيا على العقيد معمر القذافي الذي يرى ان هناك موقفاً عربياً ضعيفاً في دعم ونصرة الشعب الفلسطيني وصموده، وفي معالجة احتمالات العدوان على العراق، لهذا كانت «الصرخة» التي أرسلها، بأن على العرب أن يتوحدوا ويعززوا تضامنهم، وإلا سوف ينسحب من الجامعة العربية، وقد أبلغ معظم الدول هذا الأمر، وكانت هناك اجتماعات عربية بحثت وناقشت هذا الأمر في لجنة المتابعة، واتخذت بعض القرارات وسوف تتابع اللجنة أيضاً مثل هذه القرارات وباستمرار في مناقشة الأوضاع العربية واتخاذ قرارات من شأنها تعزيز التضامن العربي». ـ كيف تنقل الصورة لما يحصل في الداخل الفلسطيني ويستدعي بالتالي طرح فكرة عقد القمة العربية العاجلة؟ ـ الحقيقة ان الأوضاع داخل الأراضي الفلسطينية باتت مأساوية، فالفقر زاد على 70%، اضافة الى ان العمليات الارهابية والقتل في تصاعد، كذلك اقتلاع الأشجار وتدمير المؤسسات والبنى التحتية، وحصار القيادة الفلسطينية واستمرار وجود الاحتلال، وتقسيم المنطقة الى كانتونات صغيرة، والقيام يومياً بعمليات ارهابية وأعمال اقتحام لهذه الكانتونات الصغيرة داخل الأراضي الفلسطينية. كل ذلك يستدعي برأينا أن يعقد العرب مؤتمر قمة، فيبحثون المسائل التي يمكن من خلالها أن يقفوا سداً أمام ما تقوم به اسرائيل، وخصوصاً وان هذا العمل العدواني مدعوم من الولايات المتحدة الأميركية التي تعتبر راعية المسيرة السلمية، وصمت الدول الأوروبية، والعرب لا يتحركون، لأن الموقف العربي سوف يؤثر على هذه المواقف اذا كان صلباً وقوياً يعطي رسالة بأن العرب لن يسمحوا باستمرار مثل هذه الاعتداءات. ـ لكن هل وصل الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني خاصة في القاهرة مؤخرا، الى مرحلة من التفاهم والنضج، بما يشكل خط الدفاع الأول عربياً على استمرار العدوان بكافة أشكاله؟ ـ الصف الفلسطيني متفق على ان المقاومة هي الأرضية الطبيعية للوحدة الوطنية وللحوار الوطني الفلسطيني، لكن كيف يمكن أن تكون العلاقات الفلسطينية المستقبلية في ممارسة هذه المقاومة، وفي علاقاتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فهذا أمر يجري بحثه ومناقشته. ـ الى أية مرحلة بلغ الحوار بين «فتح» و«حماس» بشكل خاص؟ ـ كانت هناك اجتماعات بين «فتح» و«حماس»، وقد أزيل ذلك، وتم الاتفاق على أمور معينة، وعلى اللجوء الى الوسائل السلمية في حل المشاكل. وهذا الأمر كان مرضياً للطرفين. مازالت هناك أوراق تقدمها الفصائل الفلسطينية، وأساس كل هذه الأوراق هو الحفاظ على المقاومة، وهي الأرضية التي يتم الاتفاق على أساسها، وعلى هذا الأساس يتم البحث في مستقبل القيادة الفلسطينية والعمل السياسي الفلسطيني. أما عن الأحاديث التي تشير الى ان الحوار بين «فتح» و«حماس» سوف يستكمل خارج القاهرة، فمما لا شك فيه ان «فتح» عملت مع «حماس» منذ البداية، على ازالة التوتر الذي حصل نتيجة اغتيال أحد ضباط الأمن في السلطة، وقد زال. ومصر تهتم بما يحصل في قطاع غزة بصفتها كانت تحت وصياتها، لذلك فإنها استضافت الحوارات الفلسطينية، لكن الفكرة تطورت بعد ذلك، لتشمل مختلف فصائل المقاومة لمناقشة الأوضاع الداخلية، وبرنامج العمل السياسي أيضاً، ووضعت أرضية للحوار على أن تكون المقاومة هي الأساس طالما بقي هناك احتلال للأراضي الفلسطينية، فاستمرار الاحتلال يعني استمرار المقاومة. هناك من تحدث عن أن أرضية الحوار كانت وقف المقاومة وليس الحفاظ عليها، وهذا كلام غير دقيق، وغير صحيح، فلا أعتقد ان فصائل المقاومة يمكن أن توافق على مثل هذه الأرضية، فوقف الانتفاضة معناه أننا نعطي هدية للاسرائيليين في الانتخابات المقبلة، وخاصة لشارون الذي لا يحمل أي برنامج سياسي أو فكرة حول التسوية السياسية، وانما يريد بعد أن ضرب ودمر البنية التحتية، أن يضرب المقاومة ويصفي السلطة الفلسطينية، ولذلك لا يجوز اعطاءه هدية في هذه المرحلة، والمعروف ان شارون سينجح في الانتخابات المقبلة. وهذا دليل على ان الأمة العربية مهتمة، أعني البعض، بضرورة تعزيز التضامن الفلسطيني أو الوحدة الوطينة الفلسطينية، يريدون أن تكون هناك وحدة وطنية فلسطينية، على الرغم من هذه المواقف العربية المتردية. اننا نقدر هذا الاهتمام، ولكن لابد أن يكون على الأساس الذي تقترحه أو تؤكده فصائل المقاومة، وهو استمرار العمل المقاوم، وارسال رسالة الى العدو الاسرائيلي بأن المقاومة مستمرة، وان الفصائل المجتمعة تؤكد هذه الأرضية باستمرار مادام الاحتلال قائماً. ـ هل تصب «خارطة الطريق» في اطار التدخلات «الايجابية» كمخرج للمحنة القائمة على الصعيد الاقليمي؟ ـ ان خريطة الطريق قدمت في البداية من الاتحاد الأوروبي، ونحن في حاجة الى آلية لربط هذه الأفكار ببرنامج زمني لتنفيذ ما أشار اليه جورج بوش الرئيس الأميركي في خطابه الشهير، وقيل ان الولايات المتحدة تريد أن تتعرف على آراء الدول العربية والأطراف المعنية حيالها، و«الخريطة» تعكس الآراء الاسرائيلية، أكثر مما تعكس الرأي العربي أو الفلسطيني. ـ لكن السلطة الفلسطينية قبلت ب«الخريطة»؟ ـ قبلت بها كفكرة، لكنها أضافت مقترحات لتعديلها، كما اعتبرتها مصر والأردن والسعودية واليمن، غير مكتملة، وبيرنز أيضاً قال انها غير مكتملة، والغريب انها لم تقدم بشكل رسمي للأطراف المعنية سوريا، ولبنان، وفلسطين. فالولايات المتحدة تحتاج الى تهدئة في المناطق الفلسطينية لتتفرغ الى قضية العراق، والحوار الوطني هو أحد هذه الأهداف، وقد طلبت من الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي التهدئة، ولكن شارون رفض ذلك بالقول ان هناك انتخابات، ولا يمكنه أن يهديء. ولكن هناك ضغوطاً ـ مع الأسف الشديد ـ على البلدان العربية لحمل الفلسطينيين على التهدئة، لأن المواقف العربية، كما بات معروفاً، لم تضع قواها السياسية والمعنوية في ميزان القوى لكي يصبح هذا الميزان لمصلحة المقاومة بشكل واضح.