السبت 1ذو القعدة 1423 هـ الموافق 4 يناير 2003 على الرغم من مرور أكثر من عامين كاملين على وفاة بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية بالقدس إلا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية، لا تزال تصر على تعنتها رافضة إقرار تعيين البطريرك ايريناوس على رأس الكنيسة السر يكمن في أملاك وأوقاف الكنيسة الهائلة وعلى رأسها أراض بالقدس مقام عليها مبنى الكنيست ومقر الرئيس الإسرائيلي، ومعبد يهودي كبير، والرفض مرجعه دعم ياسر عرفات للبطريرك الجديد، ومواقف رجل الدين المسيحي المشرفة ورفضه تقديم تعهد مكتوب لشارون بغض الطرف عن سيطرة إسرائيل بشكل غير قانوني على جزء من أراضي الكنيسة بالقدس. تفاصيل الصراع وأحدث تطوراته نقلها تقرير لصحيفة «معاريف» أبرز في البداية أن شارون بدأ يدرس بجدية إقرار اختيار ايريناوس وأنه بدأ يردد ان القرار ليس في يده بمفرده بل في يد مجموعة متنافرة غاية في التطرف مكونة من المتشددين: اسحق ليفي وناتان شرانسكي و«افي ايتام» و«عوزي لنداو» و«مائير شتريت» و«بنيامين نتانياهو»! «أربعة منهم وزراء في حكومة شارون وأحدهم حاخام وزعيم لحزب المفدال الديني». الغريب أن الرفض الإسرائيلي كان طوال الفترة السابقة حاسما وقويا تحت ستار اعتراض أجهزة الأمن على البطريرك أو اعتراض مستشارين لشئون الفلسطينيين والمسيحيين. الاعتراض كان دائما يتركز على مواقف البطريرك الوطنية حيث بلغ الأمر إلى حد وصفه بأنه «مندوب ياسر عرفات في القدس». المثير للقلق أيضا أن التقارير الإسرائيلية ـ في محاولة على ما يبدو للوقيعة- نسبت للبطريرك الجديد تقربه خلال العام ونصف الأخيرين من عناصر مؤثرة لدى السلطات الإسرائيلية في محاولة للضغط على الحكومة الإسرائيلية وإجبارها على الاعتراف به، كما أكدت الصحيفة أن البطريرك وعد عدداً من الساسة ورجال الأعمال الإسرائيليين بمنحهم أجزاء من اراضي الكنيسة في حالة إقرار انتخابه. الصحيفة الإسرائيلية كشفت المزيد عن تفاصيل الصراع الخفي فقالت ان سر أهمية الكنيسة يرجع لكونها صاحبة مساحات شاسعة من الأراضي في جميع أنحاء البلاد منها الأرض المقام عليها الكنيست ومقر رئيس الدولة ومساحات كبيرة في حي «رحفيا» و«حيطلبيا» بالقدس الغربية ومساحات داخل القدس القديمة وفي مدن عكا وحيفا ويافا وقرى الجليل في الشمال. وبشكل مواز نسبت الصحف الإسرائيلية للبطريرك تصريحات قلل فيها من علاقته بياسر عرفات بقوله لا توجد بيننا صداقة فقط التقيت به في اليونان خلال زيارة قام بها لأثينا. المثير للسخرية أن إسرائيل تنسب أهمية أعترافها ببطريرك الكنيسة لفقرة في القانون العثماني! تتحدث عن ضرورة حصول البطريرك على اعتراف الدولة ذات السيادة على الكنيسة وهو ما استوجب تقديم الكنيسة قائمة ب15 مرشحا لتولي وإدارة شئون الكنيسة لكل من إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية، إسرائيل تحفظت على خمسة أسماء على رأسهم البطريرك الجديد نفسه في حين أقرت السلطة الفلسطينية والأردن الترشيح بكامل هيئته، وسرعان ما شرع شارون يبتز البطريرك ايريناوس مطالبا إياه بتعهده كتابة بعدم إثارة مشكلة بالنسبة لأراضي الكنيسة المؤجرة لصالح إسرائيل والتي انتهى منذ فترة التعاقد والمدة الإيجارية وكانت إسرائيل قد استغلت تردى صحة البطريرك الراحل وادعت انها حصلت على توقيعه لتجديد عقد الإيجار، وتردد أن البطريرك ايريناوس وافق على مطلب شارون لكن الأيام أثبتت عدم صحة هذه الأقوايل الأمر الذي دفع الأخير لممارسة مزيد من الابتزاز تحت ستار تشكيل لجنة لإقرار التعيين. من جانبها أوضحت مصادر إسرائيلية مطلعة أن ايريناوس لن يتعهد كتابة بمثل هذا التعهد لأنه سيقضى على علاقاته الوطيدة بالفلسطينيين، وبناء على ذلك تم تسريب تقرير صادر عن مستشار وزير الأديان الإسرائيلي لشئون المسيحيين والذي وصف فيه ايريناوس بأنه مرشح زرعته السلطة الفلسطينية وأن انتخابه للمنصب سيكون كارثة على إسرائيل لأنه يعنى ضياع أراض تحتاجها بشدة. التقرير المنسوب لمستشار وزير الأديان الإسرائيلي ويدعى أوري مور، توفي مؤخرا، أوصى بتجميد بحث الموضوع،وهو القرار الذي أصرت عليه اللجنة التي شكلها شارون مؤخرا. خاصة بعد أن خلص أوري الى أن عرفات يريد السيطرة على الحي المسيحي بالقدس القديمة عن طريق علاقته الوطيدة مع البطريرك والكنيسة. وفي المقابل كشفت مصادر إسرائيلية خطاباً اعتبرته دليلاً إدانة ضد البطريرك ايريناوس كان قد أرسله لياسر عرفات و تحدث فيه عن تعاطفه المعروف وحبه للشعب الفلسطيني وذكره بدعمه للحقوق الفلسطينية أمام البطريرك الراحل وأمام الحكومة اليونانية وفي المحافل الدولية وتأييده التام لإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس. الخطاب تضمن أيضا اقتراح البطريرك على عرفات تشكيل هيئة مشتركة لإدارة واستغلال أراضي القدس بالتنسيق مع خوري مدير مكتب ياسر عرفات. يذكر أن لشارون تاريخاً أسود في التخطيط للاستيلاء على أراضي الكنيسة حيث سبق له أن جمع تبرعات لصالح الاستيلاء على مبنى أثري تابع للكنيسة قام باستئجاره شخص أرمني خائن قبل بتوقيع عقد تأجير للمبنى من الباطن لجماعة يهودية متطرفة ثم غادر البلاد بلا رجعة بعد أن حصل على المال من شارون. وهي الفضيحة التي وقعت منذ نحو عشر سنوات وقام البطريرك ايريناوس برفع دعوى قضائية جديدة لاسترداد المبنى مما جعل دفاع حكومة شارون يتذرع بأن البطريرك لم يعتمد في منصبه بعد. وزعم مدير مكتب شارون أن اتجاه رئيس الوزراء مؤخرا لحث اللجنة التي شكلها على إقرار اختيار ايريناوس ينبع فقط من ضغوط دولية هائلة. منها ضغوط من كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي بالولايات المتحدة والسناتور جو ليبرمان ، هذا بالإضافة للحكومة اليونانية والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وصرح في النهاية بأن الجميع في اللجنة التي شكلها شارون وافقوا على انتخاب البطريرك ما عدا الوزير وزعيم حزب المهاجرين الروس ناتان شرانسكي!
