الخميس 22 شوال 1423 هـ الموافق 26 ديسمبر 2002 كان العام (2002) عاما أسود لاسرائيل والفلسطينيين إذ تدهورت مسيرة السلام التي بدأت منذ عقد إلى أدنى مستوى لها. فقد ساد التناحر والعداء وانعدمت الثقة وسيطرت الريبة المتبادلة وسادت روح انهزامية بل يائسة، وكثيرون تشددوا في مواقفهم السياسية بما جعل فرص حدوث تغيير جذري عام 2003 ليست أفضل كثيرا مما هي عليه الآن. لقد استشهد أكثر من ألف فلسطيني عام 2002 في الانتفاضة التي اندلعت في أواخر سبتمبر 2000 بينما وصلت مفاوضات السلام إلى طريق مسدود. وقتل أكثر من 600 إسرائيلي، وكثير منهم قتل في 38 عملية تفجير وتبادل إطلاق نار لم يسبق لها مثيل مما أدى إلى وقوع قتلى في الشوارع الرئيسية والحافلات والمقاهي والمطاعم ودار للمناسبات وقاعة استقبال في فندق وبوفيه في جامعة. وأعادت إسرائيل في منتصف فصل الصيف الماضي احتلال كل المناطق الفلسطينية تقريبا في الضفة الغربية التي حصلت على الحكم الذاتي طبقا لاتفاقية أوسلو المرحلية عام 1993. وقعت معظم الهجمات، 26 هجوما، في النصف الاول من عام 2002 قبل مداهمة مدن الضفة الغربية التي أوهمت الاسرائيليين على ما يبدو أنهم بذلك بسطوا قبضتهم إلى حد ما على المقاتلين الفلسطينيين الذين يخططون لهجمات على إسرائيل. وكلفت إعادة احتلال الخليل وبيت لحم ورام الله وقلقيلية وطولكرم ونابلس وجنين السكان المدنيين الفلسطينيين ثمنا فادحا دون أن يؤدي كل ذلك إلى القضاء على تهديد العمليات المسلحة ضد إسرائيل. إذ يعيش نحو مليون فلسطيني منذ أشهر طويلة من حظر التجول المتوقع وقد توقف خلالها نشاطهم الاقتصادي تماما. وتقول وكالة الامم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) أن أكثر من نصف الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة لا يجدون عملا. ويعيش ثلثا الفلسطينيين على أقل من دولارين يوميا. وأمضى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات معظم العام في سجن فعلي داخل مقره في رام الله مقاوما للنداءات المتصاعدة من الولايات المتحدة وإسرائيل كي يتنحى عن رئاسة السلطة الفلسطينية. وانتقاما لعملية تفجير في حافلة في تل أبيب اجتاحت الدبابات والجرافات الاسرائيلية مقر عرفات في أواخر سبتمبر الماضي. ولم تترك سوى المبنى الذي يقع فيه مكتبه بعد أن كانت دمرت معظم مباني المقر في غارة سابقة خلال الربيع. وهبط العنف بالوضع إلى الحضيض في مارس وإبريل الماضيين عندما استشهد خلال هذين الشهرين وحدهما 479 فلسطينيا اضافة لمقتل 174 إسرائيليا، فكانا أدمى شهرين حتى الآن في عامين من المواجهات. وشهد الاسبوع الاخير من مارس الماضي ست هجمات استشهادية على الاسرائيليين خلال خمسة أيام. وبدأت هذه السلسلة من الهجمات بانفجار في فندق في مدينة نتانيا أسفر عن مقتل 29 إسرائيليا تجمعوا على مائدة عيد الفصح اليهودي. ودفع هذا الهجوم الاسرائيليين إلى القيام بعملية عسكرية ضخمة في الضفة الغربية أدت بدورها إلى معارك دامية بالاسلحة بين الجنود الاسرائيليين والمقاتلين الفلسطينيين في مخيم جنين للاجئين وفي البلدة القديمة في نابلس. وسوت جرافات الجيش بالارض قلب المخيم واتهمت إسرائيل بانتهاكات خطيرة لحقوق الانسان بما في ذلك الاستخدام المفرط للقوة ومنع سيارات الاسعاف من دخول المخيم. ولكن الامم المتحدة وصفت تأكيدات الفلسطينيين بحدوث «مذبحة» في جنين بأنها «تفتقر إلى أدلة». وفي محاولة أخرى لوقف سيل عمليات التفجير الانتحارية، بدأت إسرائيل في يونيو الماضي تعمل على إنشاء جدار عنصري ليفصلها عن الضفة الغربية، وقد وصفه كثير من الفلسطينيين بأنه «حائط برلين الجديد». وبقيت عملية السلام على تعثرها واختفى كل كلام عن الخطة التي صاغها السناتور الاميركي السابق جورج ميتشيل ورئيس وكالة المخابرات المركزية الاميركية جورج تينيت عام 2001 لاستئناف مسيرة السلام. وقام الوسيط الاميركي أنتوني زيني بثلاث زيارات للمنطقة قوبل بهجمات فلسطينية وتارة أخرى الانتقام لاقدام إسرائيل على اغتيال أحد قادة المقاومة في توقيت سيئ. وكانت آخر زيارة له في مارس الماضي ولم يعد إلى المنطقة. ومع ذلك وافق كلا الجانبين مبدئيا على خطة سلام أميركية جديدة على أساس البيان الذي ألقاه الرئيس الاميركي جورج دبليو. بوش في يونيو الماضي. ولكن كلا الجانبين أبدى تحفظات وتجمدت فكرة الاصلاحات داخل السلطة الفلسطينية التي تعد نقطة أساسية في «خريطة الطريق» إلى السلام. ويبدو أن الانتخابات الفلسطينية التي تقررت في 20 يناير المقبل والتي كانت مطلبا رئيسيا قد تأجلت إلى ما لا نهاية. وتدعو الخطة في مرحلة أولى إلى إزالة مواقع الاستيطان الاسرائيلية العشوائية. ولكن عندما حاول وزير الدفاع السابق بنيامين بن إليعازر أن يفعل ذلك في أكتوبر الماضي قوبل بمقاومة عنيفة جعلت المراقبين يتساءلون كيف يمكن أن يجد إجلاء مستوطنات حقيقية في المستقبل ترحيبا. وبحسب الاستطلاعات الاخيرة للرأي، لا تزال الغالبية العظمى من الفلسطينيين (81 في المئة) تؤيد مواصلة الانتفاضة، ويقول 60 في المئة منهم أن هذا لا يعني مظاهرات فحسب بل أيضا «مقاومة عسكرية». ويؤيد ثلثا الفلسطينيين تقريبا (64 في المئة) عمليات التفجير الاستشهادية، بحسب آخر استطلاع. ومع نهاية العام الجاري تستعد إسرائيل للانتخابات، ولكن رئيس الوزراء أرييل شارون وتكتل الليكود المتشدد سيبقيان في السلطة على الارجح. وتعهد منافسه الاساسي عميرام ميتسناع زعيم حزب العمل الذي يعد من الحمائم بإخلاء جميع المستوطنات في قطاع غزة واستئناف المفاوضات والانسحاب من معظم الضفة الغربية، وذلك بمبادرة منفردة إذا لزم الأمر. وتقول استطلاعات الرأي أن ميتسناع يحتاج إلى معجزة ليفوز بعدد كاف من المقاعد في انتخابات 28 يناير المقبل ليصبح رئيسا للوزراء. د.ب.أ