الخميس 22 شوال 1423 هـ الموافق 26 ديسمبر 2002 قبل اسابيع فوجيء المراقبون بزيارة يقوم بها وفد من المعارضة العراقية الى بغداد. الزيارة مثلت لغزا كبيرا، فهل هؤلاء الذين ذهبوا الى بغداد ممثلينا لتيارات سياسية حقيقية ام ان هدف العاصمة العراقية هو سحب البساط من تحت أقدام المعارضة المرتبطة بالغرب والولايات المتحدة. فاضل الربيعي أحد اعضاء الوفد الذي زار العاصمة العراقية وهو ممثل قوى الدفاع عن المجتمع المدني في العراق. التقيناه في دمشق وسألناه عن قصة هذه الزيارة وماذا تم فيها وكان هذا الحوار: ـ بداية لابد من السؤال عن الكيفية التي تم بها الاتصال بينكم وبين القيادة العراقية، وما جرى من حوار أثناء زيارتكم الى بغداد مع القيادة هناك؟ ـ التحالف الوطني العراقي، وهو مظلة سياسية يضم جماعات وأحزاب وقوى وشخصيات وأفراد عرفوا بتاريخهم الوطني والنضالي، ومعارضتهم للنظام في العراق تلقى دعوة من نائب رئيس مجلس الوزراء طارق عزيز بواسطة وزارة الخارجية لتشكيل وفد والتباحث في بغداد. كانت قراءة التحالف الوطني العراقي للأحداث والوقائع السياسية تقول بأن المخرج الوحيد للأزمة الراهنة التي يتهدد فيها العراق والمنطقة العربية خطر الاحتلال المباشر والتدمير والهيمنة انما هو بإطلاق مبادرة سياسية جديدة تقوم على المصالحة الوطنية الشاملة للانتقال بالعراق من سلطة الحزب الواحد، وحقبة التفرد السياسي الى عصر الديمقراطية والتعدد، ولذلك بادرنا الى ارسال الوفد الى بغداد برئاسة عبدالجبار الكبيسي رئيس التحالف الوطني المعارض، وعضويتي، وعوني قلمجي والدكتور محمد جواد فارس من حركة الدفاع عن المجتمع المدني في العراق، ولبيد عبدالعزيز وعامر الذرب، وأجرينا في بغداد محادثات مهمة للغاية وصريحة مع قادة بارزين على رأسهم نائب الرئيس عزت ابراهيم وطارق عزيز وقد توصلنا الى ضرورة الاسراع في اطلاق التعددية السياسية واشاعة الحريات الديمقراطية، وستشهد الأشهر القليلة المقبلة تطورات مهمة للغاية على صعيد صدور قوانين وتشريعات واجراءات تطال كل مرفق من مرافق الحياة السياسية. لقد وعدنا نائب الرئيس بقرب صدور دستور جديد للبلاد، وقوانين جديدة للاحزاب، وآخر للصحافة، كما اسفرت المباحثات عن اتفاق تام في وجهات النظر حول اعادة بناء الحياة السياسية على أسس ومرتكزات جديدة يتاح فيها لكل المعارضة العراقية وأطراف العمل الوطني باستثناء الذين ارتبطوا بأعمال واتصالات مخلة بالأمن الوطني، ولذلك فإن التحالف يستعد لاصدار اول صحيفة معارضة من بغداد، كما سيعلن عن نفسه كحزب تحت التأسيس في غضون الفترة القصيرة المقبلة، وبذلك ندشن عصر الديمقراطية في العراق على ان نعمل سوياً من اجل حث كل الجماعات المعارضة على الالتحاق بمشروع التغيير في العراق. ـ هناك بعض القوى التي اتخذت موقفاً سلبياً من خطوتكم ورأت ان مأزق النظام الحالي هو الذي يدفعه الى هذا التكتيك في التعاطي مع قوى المعارضة. فما هو ردكم على ذلك؟ ـ انا ارى عكس ذلك تماماً للأسباب التالية. ان هناك مخاطر جدية تتهدد العراق والمنطقة وان لا سبيل، ولا مخرج من هذا المأزق التاريخي سوى قبول بغداد بالديمقراطية. لقد ذهبنا الى بغداد من اجل ان نصنع الامل لشعبنا، وان نمنع وقوع الحرب بأي ثمن وذلك عبر الضغط المباشر على بغداد للقبول بإطلاق الحياة السياسية الجديدة. الضمانة الوحيدة للحفاظ على هذا المكسب والدفع به بقوة زخم هي مشاركة الجميع، وفي عدم تنصلهم من مسئوليات بناء الديمقراطية، والحفاظ عليها ليس من مهمات طرف واحد من اطراف العمل الوطني، بل هي مهمة الجميع اذ لا يمكن لطرف واحد ان يصنع الديمقراطية بمفرده، وان يحافظ عليها في وقت يتنصل فيه الاخرون من مسئولياتهم ونحن نعتقد ان الوظيفة التاريخية للقمع والاستبداد في العراق قد استنفدت اغراضها، ولم تعد هناك اية موجبات للعودة الى هذه السياسة ومن مصلحته ان يترك اللعبة الديمقراطية تأخذ مداها الكامل. البديل الاخر هو الكارثة اذا لم نتحرك لانتزاع الديمقراطية بالضغط السلمي فهذا يعني اننا نترك الباب مفتوحاً امام الاحتلال الاميركي، وهذا يعني ضياع العراق والمنطقة. وقد لمسنا جدية وتجاوبا غير محدودين، ووعياً بالظروف المحيطة بالعراق اقليمياً ودولياً، بل وقناعة راسخة بأن التعدد السياسي هو اغناء وثراء للتجربة العراقية، وليس تدميراً لها. يتبقى الان الجواب على سؤال المشككين بجدوى هذا الحل، ونحن نسأل اذا لم نقم بمثل هذه المبادرة فما هو البديل. البلاد في مأزق والمنطقة في مأزق والاميركيون لا يمكنهم ان يصنعوا الديمقراطية بواسطة الحرب بل لا يمكن ان تكون الديمقراطية ثمرة حرب يشنها الاقوياء من الخارج. الديمقراطية هي عملية سلمية ذات طابع تاريخي، تستلزم وعياً وادراكاً حقيقيين بالمخاطر الناجمة عن غيابها. هل الديمقراطية الموعودة في العراق هي تكتيك سياسي؟ لا أظن ذلك فالقيادة السياسية في العراق مقتنعة بأن الوقت قد حان، وان لا مخرج للبلاد الا بالديمقراطية، ونحن بدورنا سندفع بهذا الاتجاه، ونحث الجميع على المشاركة في الحياة السياسية، فهذا هو السبيل الوحيد للحفاظ عليه. ـ ما الذي اشعركم بجدية القيادة العراقية، وما هي المطالب التي تقدمتم بها اليها لتعزيز هذا التحرك الى الديمقراطية في العراق؟ ـ هذا هو جوهر عودتنا لكل اطراف العمل الوطني. يجب ان نعمل جميعاً على اخراج بلادنا من هذا المأزق. حل القوة والحرب حل تدميري، والمخرج السلمي الذي نقترحه وأساسه الانتقال الى الديمقراطية سوف ينزع اوراق الولايات المتحدة الاميركية والمطبلين للحرب. لقد قلنا للقيادة السياسية في العراق ان انتهاج خط تصالحي جديد مع جميع أطراف العمل الوطني باستثناء الجماعات والأطراف المرتبطة بالجهات الاجنبية والتقدم بخطاب سياسي جديد يقوم على أساس التسامح والعدالة والمساواة وحق المشاركة هو الطريق الى تجنيب بلادنا خطر الحرب. لقد بحثنا عن حل سلمي وعن مخرج سلمي للازمة ووجدناه متمثلاً في اطلاق مبادرة وطنية للمصالحة، وطي ملفات الماضي السلبية بأسرها لقد قلت شخصياً لطارق عزيز في اخر اجتماعاتنا معه ان المطلوب من القيادة السياسية هو بادرة رمزية تعترف فيها القيادة بأن كل الذين قتلوا وماتوا تحت التعذيب منذ عام 1968 عند وصول حزب البعث الى السلطة وحتى اليوم هم شهداء الشعب العراقي، والحركة الوطنية وضحايا الاحتراب السياسي وطلبت منه ان تقدم الدولة تعويضات لاسر الضحايا لان مثل هذه البادرة الرمزية سيكون لها الاثر البالغ في تكوين بيئة سياسية جديدة، يمكن فيها للتسامح والمصالحة ان يتحققا على الارض، وان يمهدا الطريق امام تحول حقيقي في الحياة السياسية، وقد استجاب طارق عزيز لهذا الطلب، ووعد برفعه الى القيادة السياسية، ونحن بانتظار سلسلة من الاجراءات والتدابير على هذا الطريق. على الضد من هذه المبادرة ليس ثمة مخرج اخر سوى العدوان، وهذا ما سنقاومه بكل قوة. ما نريده هو ان تتجنب البلاد الحرب، وان تنتقل سلمياً الى الديمقراطية بكلام اخر مبادرتنا هذه هي محاولة لنزع سلاح «القمع» في العراق. ـ كلفتم بالاتصال بالقوى السياسية العراقية في الخارج، فمن هي هذه القوى التي اتصلتم بها حتى الان، وماذا كان موقفها؟ ـ حتى الان لم نبدأ اتصالاتنا مع القوى السياسية العراقية، ولكننا نستعد للقاء جماعات وشخصيات من اطراف العمل الوطني لاطلاعها على ما جرى في محادثات بغداد ودعوتها الى الانخراط في هذا الحوار الوطني، والى تطويره والدفع به الى النتائج المرجوة، واستطيع ان اقول ان الاشهر المقبلة سوف تشهد تغيراً مهماً في مواقف الكثير من اطراف المعارضة العراقية باستثناء القلة القليلة من المرتبطين بالأجانب ومشاريعهم الاستعمارية. ان هذه الاطراف هي معارضة وطنية حقيقية وقد دافعنا بشدة في الندوات العلنية والمحادثات السياسية عن اطروحات الديمقراطية والعدالة والمصالحة وفكرة التعددية والغاء سلطة الحزب الواحد ووجدنا استعداداً كبيراً مدهشاً عند القيادة السياسية لطي ملفات الماضي، واعادة تأسيس الحياة السياسية على أسس ومرتكزات جديدة، ونأمل من جميع القوى الوطنية العراقية الى اغناء هذا الحوار والدفع به نحو الأمام. ـ يشك البعض في حقيقة هذا التحول في رؤية ومواقف القيادة العراقية لانها تزامنت فجأة مع جدية الحملة الاميركية لضرب العراق، فما هو جوابكم على ذلك مرة اخرى؟ ـ نحن نعتقد ان فكرة الانتقال بالبلاد الى التعددية قد نضجت اخيرا في القرار السياسي العراقي، ويبدو ان الحوار حول هذه الفكرة استغرق وقتاً طويلاً، وكانت هناك آراء داخل القيادة تفضل تأجيل مسألة اطلاق الحياة السياسية الى ما بعد رفع الحصار، وفي المقابل كان هناك اتجاه يرى ان طول مدة الحصار قد تكون عائقاً بأن الانتظار سيطول وبالتالي فإن من الأفضل الشروع في اطلاق التعددية. اليوم يبدو ان فكرة الانتقال الى التعددية قد نضجت، والاتصالات التي جرت بين حزب البعث والقيادة من جهة، وقيادة التحالف الوطني العراقي المعارض من جهة اخرى هي خطوة كبيرة على هذا الطريق، ستعقبها خطوات واجراءات وتدابير كثيرة، ونحن واثقون من ان الابواب قد شرعت امام حقبة جديدة في الحياة السياسية. فكان لابد من خطوة من هذا النوع. ومما يذكر ان القيادة العراقية وافقت للتحالف فوراً على اصدار صحيفة خاصة تنطق باسمه بالاضافة الى اربع صحف اخرى، وستجري عملية الاعداد لإصدار اول صحيفة في وقت قريب كما ذكر فاضل على هامش الحوار معه. دمشق ـ مفيد نجم