السبت 17 شوال 1423 هـ الموافق 21 ديسمبر 2002 قل لي من معك أقل لك من أنت ؟ مقولة تثبت الأيام على الدوام صحتها خاصة على الصعيد الأميركي ومن أحدث النماذج على الانحياز الأميركي الأعمى للكيان الصهيوني، ما يكشفه وقوفنا قليلا أمام السيرة الذاتية لمن اختاره الرئيس بوش مؤخرا رئيسا لقسم الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي فهو يهودي متطرف سبق وأن منحه بوش الأب عفوا رئاسيا عن فترة عقوبة في السجن! تعيين اليهودي المتطرف الملوث والذي يدعى «اليوت افراهامس» أثار دهشة وغضب الكثيرين داخل الإدارة الأميركية نفسها،حسب صحيفة «هآرتس» التي نشرت في غبطة تقريرا مطولا عن تزايد المد المناصر لإسرائيل داخل الإدارة الأميركية،أما الاحتجاج الرئيسي فقد جاء من وزارة الخارجية الأميركية.التقرير الإسرائيلي أشار من البداية أن «افراهامس» وصل لمكانة غير متوقعة بعد أن تورط كثيرا من قبل في جرائم كبرى فقد كان متهما رئيسيا في فضيحة إيران جيت (عندما تم تهريب مساعدات لمتمردي نيكاراغوا) حيث كان في ذلك الوقت يتولى منصب مساعد وزير الخارجية لشئون أميركا اللاتينية. الإدانة طالته لدوره الرئيسي في الفضيحة ولكذبه مرتين على الكونغرس،إلا أن الرئيس بوش الأب سرعان ما أصدر عفوا رئاسيا عنه. «اليوت افراهامس» (54 سنة) يمثل نموذجا صارخا على معسكر يقود الجمهوريين حاليا في أميركا وهو المعسكر الذي يطلق عليه المحللون «المحافظون الجدد» وجميعهم من الصقور وغلاة المتشددين المناصرين لإسرائيل بشكل أعمى. وقد بدأ «افراهامس» حياته العملية في الكونغرس ثم انتقل للخارجية ومنها لمراكز أبحاث غير حكومية حتى عاد بسرعة لمجلس الأمن القومي في موقع حساس وهو رئاسة قسم الشرق الأوسط به. ويكفى في هذا الإطار أن نشير إلى رفض «افراهامس» لاتفاقيات اوسلو وترديده الدائم ـ في جميع المحافل ـ أن الخطر يحيق بإسرائيل من كل جانب وأنها معرضة للتدمير الشامل من قبل جيرانها العرب. وكثيرا ما وصف السياسات الإسرائيلية بأنها قائمة على (تنازلات) غير مقبولة في عهد «ايهود باراك»! واصفا اتفاقيات اوسلو بأنها وهمية. «افراهامس» المستشار الأول للرئيس الأميركي لشئون الشرق الأوسط دعا مرارا لتغيير القيادة الفلسطينية الحالية وهو الذي اقنع بوش بوجهة النظر هذه والتي زاد عليها بضرورة الزام السلطة الفلسطينية بالقيام (باصلاحات) واسعة النطاق قبل أن تقدم إسرائيل أي (تنازلات). وإذا كان رئيس قسم الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي قد أعلن تأييده لما تضمنه خطاب الرئيس بوش في 24 يونيو من انتقادات للقيادة الفلسطينية فإنه لا يخفى هجومه اللاذع على سياسة الرئيس الأسبق بيل كلينتون حيث سخر من رفضه تنفيذ قرار الكونغرس بشأن نقل السفارة الأميركية من تل أبيب للقدس. حيث يصر على أنه يتوجب على الإدارة الأميركية أن تعلن موقفها من سيادة إسرائيل على القدس بنقل سفارتها فورا للقدس وهو الموقف الذي يتردد حتى الرئيس الحالي في اتخاذه. يذكر أن سر غضبة المسئولين في وزارة الخارجية الأميركية لتعيين «افراهامس» أنه أتي للمنصب بعد عام ونصف من فراغه وهو الأمر الذي يعني أن القسم المناظر في الخارجية الأميركية هو الذي كان يقوم بالدور الأكبر خلال هذه الفترة حيث كان آخر من تولى المنصب «بوس ريدل» الذي لعب دورا رئيسيا في دفع مباحثات الفلسطينيين مع الإسرائيليين في عهد كلينتون ثم استقال ليظل المنصب شاغرا،فادار القسم الحساس، بالوكالة، «زلماي خليل زاد» الذي كان في الوقت نفسه مبعوثا خاصا لافغاسنتان حيث شكل حكومتها الحالية وهو ما يعني بالضرورة انشغاله الدائم عن شئون الشرق الأوسط. صيغة نهائية وفقا للصحيفة الإسرائيلية نفسها فإن لعبة تبادل الأدوار والتوازن السياسي بين الخارجية والبيت الأبيض تقوم على دعم «كولن باول» و«وليام بيرنز» المسئول عن قسم الشرق الأوسط بالخارجية لفكرة الضغط على إسرائيل بجانب الضغط على الفلسطينيين وهما بذلك يمثلان المعتدلين في الإدارة الأميركية في مواجهة الصقور بداية من ديك تشيني حتى كونداليزا رايس وقسم الشرق الأوسط بمجلس الأمن القومي وهو القسم ـ حسب اعتراف الإسرائيليين ـ الذي صاغ خبراؤه الصيغة النهائية لخطاب 24 يونيو للرئيس بوش بعيدا عن الخارجية الاميركية! الإسرائيليون اقروا أيضا بأن معسكر المناصرين لإسرائيل قوى بشكل كبير بتعيين «افراهامس»،وكشفت المصادر نفسها أن العائد من السجن بفضل بوش الأب والعائد للمناصب الرسمية بقرار من بوش الإبن كان يدعي في البداية الاعتدال حيث كان لفترة مساعدا لعضو ديمقراطي في الكونغرس لكنه سرعان ما انقلب عليه وانضم للمتشددين. وقد تم تعيينه عام 1985 مساعدا لوزير الخارجية الأميركي لشئون أميركا اللاتينية. وسرعان ما تفجرت فضيحة إيران جيت فتم استدعاؤه للشهادة أمام الكونغرس حيث كذب وأجاب بالنفي على السؤال : هل قدم الرئيس ريجان مساعدات قدرها 10 ملايين دولار لمتمردي نيكاراغوا؟ ثم أجاب بالنفي امام لجنة تحقيق أخرى سألته بشكل عام هل تقدم الولايات المتحدة مساعدات لمتمردي الكونترا ؟في الوقت الذي كان يشكل فيه هو شخصيا ضلعا اساسيا في الفضيحة! «افراهامس» الف العديد من الكتب حول تاريخ اليهودية وموقفها من القضايا العالمية..أبرز هذه الكتب كتاب تحت عنوان «هل يبقى اليهود في الولايات المتحدة المسيحية؟» وهو الكتاب الذي أثار ضجة حيث حاول تخويف اليهود من جدوى العيش في اميركا بدعوى انها دولة غير علمانية،ثم عاد اليهودي المتشدد للساحة السياسية بعد عودة الجمهوريين للسلطة حيث تولى لفترة قصيرة منصب رئيس قسم الديمقراطية في مجلس الأمن القومي.