الجمعة 16 شوال 1423 هـ الموافق 20 ديسمبر 2002 في تطور مفاجئ حسم المؤتمر العام لهيئة شئون الانصار الذي بدأ اعماله امس، امر امامة الانصار عندما قرر المؤتمرون بالاجماع مبايعة الصادق المهدي زعيم حزب الامة المعارض رئيس الوزراء السابق، اماماً خلفاً لآخر امام وهو الهادي المهدي الذي رحل الى الرفيق الاعلى قبل ثلاثين عاماً من الآن، وحاول المهدي اقناع الحضور بضرورة التمسك بالمؤسسية إلا ان المؤتمرين رفضوا الامر وألزموه بقبول البيعة، الامر الذي ادى الى موافقته على البيعة. وكانت ضاحية السقاي شمال مدينة الخرطوم شهدت امس أعمال أول مؤتمر عام لهيئة شئون الأنصار القاعدة الدينية لحزب الأمة المعارض الذي يتزعمه الصادق المهدي رئيس الوزراء السابق منذ انشاء الهيئة على يد زعيم الحزب في عام 1980م بعد أن اعتبره الإمام الراحل الهادي المهدي الشخص المسئول بعده عن شئون الكيان، وذلك بحضور اربعة الاف شخص تم تصعيدهم للمؤتمر من محليات السودان المختلفة ، وعدد آخر من الضيوف يمثلون الحكومة مثل عباس ابراهيم النور مستشار رئيس الجمهورية لشئون الإعلام وأحمد عبد الرحمن محمد القيادي الإسلامي البارز ومحمد مندور المهدي ممثلاً للحزب الحاكم وآخرين يمثلون الطريقة الختمية القاعدة الدينية للحزب الديمقراطي المعارض، بزعامة محمد عثمان الميرغني رئيس التجمع المعارض بالمنفى وقيادات من الحزب الاتحادي الديمقراطي من بينهم حسن عبد القادر هلال ، والشيخ احمد الادريسي شيخ الطريقة الاحمدية الادريسية وغيرهم، واهتم التلفزيون الحكومي بتغطية الحدث. وسيتم خلال المؤتمر اختيار اجهزة قيادية للهيئة على رأسها مجلس للشورى مكون من 400 شخص ليقوم المجلس باختياره مجلساً للحل والعقد مكوناً من 40 شخصاً ومكتب تنفيذي للهيئة ، على أن يقوم مجلس الحل والعقد في وقت لاحق باختيار إمام للانصار من بين ثلاثة مرشحين يتقدمون لشغل المنصب والدعوة لمؤتمر عام آخر لاعتماد الامام ومن ثم يقوم الامام بالطواف على الانصار في جميع ارجاء البلاد لمبايعته. وكانت جماهير الأنصار قد تدافعت إلى المكان منذ وقت مبكر في مجموعات حاشدة عطلت حركة المرور في كثير من أجزاء مدينة الخرطوم بحري. ووسط هتافات الأنصار الأثيرة «الله أكبر ولله الحمد» «لا نصادق غير الصادق»، استهل المهدي المؤتمر بخطاب اقرب إلى خطبه الدينية، مركزاً ومشيداً بمجاهدات الأنصار خصوصاً بعد إنشاء كيانهم الحديث على يد الإمام عبدالرحمن (جد الصادق). وفي فقرة اتسمت باسقاط سياسي واضح قال المهدي ان الأنصار كانوا رغم هزيمة الدولة، حراساً أمناء ضد استلاب ضمير الشعب الديني فأجبروا المستعمر على تجنب ما يثير الوجدان الديني، وكانوا حراساً أمناء ضد استلاب الضمير الوطني من العاديات الخارجية فدعموا سيادة الوطن لأهله، وكانوا حراساً أمناء ضد استلاب الضمير الوطني من العاديات الداخلية رافعين لواء الحرية والديمقراطية». وبعد أن أشار إلى أن أئمة الأنصار «ظلوا مستهدفين فمات الامام الصديق متأثراً بقمع الانقلاب الأول الذي وصل قمة عدوانيته في حوادث المولد الشهيرة، فأصابته ذبحة قاتلة في اكتوبر 1961. ومات الإمام الهادي شهيداً في ساحة عدوان الانقلاب الثاني في مارس 1970، وقال الصادق المهدي «لقد أشار الإمام الهادي في بيان عام 1969 أن الصادق هو الرجل الثاني بعده، ولكنني تصديت لأمر الأنصار بحكم الأمر الواقع، بعد أن قمعت حكومة النظام المايوي أكثر قادة الانصار ودجنت القلة الباقية، ورأيت بعد المشورة المسنونة أن اتخذ أسلوباً جديداً في قيادة الأنصار.. أسلوبا ينتقل من الشكل الأبوي المعهود لشكل جديد في المشاركة والمؤسسية سميناه هيئة شئون الانصار» وسرد المهدي مبررات هذا الانتقال محدداً أربعة أسباب: الأول التركيز على الإمامة الأبوية يجعل استهداف الكيان من قبل الطغاة. الثاني: كل الكيانات القبلية والدينية تواجه مشكلة خلافة، وكان ابن خليفة يأنس في نفسه الكفاءة حتى أن القانون العثماني كان يبيح للخليفة أو السلطان قتل كل إخوانه من الذكور يوم صعوده على العرش!. ان مبدأ التوارث يفتح أبواب تنازع كبير، وقد ظهر ذلك كثيراً في الكيانات القبلية والدينية في السودان. نحن محتاجون لآلية عادلة لتحقيق الخلافة السلمية. الثالث: أوصى الإمام الصديق وهو في فراش الموت في حضرة مئة شخص وصية وثقها ستة أطباء كانوا معه على ان إمام الانصار يختاره الأنصار، ولكن كيف يستطيع الأنصار أداء هذا الواجب؟ يجب أن يكون للأنصار جسم يمثلهم للقيام بهذا الواجب. والرابع: مراعاة تطور الزمان حيث الناس في هذا العصر يتطلعون لقيادة تقبل المشاركة وتمارس الشورى عبر مؤسسات، فالكيانات التقليدية التي تريد أن تكتب عمراً جديداً عليها أن تتجدد أو تتبدد. وانتقل المهدي إلى سرد انجازات هيئة شئون الانصار متطرقاً إلى دوره الشخصي في الاسهام الفكري خصوصاً على الصعيد الخارجي. وفي سياق حديثه عن المعوقات التي اعترضت طريق هيئة شئون الأنصار أشار المهدي إلى «عوائق سببها بعض وارثي الحسب الذين اعتبروا النظم الجديدة عازلة لهم من حقوق موروثة فشرعوا يقاومون أنشطة الهيئة بكل الرسائل بما فيها مساعدة الاجهزة الأمنية المضادة». وبعد أن أشاد بسعة تمثيل قواعد الأنصار في هذا المؤتمر والطريقة الديمقراطية الشورية التي اتبعت فيه. أعلن المهدي أن هذا المؤتمر سوف يختار ويقنن أجهزة الانصار بصورة تستمد شرعيتها من أصول تاريخية ونظم حديثة «وأن الاجهزة الجديدة سوف تكون درعاً واقية للكيان من التفلت والارتجال وتقيم مؤسسات للشورى والمشاركة تنظم حبات الجسم الانصاري في مسبحة قاصدة». وأشار المهدي إلى ان المؤتمر سيتخذ القرارات اللازمة بشأن تكوين هيئات ذات شخصية اعتبارية للأغراض منها: إقامة مؤسسات تعليمية من الروضة فصاعداً، إقامة مؤسسة للخدمات الطبية، إقامة مؤسسة إعلامية، اعتماد المؤسسة الإغاثية الحالية، مؤسسة طوعية باسم ظل المودة والرحمة لتبسيط الزواج وتشجيعه، مؤسسة إلى ربك الرجعى للمساعدة في الوفيات والمآتم، وتكوين آلية مناسبة لتحديد العلاقة بين الهيئة وهذه المؤسسات دون مساس بمرونة حركتها. كذلك تعديل الهياكل بحيث تقوم آليات متخصصة ملحقة بالأمانات المناسبة في مجال: تنظيم شبابي باسم فتيان المروءة، وهيئة اختصاص للحوار مع الآخر المذهبي الاسلامي وهيئة للحوار الملي غير الإسلامي. وختم المهدي خطابه بمناشدة انصاره إلى الانضباط والمحافظة على الأمن والنظام، ورغم اشارته إلى ان المؤتمر لن يطرق شأنا سياسياً إلا انه طالب بأن «ندعم بكل قوانا القضايا الوطنية مثل السلام العادل والتحول الديمقراطي في السودان، والأمن في البلاد، والأمن الغذائي، وأن نستنكر بكل قوانا ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إبادة ونستنكر بكل قوانا الارهاب الذي يصيب الأبرياء بعنف عشوائي». وكان المؤتمرون استقبلوا المهدي بالهتافات المدوية وذلك عند دخوله الخيمة المخصصة للمؤتمر وهو محاط بعدد كبير من مساعديه في الحزب على رأسهم د. عمر نور الدائم وبكري أحمد عديل ود. آدم موسى مادبو وعبد الرسول النور إسماعيل حيث استقبله الحضور بهتافات من قبيل « لن نبايع الا الصادق»، «لن نصادق غير الصادق» «إلا امامة إلا الصادق» ثم تجددت الهتافات واشتعل المكان بالصياح وترديد مبايعتهم مرة أخرى للمهدي عندما خرج أحد مندوبي المؤتمر عن كلمته وطرح تساؤلات تشكك فيما تعتزم تنفيذه الهيئة. وفي تصريحات لاحقة أعلن المهدي في المؤتمر ان الهدف من انعقاد مؤتمرهم ليس اختيار الامام وإنما اختيار اجهزة تخرج الناس من حالة العفوية الى نهج المؤسسية التي تقيم الامور داعياً المؤتمرين الذين هدد بعض مندوبيهم من خلال الكلمات التي القوها بمحاسبة قيادات الحكومة وحزب المؤتمر الوطني الحاكم حالة سقوط هذا النظام، ودعاهم للتسامح.قائلاً «الفشى غبينتوه خرب مدينتو» «دعونا نربط العمة فوق الجرح» وأوضح أن على المؤتمرين والجميع العمل على ارساء قيم الوحدة والسلام والديمقراطية. الخرطوم ـ الحاج الموز: