الجمعة 16 شوال 1423 هـ الموافق 20 ديسمبر 2002 امين هويدي واحد من شهود العيان على اهم الاحداث التي شهدتها مصر والمنطقة العربية في اخطر فتراتها التاريخية. شغل هويدي منصب رئيس جهاز المخابرات العامة ووزير الدفاع، ووزير الارشاد القومي وقبلها سفيراً لدى بغداد والرباط وأحد الضباط الصغار في حركة الضباط الاحرار، الحلقات التالية مقتطفات من كتاب يصدره قريباً مركز الاهرام للترجمة والنشر بعنوان «50 عاماً من العواصف.. ما رأيته قلته». ينشر بترتيب مع وكالة الاهرام للصحافة. دارت الأيام وتغيرت العلاقات والأنشطة بعد أن تركت وراء ظهرى الحكم وما يجرى فيه وبه... سيلمس القارئ أننى منذ الآن لن أحدد التواريخ الدقيقة لما كان يحدث، لأن السيدة حرمي أعدمت كل مذكراتى عن عام 1971 حينما قبض على ضمن مجموعة 15 مايو لإبعاد أى تورط في أحداثه، بالرغم من أن هذا لم يحدث... تفرغت للكتابة وأنهيت كتابي «كنت سفيرا بالعراق»، وكتابي الآخر عن «كيف يفكر زعماء الصهيونية». وأبدى الدكتور سيد أبو النجا المشرف العام لدار المعارف للطباعة والنشر استعداده لنشر الكتاب الأول، ووقع عقدا معى بتاريخ 31 مارس 1971 مع تعديل عنوانه ليكون «فكر عبد الناصر وأحداث العراق». وتحدث الرجل كثيرا عن الكتاب في محاضراته التي كان يلقيها في معهد الصحافة بجامعة القاهرة... فالكتاب سوف يصادر بالقطع بواسطة السلطات العراقية وأن هذا الإجراء تبعا لخبرته الواسعة سوف يزيد من حجم التوزيع... وصلتنى الملازم الأولى من الكتاب لتصحيحها تمهيدا للطباعة بعد أن عدل عنوانه للمرة الثانية ليكون «أسرار ومؤامرات في العراق»، إلا أن الأمر بالقبض على يوم 16 مايو 1971 أوقف كل شئ... خاب توقع الدكتور أبو النجا فلم يصادر الكتاب في تلك المرحلة من سلطات بغداد، ولكن تم ذلك بواسطة الدكتور محمد عبد القادر حاتم نائب رئيس الوزراء في الوزارة التي تشكلت في ذلك الوقت!!!... لم قام الزميل بالمصادرة والحديث يجرى عن بغداد؟ القضية لا تتعلق بالكتاب ولا بما تحدث عنه الكتاب، ولكن المشكلة في صاحب الكتاب؟ اتصلت السيدة حرمي بالدكتور أبو النجا وعرضت استعدادها للاستمرار في تصحيح الملازم فهي حاصلة على ليسانس الآداب بامتياز، ولم تكن تعلم بالمصادرة، وشاء أبو النجا ألا يصدمها بالحقيقة ولا بما يمكن للزميل أن يصنعه بالزميل!!! ولكن لم يشأ الدكتور أبو النجا أن تنتهي القصة هكذا، فبعد خروجى من السجن اتصل تليفونيا ليهنئنى بالسلامة ثم طلب زيارتى في المنزل «ليشرب فنجان القرفة»، وليرد لى أمانة!!! أمانة!!! أى أمانة أيها العزيز؟!!! وعلى فنجان القرفة رد الأمانة، وهي أصول كتابي الذي صادره عبد القادر حاتم ثم قال: «كنا وقعنا عقدا عن نشر الكتاب المصادر ولكن حالت الظروف دون تنفيذه، ولك حق أن تقاضينى، ولكنى واثق أنك لن تفعل، ولذلك فإننى أعلم أنك انتهيت من كتاب آخر وأنا مستعد لتوقيع عقد نشره الآن». وفعلا تم توقيع عقد كتابي «كيف يفكر زعماء الصهيونية» مع دار المعارف... كان رجلا محترما يحافظ على قيمة توقيعه وعلى سمعة داره... أقارن ذلك بتصرف حدث أخيرا من إحدى دور النشر وصاحبها. فقد وقع عقدا لنشر كتابي «في ظل النظام العالمي المراوغ»، وقدمت أصوله بترحيب بالغ منه ثم راجعت كل ملازمه، ووضع تصميم غلافه وأصبح في المطبعة، وإذا بخطاب عبارة عن كشف حساب مؤرخ في 27 ديسمبر 1999 يصلنى، وفي السطر الأخير من كشف الحساب وبين قوسين مكتوب «تم إلغاء العقد» هكذا!!... دون إنذار، ودون اعتذار، ودون ألو!!! وياللمهانة... بعد أسابيع قليلة من تركى الوزارة زارنى الوزير أحمد سلطان، وذكر أنه كان في مقابلة مع الرئيس السادات ودار الحديث عن شخصى، فقال له السادات: «أمين أنظف وأفضل واحد في كل هؤلاء، وإن دوره لم ينته». كما قامت جيهان السادات بزيارة السيدة حرمي في المنزل، وقالت لها: «أنور زعلان من أمين لأنه رفض أن يتعاون معه.. لا بد أن يأخذ أمين وضعه، وعليه أن يطلب مقابلة أنور وأنا أمهد الطريق»، ولكنني رفضت... فقد طويت الصفحة، وكنت أتوقع ما حدث بعد ذلك بأسابيع. في يوم 13 مايو 1971 كنت عائدا والسيدة حرمي في ساعة متأخرة من الليل إلى منزلنا بمصر الجديدة بعد زيارة أصدقاء لنا في حى الزمالك، وعند ضريح أحمد ماهر شاهدنا عربات شرطة ينزل منها الجنود ليتفرقوا بسرعة في الشارع، وتكرر المنظر في شارع الخليفة المأمون. ولما وصلنا إلى دارنا صاحت بنتنا الصغيرة «مها» الآن هي الدكتورة مها أستاذ مساعد في كلية البنات جامعة عين شمس وهي تطل من الشباك: «بابا أنكل شعراوى وبعض الوزراء استقالوا». ولم أدهش فما توقعته حدث متأخرا بعض الشئ، فالصراع كان موجودا... بدأ بإزاحتى في نوفمبر 1970 ثم بإقالة علي صبري في 2 مايو 1971، ولما ظن شعراوى أن الثمار حان قطافها ضرب السادات ضربته، ووجد الجميع أنفسهم وقد حددت إقامتهم في أول الأمر وملقى بهم في السجون بعد ذلك... اتصلت بفوزى عبد الحافظ سكرتير الرئيس السادات راجيا تحديد موعد لى مع الرئيس، محاولة منى لرأب الصدع في الظروف الحساسة التي تمر بها البلاد. إلا أن فوزى لم يرد علي بخير أو شر، ولم أكن أعلم أن دورى قد قرب، وأن السادات كان وراء محاكمة عهد وليس جماعة أو أفراد. في يوم 15 مايو 1971 سافرت صباحا إلى بلدتى بجيرم، وبرفقتى حسين سالم رجل الأعمال الشهير الآن، والذي رأس شركة ميدور المصرية الإسرائيلية بعد ذلك، والذي نقلته للعمل معى في المخابرات العامة من شركة مصر للتجارة الخارجية من قبل لزراعة 300 شجرة «جازورينا» كان قد أحضرها لى، في حديقة برتقال كنت أملكها سميت القطعة التي زرعت فيها الأشجار بعد الأحداث «بغابة 15 مايو»، وقد اضطررت لبيعها تحت ضغط الظروف المالية التي وجدت نفسى فيها بعد ذلك وبعد زراعة الأشجار عدنا سويا إلى القاهرة حيث تأكدنا أن اعتقالات أخرى قد تمت... بعد ظهر ذلك اليوم زارنى موسى صبرى رئيس تحرير «الأخبار» والمقرب من الرئيس السادات، وكان هناك بيننا كثير من الود والاحترام، وتحدث عن الاعتقالات وأخذ يعرض علي مناصب عديدة وفي ثقة غريبة... أمانة الاتحاد الاشتراكي. وزارة الداخلية. رئاسة المخابرات العامة!!!! كنت استمع في دهشة دون تعليق، وأذكر أننى قلت له وأنا في طريقى لأرد على مكالمة تليفونية: «يا موسى أنت من لا يملك تعرض على من لا يستحق. يا أخى أنا قلبت الصفحة خلاص»... أذكر أن موسى صبرى كان من أوائل الزائرين لى في الصباح المبكر ليوم 10 ديسمبر 1971 وهو اليوم التالى للإفراج عنى، وتساءل: «لماذا لم تطلبنى كشاهد نفي بأنى عرضت وأنت رفضت». وقلت: من ساعة القبض على قدرت أننى فريسة ألقى الصياد شباكه عليها، وأصبح من مسئوليتى أن أتخلص منها دون توريط أحد... من كان يريد أن يتقدم للشهادة فلا يحتاج إلى دعوة منى».. كان موسى يداوم على زيارتى لفترة بعد الإفراج، وكنا نناقش الأوضاع خاصة الاحتلال الإسرائيلي لسيناء... كان رأيه في دايان أنه متطرف دموى، وأذكر أننى قلت له: «موشيه دايان هو الذي سيوقع معنا صلحا في يوم من الأيام».. وكان موسى يردد ذلك دائما أمام السادات وغيره، إذ لعب دايان دورا إيجابيا لإنجاح كامب ديفيد أوضحه في كتابه» اختراق - Seakthrough. عرفات تسبب في سجني في عصر يوم 16 مايو 1971 زارني في منزلي أبو عمار ومعه بطارية من زملائه: أبو اياد، أبو جهاد، أبو اللطف وآخرين. وكنا نستعرض الموقف، إذ كنت من أوائل من قدم «فتح» إلى الرئيس عبد الناصر في وجه مقاومة شديدة من المخابرات الحربية... وهو يهم بمغادرة المنزل قال: «أنا ذاهب لمقابلة الرئيس السادات فهل تريد منه شيئا؟» قلت: «بلغه أن ما أخذ بالقوة لن يسترد إلا بالقوة». قال لى أحد الحاضرين بعد ذلك: «إن أبا عمار نقل الرسالة، فرد السادات: الله هوه أمين هويدي لسه بره؟» واعتقلت في نفس الليلة. وبعد ذلك بأيام فتشوا منزلى، واستولوا على أغلب أوراقى التي ملأت بعض الأجولة، وكلها بها تاريخ مصر في تلك الفترة. لم ترض السيدة حرمي بأن توضع أوراقى في زكايب فأعطتهم خمس حقائب ملأوها بالأوراق... عاتبت أبا عمار في إحدى زياراتى إلى بيروت بعد ذلك على عدم إنذارى لأهرب الأوراق... كانت غالية على نفسى، ولم يكن في مقدورى عمل أى شئ إزاء هذه الخسارة إلا وضعها ضمن كشف أشياء غالية كثيرة خسرتها. أذكر تلك الليلة جيدا، فتاريخ 16 مايو 1971 لا ينسى... كنت أمام التلفزيون في وضع استرخاء، وسمعت رنين جرس الباب الخارجى... من يدق الجرس الساعة 11 مساء؟ فتحت الباب فدخل شابان بالقميص والبنطلون وجلسا في الصالون... قال أحدهما: نحن من المباحث وممدوح سالم وزير الداخلية يطلب سيادتك... طيب لماذا لم يطلبنى في التليفون؟ فيه اعتقال؟ أبدا يا أفندم استغفر الله... إذا كان فيه اعتقال اسمحوا لى أن أجهز شنطة... أبدا يا أفندم دى زيارة عادية جدا... ارتديت ملابسى وبمجرد خروجى من باب المنزل عرفت أننى معتقل... كان بالشارع خمس عربات وبطارية من الجنود، هل أنا كارلوس أو أبو نضال؟ كان كلبى الوولف يبكى على الرصيف... وجلست في المقعد الخلفي للسيارة وضابط يمينى وآخر يسارى، وفجأة اندفع الكلب وكله غضب واحتجاج على ما يجرى لصاحبه... قيل لى إنه ظل راقدا على بطنه دون حركة وتوفي بعد الإفراج عنى، ودفنته في صحراء مصر الجديدة، ومن يومها لم أقتن كلبا آخر... محصل الكهرباء كان قد انقطع عن المرور لتحصيل الفاتورة... لما ذهبت إلى الشركة أسأل، أرونى دفتر التحصيل ووجدت أن المحصل يكتب في الصفحة الخاصة بى: لا أجرؤ على دخول الفيلا لأن بها كلبا متوحشا... وعلقت على نفس الصفحة «الكلب المتوحش مات». وتحرك الموكب مخترقا الشوارع الساكنة، ووصلنا إلى ترعة الإسماعيلية ثم إلى أنشاص، وسألت الضابط: هل تقصدون سجن أبو زعبل؟ نعم كانت الإجابة، فعرفت أنهما ضلا الطريق وتوليت قيادة الموكب بعد تغيير الاتجاه إلى سجن أبو زعبل، لأنى أعرف المنطقة إذ توليت بكتيبتى الرابعة المشاة الدفاع عن طريق الإسماعيلية أيام إلغاء المعاهدة، وكانت رئاستى في إحدى فيلات أبو زعبل... هل هناك فرق بين أن تتولى قيادة وحدة عسكرية للدفاع عن مصر، وبين أن تتولى قيادة رجال المباحث الذين ضلوا طريقهم إلى السجن الذي ستعيش فيه فترة قد تطول وقد تقصر؟ القائد قائد في الحالتين!!! فتح الباب الرئيسى للسجن وكان مقفولا بمزاليج حديدية ضخمة لها أصوات منكرة، وقيدوا اسمى في دفتر كبير يدل على كثرة المساجين بالداخل، ثم أمرونى بخلع ملابسى وأصبحت عاريا كما ولدتنى أمى ثم وزنونى: 85 كجم «مشفي»، ثم دخلت في ملابسى مرة أخرى وفتشونى... أخذوا محفظة نقودى وكان بها عشرة جنيهات، ونزعوا ساعتى فالوقت في السجن لا قيمة له، وكذلك قلمى فلا مجال لاستخدامه، ثم دخلت إلى مكان «الزنزانات» وكله حديد في حديد... السلالم والترابزين والأسقف والأبواب والنوافذ. كانت الزنزانة رقم 8 التي خصصت لى في الدور الثالث، وكان الزملاء على الصفين كل في زنزانته، وهلل البعض لرؤيتى، وصاح علي صبرى: «الله وأمين هويدي ماله؟ ده بيحاكم عهد وليس جماعة». وقفلوا باب الزنزانة بالمفتاح والمزلاج والسلاسل، ووجدت في الزنزانة التي في مواجهتى محمد فوزى وفي يده مصحف مما أثار دهشتى!!! والى جواره سامي شرف وآخرون، وكان على يمينى زنزانة ضياء داوود... كانت وجوههم منتفخة وعليها بثور لدغ الناموس... زنزانتى واسعة أشبه بالعنبر الصغير في نهايتها دورة مياه، وهناك سرير وترابيزة صغيرة وكرسى. وفي الحال هاجمتنى جيوش الناموس من الشبابيك والباب، لأنه لا يوجد عليها أسلاك، التي ركبوها بعد يومين، وطلبت منهم بعض الحاجات وكتبوها في ورقة محفوظة عندى: 2 بيجاما، 4 غيار داخلى، فوطة وجه، شبشب، 4 صابونة، خرطوشة سجاير، سجادة للصلاة، مصحف، مشط وفرشة شعر، معجون أسنان، علبة دواء للإسهال، 2 قميص سبور، 2 بنطلون، 4 شراب، زجاجة كولونيا، معجون حلاقة، فرشة حلاقة، بعض الكتب... تسلمت الأشياء في نفس الليلة عدا علبة دواء الإسهال وخرطوشة السجاير والكتب... الكتب ممنوعة، والسجاير تصرف واحدة واحدة حسب الطلب وعند اللزوم. صحوت على صوت مواء قطة كبيرة وسمينة كالنمر الصغير تتلصص في الزنزانة، وفجأة سمعت صراخ شعراوى جمعة وهو مذعور... هاجمته بعض القطط فصاح: «فيه حاجة غلط... الصحيح هو أن يدخل وزير الداخلية السجون قبل أن يعين وزيرا، ولكن الذي حدث كان الخطأ بعينه إذ عين وزير الداخلية أولا ثم أدخلوه السجن». كان في الدور الثانى الذي تحتنا مباشرة مساجين جماعة المشير الذين حكم عليهم أيامنا بالسجن في قضية قلب نظام الحكم... الكل في السجن السابقون وتبعهم اللاحقون... والعدو قابع على الضفة الشرقية للقناة!!! في ورقة دونت السيدة حرمي بعض ما جرى لها، فكتبت «في الساعة 11 مساء يوم 16مايو حضرت المباحث وطلبوا أمين لسؤاله، وفي الساعة 12 قطع النور عن المنزل. وفي يوم الاثنين 17مايو اتصلت بمدام صادق أطلب مقابلة جيهان ولم ترد. قطعت الحرارة في التليفون، وجاء رجال مصلحة التليفونات وخلعوها كلها وأخذوها، وحضر عثمان السائق وأخبرنى أن رجال المخابرات قابلوه في الطريق وأمروه بتسليم السيارة وسلمها. وفي يوم الثلاثاء 18 ذهبت إلى منزل الوزير أحمد سلطان، ولم يكن يعلم بالقبض على أمين، وتعجب لأنه بعيد عنهم ولأنه شريف ونظيف، وأخبرنى بأنه سيسأل ويتصل ولكنه لم يتصل. وفي يوم الخميس 20 أرسلت ورقة إلى مدام حسين الشافعى أطلب مقابلتها هي وزوجها لأطمئن على أمين، وأخبروا السائق أنها مريضة... إلى الآن لم أخبر أحدا أن أمين قبضوا عليه». في سجن أبو زعبل كان مسموحا بإحضار الأكل من منازلنا، وكان هناك «كانتين» في متناول اليد وكان الخبز رائعا. وكان مسموحا لكل فرد أن يخرج نصف ساعة ومعه الحرس اللازم، للسير في الناحية الخلفية للسجن بين صفين من بيوت الكلاب الشرسة. وكانت الممنوعات: الصحف والإذاعة والتلفزيون وأى وسيلة للاتصال بالخارج.. كان الزملاء يتبادلون النقاش والضحكات العالية إلى ساعة متأخرة من الليل، وفجأة استدعى الأخ ضياء داوود وخرج ولم يعد... يعنى بدأت التحقيقات... يعنى ما كان يأمل فيه الكثيرون من أن الأمر لا يتعدى تحديد إقامة، أصبح مجرد وهم... وإذا بالدور الثالث الذي كنا فيه يصبح صامتا كصمت القبور... ترمى فيه الإبرة ترن... سامي شرف يشير بإشارات من زنزانته معناها أن نقوم بكتابة استعطاف إلى السادات... أنا أرفض المشاركة... وظهر أنه كتب استعطافا منفردا ولكن السادات لم يقبل... قلت من قبل إن الناس معادن... كنت الثانى الذي دعى في اليوم التالى... في هذا اليوم لم أتناول غدائى لانعدام الشهية وخرجت في الوقت المحدد لى للتمشية... كان ورائى أحد الجنود بحوالى 5 أمتار، وكان أحد الضباط وراء الجندى بحوالى عشر خطوات، وقال الجندى بصوت هامس سمعته بصعوبة إننى مطلوب للتحقيق بعد الظهر... جهزت شنطتى استعدادا للمرحلة المقبلة... خرجت من نفس الباب الذي دخلت منه منذ أيام، وأخذنا عربة وكان ضابط برتبة رائد هو الحرس... الضابط كان ساخطا على ما يجرى غير راض على المصير الذي يواجهه رجالات مصر، وأصبح السجين والسجان ساخطين... وفي ميدان التحرير اشترى القائد عصيرا شربناه سويا، وهذه لفتة كريمة، وتركنى بعد ذلك في حراسة آخرين في مبنى مجلس قيادة الثورة حيث أعد للتحقيقات. تحقيقات حقق معى أحد المستشارين واسمه الأستاذ راغب وكان موضوعيا يريد أن يعرف الحقيقة، ومن أول لحظة عرفت أنه لا يوجد تحت يده دليل واحد للإدانة. سألنى عن رأيى في سامي شرف لأن جميع من سئلوا في التحقيقات الابتدائية لم يذكروه بخير. ورددت عليه: أرجوك أن تسألنى في الموضوعات التي سجنت من أجلها... سأل إذا كان سامي على هذه الصورة لم اختاره عبد الناصر سكرتيرا له طوال هذه المدة؟ وقلت له: اسألوا عبد الناصر... وضحكنا كثيرا... سأل عن خرائط ضبطت عندى ـ كما سبق أن ذكرت وبها عقد المواصلات وتقسيمات للقاهرة. وأجبته بأنها خريطة كانت مرفقة بخطة وضعتها للدفاع عن العاصمة قبل العدوان الثلاثى. وسألنى عن وجود كشف ضباط القوات المسلحة عندى. وأجبته بأن كل وزير دفاع لديه هذا الكشف، فهو أداة لإجراء الترقيات والتنقلات والتعيينات... اقتنع الرجل في آخر الليل بألا علاقة لى بالقضية التي لم أكن قد عرفتها بعد... شاهد أو متهم ما شفش حاجة!!! قال سنتقابل الساعة العاشرة مرة أخرى لأن أذان الفجر كان يؤذن وقت انصرافي... لم أرجع إلى سجن أبو زعبل مرة أخرى، ولكن أخذونى إلى سجن القلعة... دخلت في زنزانة بها سرير وكرسى وترابيزة، وألقيت نفسى على السرير ونمت من شدة التعب. عندما استيقظت وجدت أن بطانيتى عبارة عن قطعة من بطانية... كهنة!!! الضابط شاركنى احتجاجى على ذلك، وغاب دقائق وعاد ببطانية جديدة من المخزن وهو يخبئ في قميصه زجاجة كوكاكولا... فتحتها وشربتها وأخفاها في قميصه وخرج... ذهبت إلى التحقيق مرة أخرى في مبنى مجلس قيادة الثورة، وكانت أسئلة المستشار «راغب» عن التنظيم الطليعى إذ كنت عضوا في أمانته... كان الرجل على علم بأننى كنت ضد سرية التنظيم، وسألنى عن السبب... أجبت باللازم، ورجعت إلى زنزانتى بالقلعة مرة أخرى، ولم أسأل بعد ذلك إلى بداية المحاكمة. وأنا في سجن القلعة سلمونى خطابا دون تاريخ من مجلس الشعب.. «فبمناسبة صدور قرار رئيس الجمهورية بحل مجلس الشعب، نرجو التكرم بموافاتنا بما سبق صرفه لسيادتكم من الأصناف الآتية: بطاقة العضوية، اشتراك السكة الحديد، اشتراك الأوتوبيس، مفتاح صندوق البريد، الاستمارات العائلية التي لم تستعمل... والإمضاء: وكيل الوزارة أمين الشئون المالية والإدارية». وتذكرت أننى عضو في مجلس الشعب... وتذكرت أننى معتقل ومازلت أتمتع بالحصانة، وأنه حقق معى وأنا أتمتع بالحصانة... ونبهت إدارة السجن «بتمتعى»، وأظنهم رفعوا الحصانة بعد ذلك!!! بعد انتهاء التحقيقات أبلغنى ضابط السجن انه سيفرج عنى في اليوم التالى ضمن آخرين، لأنه ثبت ألا علاقة لى بالقضية، وأخبرونى أن بعض الكتب التي وصلت كان قد صدر قرار بالسماح بالكتب قد صودرت لأن فيها كتاب عن «ثورة الزنج»... الثورة حدثت في العراق منذ مئات السنين!!! هذا ليس مهما، فالأهم «كلمة ثورة في سجن القلعة؟» وفجأة صدر قرار بإلغاء تحقيقات النيابة، لأنها لم تتفق مع المزاج السياسى السائد. وكلف الدكتور مصطفي أبو زيد بصفته مدعيا اشتراكيا بإعادة التحقيقات من جديد. وبعد تحقيق قصير وجه لى تهمة «الاشتراك في الخيانة العظمى ومحاولة قلب نظام الحكم». وخرجت أنا «الخائن» من أمام المدعى الاشتراكي لأقابل «محمود العالم» الذي انتهي التحقيق معه، وسألته عما وجه له من اتهام فقال: «الأسطمبة»، يعنى الخيانة العظمى. وركبنا سويا سيارة إلى مكاننا في سجن القلعة... بعد أيام أفرج عن «العالم» وقيل إن «سامي الدروبى» سفير سوريا في القاهرة توسط له عند السادات فكان الفرج!!! ولم يقدم للمحاكمة... في تلك الفترة وضعت تحت الحراسة بما في ذلك معاش أخى المتوفي، وكان مستشارا في إدارة قضايا الحكومة، وقدره 35 جنيها كنا ننفق منها على خمسة أولاد قصر، وقد رفض السادات منحه معاشا استثنائيا. بهذه المناسبة حينما أفرج عنى بعد المحاكمة كانت الحراسة مفروضة على أموالى، وتوفي والدى رحمه الله فتقدم المحامى الأستاذ على منصور بطلب للدكتور مصطفي أبو زيد المدعى الاشتراكي بالإفراج عن 200 جنيه للصرف منها على جنازة والدى... وافق الدكتور على 50 جنيها فقط لا غير!!! جنازة والدى كانت كبيرة جدا، حضرها كل الوزراء وعلى رأسهم صدقى سليمان رئيس الوزراء، كما حضر ممدوح سالم وزير الداخلية وكنت بجانبه ونحن نسير بالجنازة ومال علي وقال: «نحن متأسفون على كل شئ»، لم أرد ولم أنشر شاكرا للرئيس على إرساله مندوبا وأظنه كان ممدوح سالم نفسه!!! شئ مؤسف. نقلنا بعد ذلك إلى السجن الحربى ومازال الحبس انفراديا، وبعد ذلك فتحت الأبواب واختلطنا مع بعضنا البعض... كنا نتناول طعام الإفطار في رمضان جماعة ونصلى جماعة، ويخرج كل فرد نصف ساعة للسير في الحديقة، كنت أعطى فيها لأحد الجنود دروسا للتقوية... كان ينتظرنى كل يوم وأعطيه واجبا يحله وأصححه له، ثم أجمع «فلفل شطة» من أشجار الحديقة لأعطيه للدكتور لبيب شقير رئيس مجلس الشعب، إذ كان مكلفا بعمل السلطة ليضعها محمد عروق مدير صوت العرب بعد ذلك في جردل ويوزعها علينا.. لبيب كان قصيرا والكرسى الذي يجلس عليه لعمل السلطة عال... قال لى في أحد الأيام وهو يقشر بصلة: «شوف يا أمين السادات جعلنى أقشر بصل!!!»، وواصل عمل السلطة طوال وجودنا في السجن الحربى. فضائح مزعومة كانت الصحف والمجلات قد سمح بتداولها إذ لم يبق على صدور الأحكام إلا وقت قصير، فقرأت في إحدى المجلات الأسبوعية بتاريخ 14 سبتمبر 1971 مقالا للشاعر صالح جودت بعنوان «وأصبح وراء القضبان»، قال فيه: «حكايات كثيرة يضيق بها صدرى عن ذلك العهد الذي ذهب إلى غير عود... واحد من الماثلين اليوم في القفص الكبير كان منذ عدة أعوام وزيرا مشرفا على الإذاعة والتلفزيون وصوت القاهرة هو أمين هويدي... تجمعت عندى من الفنانين والفنانات شكاوى كثيرة تهبط إلى مستوى الفضائح، فرتبتها في حملة ضارية على الفساد. واستدعانى الوزير ليستوفي منى بعض التفاصيل، وذهبت إليه بمنتهي حسن النية فإذا أنا محاصر على مائدة كبيرة بينى وبين عشرين أو ثلاثين من زبانيته، ومنهم نفر من الصحفيين الموالين له، فأحسست أن المطلوب ليس الإيضاح ولكن المحاكمة، ووجه لى فيها جميع التهم والتهديدات. وفي النهاية بعد ساعتين أو ثلاث صرخت غاضبا بأننى لن أكف عن حملتى، وأننى مستمر فيها حتى النهاية». ويستطرد: «في الأسبوع التالى لم أجد مقالى ووجدت بدلا منه بروازا صغيرا يقول إن الحملة توقفت بأمر الوزير. وحتى النيابة الإدارية التي كانت قد تحركت مع الحملة توقفت هي الأخرى.. أتمثل الوجوه التي كانت حاضرة حول المائدة، فأجد بعضها في القفص الكبير وبعضها الآخر مطرودا من منصبه بعد ثورة التطهير والتصحيح التي أعلنها الرئيس الشريف أنور السادات، وأرفع وجهي إلى السماء وأقول: «سبحانك يارب... ياحق... ياعدل..». والحقيقة غير ذلك تماما... صالح جودت كتب مقالين أو ثلاثة عن بعض الملاحظات عن شركة «صوت القاهرة» التي كانت تتبع الوزارة بعنوان «من أجل القطاع العام لا ضد القطاع العام هذا الدلع من يفرضه علينا؟»، ورد رئيس الشركة بمقال بعنوان «هذا التجنى من الذي يفرضه علينا؟» واستمر صالح جودت بعد ذلك في كتابه بعض المقالات، فأحلت الموضوع إلى وكيل الوزارة المختص لبحثه، فانتهى إلى تأكيد صحة بعض ما ورد على لسان الصحفي المذكور، وعدم صحة بعض ما ورد فيه. ففكرت أن أتعامل مع القضية في إطار سياستى التي أعلنتها، وهي «سياسة الباب المفتوح»، بعقد اجتماع على صورة جلسة مواجهة بين الصحافة والشركة حتى نقف على الحقيقة من أقصر طريق. فاتصلت برئيس المؤسسة الصحفية وهو الأستاذ أحمد بهاء الدين، وعرضت عليه الفكرة فرحب بها. وعقد الاجتماع وحضره بهاء ورجاء النقاش رئيس تحرير المجلة وصالح جودت، وكذلك رئيس مؤسسة الهندسة الإذاعية ورئيس الشركة ووكيلا الوزارة، ودار نقاش موضوعى حددت فيه الأخطاء لعلاجها. وبعد أسبوعين عقد اجتماع آخر لمراجعة تصحيح الأخطاء. وخرجت المجلة صاحبة النقد في العدد التالى بمقال افتتاحى عنوانه «أمين هويدي ونموذج رائع للسلوك الاشتراكي»، وأنهى رئيس التحرير مقاله قائلا: «وبعد أن ناقش السيد أمين هويدي القضية بمنتهى المسئولية والوضوح ورحابة الصدر، تعلن المجلة من هذا العدد قفل المناقشة في موضوع شركة أسطوانات صوت القاهرة». لماذا كتب صالح ما كتب؟ لماذا حاول الصيد في الماء العكر؟ رحمه الله... أراد أن يشارك في الحملة الدائرة سواء بالحق أو الباطل. ونحن في انتظار الأحكام استدعيت للتحقيق مرة أخرى في مكتب المدعى الاشتراكي. وكان المحقق أحد المستشارين، وكان يجلس معه أحد ضباط الشرطة من مكتب المدعى الاشتراكي. وطلبت من المستشار أن يأمر بمغادرة الضابط. وفعل وامتثل الضابط للأمر... كان أحد نواب المنيا هو عبد الصمد محمد عبد الصمد قد قدم شكوى مجملها بعض التصرفات من وضعه تحت الحراسة... ظهر أنها شكوى كيدية، وأمر المستشار بحفظها، ولكنى سألته: «هو يقول إننى اضطهدته وكنت على خلاف شديد معه، فهل قال السبب؟» فتمنع المحقق قليلا وقال: «ماذا أقول؟ هو يقول إنه زملكاوى وأنت أهلاوى أو العكس إذ لا أذكر تماما وكنت وأنت وزير للإرشاد تأمر بإذاعة مباراة الأهلى أو العكس وتتجاهل إذاعة مباريات الفريق الآخر».. المأساة الكبرى أننى لم أكن أعرف النائب المحترم ولا سمعت باسمه من قبل، وكذلك فإننى لا أهلاوى ولا زملكاوى. وجاء يوم صدور الأحكام في القضية التي شغلت الرأى العام. وعقدت الجلسة في مبنى الوزارة المركزية الذي هو القصر الجمهورى الآن، وكانت القاعة مكتظة بالحاضرين لأنها جلسة علنية كما قيل... كان كل الحاضرين من رجال الشرطة والمباحث... كان حكم المحكمة على «السجن سنة مع إيقاف التنفيذ لمدة ثلاث سنوات». تصفيق حاد من الحاضرين، ورفع الأيدى بعلامة النصر لدرجة أننى لم أسمع الحكم بنفسى.. أول مرة يصفق فيها رجال المباحث لحكم براءة، وفي قاعة المحكمة. وعدنا إلى السجن الحربى استعدادا لتنفيذ الأحكام، ومعنى ذلك أنه تقرر الإفراج عنى ضمن آخرين. وتفضل قائد السجن بدعوتى لأحادث السيدة حرمي في التليفون لأبلغها ذلك... شكرته على أن أكون آخر المتكلمين إذا سمح لزملائى بمحادثة ذويهم... الشهامة الصعيدية جعلته يقبل... كانت السيدة حرمي تعلم بالحكم إذ اتصل بها الكثيرون حتى من قاعة المحكمة... ركبنا في أوتوبيس في اتجاه ميدان لاظوغلى حيث وزارة الداخلية لتنفيذ الإجراءات النهائية للإفراج... اصطف الكثيرون لتحية الموكب الغريب... عملوا لنا «فيش وتشبيه» بأخذ البصمات، فقد أصبحت من أصحاب السوابق. وقد دعانى أحد الضباط لأغسل يدى من «حبر» البصمة قائلا: «اتفضل اغسل وساختنا يا باشا».. كانت الألقاب قد عادت في لغة التداول... وكانت عائلتى في الانتظار. وحينما وصلنا إلى المنزل كان كل السكان في العمارات المجاورة في الشرفات يحيون الجار الذي عاد... وكان الكلب المتوحش راقدا، وأظن أننى لمحت في عينه دموع الفرح وهو يهز ذيله في انبساط... ودعنى الكلب بغضب واستقبلنى مرة أخرى بارتياح... وبعد قليل مات. صف مرتفع من الصحف والمجلات التي صدرت أثناء السجن احتفظت بها السيدة حرمي لأطلع عليها، وهي أمامى لا أقربها والسيدة تسألنى: هل قرأت؟ وكان ردى دائما «ليس بعد»... وبعد أيام حملت الأثقال ووضعتها في «الصندرة» دون قراءتها أو تصفحها... لقد قررت طي صفحات الماضى بحسناته وسيئاته لأتطلع إلى المستقبل، فالعيش في التاريخ مهم ولكن العيش في عواصف الحاضر والمستقبل والواقع هو الحياة. ماذا أفعل؟ فالقدرة موجودة والإمكانيات متاحة ولا بد أن أنتج. عرض رجل سويسرى كان يقطن في جزء من منزلى أعددته ليؤجر مفروشا أن أكون مندوبا لشركة «باساب» لماكينات التريكو، ورفضت شاكرا بعد أن أيقنت أننى لا أصلح لهذا العمل. واشتركت في تكوين شركة «إكسيمكو» مع آخرين للقيام بجميع الأعمال التجارية، وتم تسجيلها فعلا، ولكننى انسحبت منها قبل أن تبدأ عملها الفعلى لأنى غير مؤهل لمثل هذه الأمور. وحاولت في مجالات أخرى محاولات فاشلة لأنها تعارضت وطباعى. ولكننى كنت أسبق الأحداث، فمازالت توابع القضية الكبرى تلاحقنى... المراقبة الشديدة الثابتة والمتحركة تلاحقنى... عربة من إحدى جهات الأمن كانت مرابطة تغير لون «الدوكو» كل يوم... مرة سوداء وأخرى صفراء أو حمراء، ولكن المشرف على العملية لم يغير رقم العربة... اللون يتغير ورقم العربة ثابت... نهرت جماعة المراقبة لسوء تدريبها، وأرسلت لرئاسة الطاقم ورقة بذلك... انقطعت العربة واستبدلت بموتوسيكل... وكانت قضية الحراسة على أموالى مستمرة، توالى محكمة الحراسة وتأمين سلامة الشعب النظر فيها، وأخيرا أصدرت حكمها في 11 مايو 1972 «برفض فرض الحراسة على أموالى، وإنهاء كافة الإجراءات التي سبق اتخاذها بالقرارين رقم 1، 3 لسنة 1971 الصادر من السيد الوزير المدعى العام الاشتراكي بمنعه من التصرف في أمواله المنقولة والعقارية وإدارتها، واعتبار تلك القرارات كأن لم تكن، وتسليمه ما يكون له من أموال، وإنهاء كافة الآثار المترتبة على قرار المنع»... قلة أموالى وممتلكاتي جعلت المحامى الأستاذ علي منصور يقول للمحكمة في مرافعته: «لا أظن أن الحكم الحالى ضعيف لدرجة أنه يخشى أن يقوم فرد لا يمتلك إلا هذه القروش القليلة بانقلاب ضده»، إذ كان هذا هو الغرض من طلب فرض الحراسة. وتركت هذه التوابع تأخذ طريقها وبدأت حياتى الجديدة... فرجعت إلى أرضى أزرعها وإلى قلمى وأوراقى وكتبي... صدر لى أكثر من عشرين كتابا: «كيف يفكر زعماء الصهيونية»، «كنت سفيرا في العراق»، «الأمن القومى العربى في مواجهة الأمن القومى الإسرائيلي»، «الصراع العربى الإسرائيلي بين الرادع التقليدى والرادع النووى»، «الأمن القومى العربى المستباح»، «حروب عبد الناصر»، «مع عبد الناصر»، «أحاديث في الاستراتيجية»، «العسكرة والأمن وتأثيرهما على الديمقراطية والتنمية في الشرق الأوسط»، «الفرص الضائعة»، «صناعة الأسلحة في إسرائيل»، «زلزال عاصفة الصحراء وتوابعه»، «البيروسترويكا وحرب الخليج الأولى»، «كيسنجر وإدارة الصراع الدولى»، «في السياسة والأمن»، «لمن تدق الأجراس»، «نحن وأمريكا وإسرائيل»، «أحاديث في الأمن العربى»، «الحرب والسلام في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي»... وغيرها... أكتب بصفة منتظمة في «الأهالى»، وأعمل كاتبا في «الأهرام»... لى مئات من المقالات في الصحافة المصرية والعربية. كنت في المعاش من عام 1970 وعمرى 49 عاما أمضيت أغلبها في الكفاح، ولكنى لم أقبل الأمر الواقع وقلت لعائلتى السيدة حرمي وأولادي وأحفادي «لا أحد يوقع لأمين هويدي قرارا بإحالته إلى المعاش، فأنا الذي سوف يوقع القرار... ومازال الوقت مبكرا حتى أفعل ذلك»... مصر الجديدة في أول أكتوبر 2002 أمين هويدى