الخميس 15 شوال 1423 هـ الموافق 19 ديسمبر 2002 اضاف حزب الأمة السوداني، بزعامة رئيس الوزراء السابق انجازاً جديداً في رصيد سجله للمبادرات القومية من جهة، وجهوده في اثراء الادب السياسي السوداني من جهة اخرى، بطرحه وثيقة «مبادرة الامة للتعاهد الوطني» التي تؤسس لاتفاق لكافة القوى السياسية السودانية بشأن كافة القضايا المتعلقة بالحكم والسلام والديمقراطية والحريات والاقتصاد. وتغطي الوثيقة حسب فقرة وردت في ديباجتها ـ الجوانب التي اغفلتها بصورة او اخرى محادثات السلام الجارية بين الحكومة (والحركة الشعبية لتحرير السودان)، وتنحو الوثيقة في معظم فقراتها الى نهج تصالحي يتجاوز إحن الماضي بين القوى السياسية مع الحرص على تطمين الحزب الحاكم وتشجيع التسامح وتجنب العزل السياسي. وتقترب الوثيقة من طرح حركة قرنق بشأن العاصمة بالدعوة الى الاتفاق على الخرطوم بحدود ادارية معلومة لتمثل العاصمة الادارية القومية على ان تخضع للقوانين المستمدة من الدستور الاتحادي على ان يتم اختيار رئاسة اخرى لولاية الخرطوم الحالية. وتدعو المبادرة الى العودة الى النظام القديم في الهيكل الاداري فتقترح تقسيم البلاد الى 9 ولايات و 19 محافظة بدلاً من 26 ولاية و 121 محافظة حالياً، على ان يتم اختيار الولاة عبر انتخابات حرة ونزيهة. واقترحت الوثيقة تصوراً للفترة الانتقالية بحيث يسمح للرئيس الحالي عمر البشير البقاء على السلطة الى حين اكتمال اجل ولايته الحالية على ان يقوم الاخير خلالها بتكوين حكومة وحدة وطنية تشارك فيها الانقاذ وحركة قرنق والقوى الممثلة في اخر برلمان ديمقراطي (حسب ثقلها) الى جانب القوى التي افرزتها المقاومة المدنية والمسلحة للانقاذ و احزاب التوالي وشخصيات وطنية متفق عليها. وتنادي الوثيقة بالتماس اساس انتخابي جديد يقوم على التمثيل النسبي عبر قوائم الاحزاب التي يجب وضع قانون ينظم عملها من اجل اصلاحها. ونظراً لاهمية الوثيقة ولدواعي ضرورة توثيقها تعرض «البيان» نصها على حلقات وهنا الحلقة الأولى: ديباجة: السودان منذ اقدم العصور ملتقى ثقافات، واديان، واثنيات عديدة. وعندما دخله الاسلام والعروبة دخلاه سلمياً وجاورا ثقافته، واثنياته المحلية فقامت فيه خريطة سكانية واضحة التنوع. الحكم الثنائي اسما البريطاني فعلاً ادخل الحداثة في السودان وادخل هوية مسيحية انجلوفونية جديدة في بعض مناطق السودان خاصة الجنوب. الحكومات الوطنية التي تعاقبت على السلطة بعد الاستقلال جعلت التخلص من الهوية المستحدثة جزءاً من برنامج التحرر الوطني بأسلوب ناعم في العهود الديمقراطية وخشن في عهود الديكتاتورية. هذا التوجه بلغ درجة عالية في اواخر عهد النظام المايوي. كانت المعارضة السياسية للنظام المايوي معارضة لتوجهاته الايديولوجية ولذلك حدثت في عهد النظام الديمقراطية الذي اعقب نظام مايو اكبر محاولة لحل سلمي متفاوض عليه عبر مؤتمر قومي دستوري حدد له 18/9/1989 موعداً. حركة 30 يونيو 1989 وضعت حداً لهذا المشروع واستأنفت فرض اجندة ايديولوجية اسلامية عربية شبيهة بما كان عليه الحال في العهد المايوي ولكنها اكثر جدية ومنهجية فأحدثت استقطاباً قياسياً حاداً في البلاد. ايديولوجية نظام الانقاذ استقطبت ضدها القوى السياسية التي كانت تحكم السودان في عهد الديمقراطية والقوى التي كانت تحمل السلام. وفي مناخ هذه المعارضة المشتركة واصلت القوتان حوار السلام اللذان كانتا طرفين فيه. حوارات بلغت قيمتها في مؤتمر القضايا المصيرية في اسمرة في يونيو 1995 وانتهت لمشروع حل سياسي شامل يقوم على الاعتراف بالتنوع الديني والثقافي والاثني في البلاد، وعلى المواطنة اساساً للحقوق الدستورية، وعلى الوحدة الطوعية، وعلى النظام الديمقراطي اللامركزي المتوازن اساساً للحكم. بعد عشر سنوات من مواصلة اجندته الايديولوجية تبنى نظام الانقاذ هذه التوجهات ووقع مبادئ الايغاد الستة، وابرم اتفاقيات السلام من الداخل. لكن فجوة الثقة التي باعدت بين كثير من اطراف النزاع حالت دون التوصل لحل سياسي سوداني متفاوض عليه مما استدعى الحاجة لطرف ثالث وسيط. مهمة حاولتها مبادرة الايغاد، ثم المشتركة، ثم الايغاد برافع دولي. الاسس الوفاقية التي اثمرتها الاجتهادات والحوارات السودانية ومجهودات توسط الايغاد برافع دولي هما اساس نجاح مباحثات ماشاكوس الاخيرة. هذه المحادثات اتفقت على نقاط مجملة دون تفصيل، واختلفت حول نقاط، ولم تطرق نقاطاً اخرى مطلوبة لاتفاق سياسي شامل. والنقاط المتفق عليها دون تفصيل، والمختلف حولها، والتي لم تبحث بعد تبلغ بضعاً وثلاثين نقطة يرجى بحثها والاتفاق عليها اساساً لحل سياسي شامل بوساطة الطرف الثالث. نقدم هذه الوثيقة التي محصناها دراسة لكافة القوى السياسية، والنقابية ومنظمات المجتمع المدني، للتداول بهدف اتفاق على رؤية شاملة مشتركة تكون قطب الرحى الوطني، واساس التعاهد الشعبي، وبيان التطلعات الوطنية المشروعة، وخريطة للحل السياسي الشامل بشقيه السلام العادل والتحول الديمقراطي المستدام. تعاهد وطني يسجل حضوره الفاعل في كافة حلقات التفاوض، ولدى الوسطاء، ويفعل التعبئة الفكرية، والسياسية والشعبية، والدبلوماسية، والاعلامية من اجل الخلاص الوطني». ملخص: خاض السودان تجربة استقطاب دموي حاد وهو عتبة السلام العادل والتحول الديمقراطي بابه هذا التعاهد: 1- التوفيق بين الوحدة الوطنية والحقوق الدينية. 2- التوزيع العادل لعائدات الثروة وتحقيق التوازن التنموي والعدالة الاجتماعية. 3- حكم لا مركزي ديمقراطي متوازن على كل المستويات. 4- ازالة المظالم التنموية والادارية والثقافية وتمكين اهل تلك المناطق من تحديد مستقبلهم عبر ممثلهم المنتخبين. 5- صيانة حقوق الانسان. 6- فترة انتقالية تقوم على التراخي في ثلثها الاول والانتخابات الحرة النزيهة فيما بعد. 7- انتخابات حرة نزيهة عادلة. 8- دستور مدني ديمقراطي لامركزي يعبر عن الشعب السوداني كله يجيزه برلمان منتخب. 9- القوات المسلحة. 10- جهاز امن قوي يعني بتأمين الوطن والمواطن والدولة القومية. 11- الاعتراف بالمظالم والاعتذار عنها لتنقية الحياة السياسية واعمال مبدأ المحاسبة والمساءلة مع تشجيع قيم التصالح والتعافي. 12- نقل الاتفاق الحالي من اتفاق ثنائى الى قومي والالتزام به والدفاع عنه. 13- ضمان تمثيل الحركة الشعبية تمثيلاً مناسباً في اجهزة الحكم وتجنب الاقصاء. 14- تطمين المؤتمر الوطني وتشجيع التسامح وتجنب العزل السياسي. 15- التحول من دولة الحزب الى دولة الوطن. 16- مؤسسات قومية مستقلة تضمن تنفيذ الاتفاق. 17- مشاركة اقليمية متوازنة لتحقيق السلام. 18- مشاركة دولة فاعلة لتحقيق السلام والتنمية والتحول الديمقراطي. 19- ازالة اثار الحرب المادية والمعنوية واعادة توطين اللاجئين والنازحين وتأهيلهم وتوفير سبل كسب العيش الكريم لهم. 20- ازالة الاختلالات التنموية والادارية في المناطق الاقل نمواً وتحقيق العدالة الاجتماعية. 21- اصلاح الاحزاب بما يكفل ديمقراطيتها وقوميتها. 22- التوفيق بين مكتسبات الحركة النقابية الديمقراطية والمصالح الوطنية وعدم تسييس النقابات وضبط النشاط النقابي. 23- التوفيق بين حرية الصحافة والمسئولية الوطنية. 24 علاقات خارجية تراعي انتماءات البلاد الجغرافية والحضارية. 25- الاهتمام بالسودانيين بالمهجر وربطهم بالوطن الام. 26- احترام الاديان المختلفة والدعوة للتعايش والتفاعل الايجابي بينها. 27- احترام التنوع الثقافي والتعبير عنه والدعوة للتعايش والتلاقح بين الثقافات. 28- رفع كافة اشكال التمييز السياسي والقانوني والاقتصادي والاجتماعي ضد المرأة. 29- اعتماد آلية السوق الحر وحماية الشرائح الاجتماعية الضعيفة لتحقيق التنمية المستدامة. 30- اجراء احصاء سكاني بمساعدة دولية. 31- الغاء الديون الخارجية على البلاد. الشريعة والوحدة الوطنية: 1- دستور السودان دستور مدني ديمقراطي لا مركزي. 2- المواطنة هي اساس الحقوق والواجبات الدستورية. 3- الاعتقاد الديني ضرورة انسانية. ضرورة للطمأنينة النفسية، وللرقابة الذاتية، ولتحصين الاخلاق، وللتماسك الاجتماعي، ولاقامة هوية جماعية تؤنس وحشة الافراد.. الايمان حق انساني اختياري لا يجوز اجبار الانسان عليه ولا حرمانه منه لأنه غذاء الضمير فلا يشبع الا اذا كان اختيارياً. 4- بالنسبة للتشريع: أ- القوانين المراد ان يكون تطبيقها عاماً على البلاد يجب ان تكون مصادرها عام. ب- القوانين المراد ان يكون تطبيقها خاصاً بمجموعة معينة يمكن ان تكون مصادرها خاصة بتلك المجموعة. ـ عاصمة البلاد هي الخرطوم بحدود ادارية معلومة يتفق عليها وتمثل العاصمة الادارية القومية وتخضع للقوانين المستمدة من الدستور الاتحادي. ـ ولاية الخرطوم الحالية يختار لها رئاسة ولاية اخرى. ـ تسري احكام التشريع (أ و ب) اعلاه على الولاية ولا تسري على الخرطوم العاصمة القومية الادارية. 2- الثورة: تتكون الثروات الكامنة في باطن الارض المكتشفة من الآتي: البترول والحديد والذهب والنحاس والغاز والكروم والمانغنيز والمياه الجوفية والسطحية. وتلك التي في ظاهر الارض والمستغلة في المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية والسمكية والحيوانات البرية وحياة الانهار والغابات والضرائب والجمارك والموارد البشرية. ويمكن ان نعرف الثروة القومية بأنها مجموعة القيم التي يمكن تحويلها الى مال زائداً مجموعة المصارف. ان اقاليم السودان المختلفة تتفاوت في مقدرتها المتمثلة في وجود الكادر البشري الكفء المدرب والقادر على التخطيط وادارة المشروعات التنموية واحداث التطور المشهود في الاقليم المعني. وان ما يحدث الان هو تفتيت لهذه المقدرات على قلتها وتبديد للموارد. ان الوضع الامثل ان تجمع كل الموارد والقدرات التخطيطية في موقع واحد يخطط لعمل انموذج لمشروعات تعمل على تحقيق تنمية متوازنة في كل السودان. بحيث تأخذ المناطق الاقل نمواً اكبر حظ من هذه المشروعات. ولتحقيق العدالة بين الاقاليم المختلفة لابد من وجود معيار واقعي يبنى عليه توزيع عائد الثروات وللوصول لهذا المعيار يمكننا الاستناد على عدد من المؤشرات مثلاً من هذه المؤشرات: 1- حجم الموارد في الاقليم او المنطقة. 2- تعداد السكان. 3- مستوى الخدمات المقدمة الآن للمنطقة (مستوى الرفاهية الذي يتمتع به مجتمع المنطقة مقارناً بمجتمعات المناطق الاخرى) والذي يقاس بمستوى التعليم وخدمات المياه الصحية والصحة الخ. جهاز التخطيط: بالضرورة وجود اجهزة فاعلة ذات كفاءة عالية جداً للقيام بهذا الامر وتتمثل في جهاز تخطيط اعلى يناط به: تصنيف الولايات حسب نموها بدءاً بالاقل نمواً الى الاعلى. تحديد احتياجات كل اقليم من مشروعات التنمية. اعداد هذه المشروعات من الناحية الفنية والاشراف على تنفيذها حسب الدراسات التي اعدها. تدريب واعداد الكوادر البشرية لتنفيذ وادارة هذه المشروعات. اعداد خارطة استثمارية للسودان. صندوق يسمى صندوق حصيلة الموارد الطبيعية: اعترافاً بحق المناطق الاقل نمواً في التنمية والخدمات ورفعاً لمستوياتها التنموية حتى تلحق بباقي المناطق ينشأ صندوق حصيلة الموارد الطبيعية. تجمع حصيلة كل الموارد الطبيعية في هذا الصندوق والذي يرجى ان يدار بشفافية تامة ودرجة افصاح عالية على ان توزع حصيلة هذا الصندوق كالآتي: 15% تخصص لخزينة المنطقة المنتجة للمورد الطبيعي. 10% تستغل لصالح تنمية وتطوير المجتمعات القاطنة في المنطقة المنتجة للمورد الطبيعي ومعالجة الآثار الضارة على البيئة والمجتمع والتي ينتج عنها تهجيرهم وقفل الطرق ومجاري المياه وتخريب مراعيهم ومزارعهم. 10% لصندوق تنمية الجنوب. 20% لصندوق الاعمار القومي، هذا الصندوق يعمل بالتضامن مع مجلس التخطيط الاعلى ويمول المشروعات حسب تصنيف مجلس التخطيط بحيث تأخذ الاقاليم الاقل نمواً اكبر قدر من التمويل. 10% لصندوق تركيز اسعار الموارد الطبيعية. الجنوب سوف يأخذ نصيبه ضمن تصنيف مجلس التخطيط. باقي حصيلة صندوق حصيلة الموارد الطبيعية يذهب للخزانة العامة والتي سوف يكون لكل اقاليم السودان حظ فيها حسبما يتم توزيعه بواسطة الحكومة الاتحادية. بالضرورة ان تكون هناك ضمانات كافية بالا تهب المبالغ المرصودة حسب النسب لتمويل مشروعات استهلاكية عامة. 3- اللامركزية: لقد اثبت الحكم الاتحادي جدواه في كثير من البلدان متقدمة ونامية التي تعيش ظروفاً مشابهة لظروف السودان وقد تواضعت القوى السياسية في السودان على قبوله بالنظر للمعالجة النظرية التي وفرها لاحتواء التباينات المختلفة والمساعدة في تقليص الفوارق التنموية بين الاقاليم وكأنسب تدبير سياسي واداري يمكن من تلبية طموحات المواطنين والاقاليم ويؤدي الى تقصير الظل السياسي والاداري. بيد انه قد شاب تطبيق النظام الاتحادي في السودان الكثير من المثالب التي املتها طبيعة نظام الانقاذ التي تستبطن الاستبداد وتدمن تركيز السلطات والموارد مما يتضارب مباشرة مع طبيعة الحكم الاتحادي الديمقراطية ومع الاستقلالية. لقد تم تصغير سلطات الحكم الاتحادي الى مجرد سلطات تفويضية يمكن للمركز سحبها والالتفاف حولها بدعاوى شتى وقد تمثل ذلك في التعديلات الدستورية التي اعلنت سلطة رئيس الجمهورية على سلطة الولايات ليتم تعيين الولاة بواسطة رئيس الجمهورية بدلاً من انتخابهم ومحاسبتهم بواسطة شعب الولاية واجهزتها. وفي المستوى المحلي اخضعت المجالس المحلية للقرار الولائي فتحكمت الولاية في تشريعات وسلطات وموارد الحكم المحلي وجاء المحافظون بسلطات سياسية وامنية ابتدعوها فاجهزوا على الحكم المحلي تماماً فأصبحت اجهزته هياكل خاوية بعد ان كان يؤمل ان تكون القاعدة السياسية والادارية للحكم. لقد احتفظ المركز في علاقته بالولايات (والولايات في علاقتها بالمحليات) بكافة الموارد المالية والمادية والبشرية التي يحتاجونها ابتلوا المحليات بمسئوليات ومهام لم يخولوا ما يتكافأ معها من موارد مما اقعد بها واعجزها بصورة مستمرة. ومن ناحية اخرى عمد النظام ولاعتبارات سياسية امنية بحتة الى اعادة تقسيم البلاد في 2000م الى كم هائل من الولايات (26) ولاية والمحافظات (121) محافظة والمحليات (674) ـ قلصت الى (531) لاحقاً ـ بعد ان كانت 9 ولايات و 19 محافظة و 240 محلية فقط في 19990م الامر الذي ارتفع بتكلفة ادارتها من مبلغ 240 مليون دينار في عام 19990م الى 43.5 مليار دينار في عام 2000م بنسبة زيادة 18125% (وهذه الارقام لا تشمل الولايات الجنوبية والعاصمة القومية) لقد ادى ذلك الى ادخال الولايات والمحليات في عجز مالي متصل عجزت معه 60% من المحليات عن مقابلة الفصل الاول (اجور ومرتبات) ناهيك عن التفكير في تأسيس وتسيير خدمات ضرورية او ارتياد اي مجال تنموي لذا لجأت الولايات والمحليات الى اعتصار المواطن المغلوب على امره بفرض الضرائب والرسوم والاتاوات التي ارهقت كاهله وازهدته في الحكم الاتحادي والمحلي. لقد تحولت الولايات والمحليات تحت ظل الانقاذ الى مستوى اخر الى جانب المركز تمارس فيه سطوة الشمالية والتمكين مما اضطر المواطن الى النأي بنفسه عن مجالس واجهزة الولايات والمحليات والى مقاطعتها والامتناع او التهرب او التحايل على دفع اي التزامات مالية يعلم تماماً الى اين تذهب. ولهذا فإن اعادة البناء الدستوري والقانوني والاداري للحكم الاتحادي ليواكب التطورات السياسية التي حدثت والتي قد تحدث ولمراعاة الظروف الاقتصادية لبلاد يعتبر 94.6% من مواطنيها تحت حد الفقر، وقد خاضت وقد تخوض حرباً جد مكلفة وان جاء السلام فلن تقل اعادة البناء تكلفة، امر لازم كي ما يتم تحقيق الآتي: 1- تعزيز مبدأ الديمقراطية والتعددية في اختيار الموالاة وانتخابات المجالس وتحقيق الرقابة خاصة وقد ثبت ان الديمقراطية شرط لازم لنجاح واستدامة اي نظام اتحادي. 2- ضمان عدالة توزيع الثروة والموارد وتكافؤ الموارد والسلطات مع المهام والصلاحيات حتى لا تضطر الولايات للخضوع للمركز ولا المحليات للخضوع للولاية كما هو حادث الآن وهنا لابد من اتباع مبدأ التمييز القصدي في المجال التنموي والخدمي لازالة الغبن والمرارات وتحقيق التوزان وتعزيز التكافل بين الولايات. 3- ازالة التضارب والتداخل في التشريعات والصلاحيات والسلطات. 4- توفير اقصى درجات الاستقلالية واللامركزية التي تلبي طموحات المواطنين والاقاليم وتقلل من مجالات الاحتكاك والتظلم من المركز فتحتوي بذلك اي نزعات انفصالية. 5- تقديم الضمانات السياسية والدستورية باقامة مجلس للولايات يؤمن مشاركة الولايات في صياغة الارادة الوطنية ويؤمن مصالحها ويحميها من تغولات المركز. 6- مراجعة الكم الهائل من الهياكل والاجهزة والمناصب التي استحدثت ليتم اعادة ترسيم حدودها وتقليصها بما يتوافق وامكانيات البلاد الاقتصادية والاجتماعية والبشرية ومع درجة التقدم للمناطق والمواطنين. وفي هذا الصدد: أ- تبقى الصلاحيات الآتية صلاحيات مركزية وهي: العملة ـ العلم ـ التخطيط القومي ـ الدفاع ـ المصالح العابرة للولايات. ب- يكون التقسيم الاداري للبلاد كما يلي: عدد الولايات 9 ولايات وعدد المحافظات 19. الحكم المحلي: لابد من تدعيم الحكم المحلي ليكون بحق القاعدة الاساسية دستورياً وادارياً للحكم وذلك: بتوطيد وضعية اكثر خصوصية واستقلالية له في المجالات الدستورية والقانونية والادارية. تأسيسه على قاعدة شعبية تنتخبه ديمقراطياً مع ضمان كفاءتها وتأهيلها. منحه موارد حقيقية تتكافأ مع ما يناط به من مهام ومسئوليات وينبغي ان تكون على قدر موارده الاقتصادية والبشرية. تحدد علاقته بالادارة الاهلية بموجب قانون لتكون تحت اشرافه ومساعدة له. الادارة الاهلية: الادارة الاهلية نظام ترسخ تاريخياً واجتماعياً في الكثير من المناطق فلابد من الاعتراف به وبدوره التاريخي وبضرورته المرحلية في بعض المناطق ولابد من تقنين وجوده بتحديد صلاحياته وتوضيح علاقاته ومن دعمه معنوياً ومادياً ليسهم بفعالية في تحقيق السلام الاجتماعي وفي النواحي الادارية والامنية. لحين اجراء انتخابات حرة ونزيهة لاختيار الولاة يتم اختيار الولاة والوزراء والمحافظين بالتراضي او من عناصر مستقلة ومؤهلة على ان يرجأ تكوين المجالس الولائية والمحلية لفترة يتفق عليها على ان يعاد تكوينها حالياً بالتراضي وحسب المعادلة التي يتم التوصل اليها ضمن تدابير الفترة الانتقالية. وفي النهاية ينبغي ان تبني استراتيجية الحكم وتعمل على صهر الكيانات السودانية المختلفة والمتباينة في قومية وكيان واحد وذلك بخلق رابطة سياسية واجتماعية متينة عن طريق تنظيم العلاقات الانسانية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وعن طريق تعزيز وسائل واساليب التواصل المادي والمعنوي بما في ذلك الحرص على البناء القومي الجامع للكيانات السياسية والاجتماعية والثقافية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني كافة. وبالحرص على قومية جهاز الخدمة العامة (مدنية وعسكرية) ليصار بالحكم الاتحادي الى وسيلة فعالة لبناء وتعزيز الوحدة الوطنية وتمتين النسيج الاجتماعي واحتواء ومحاصرة اية نزعات سالبة قد تهدد الوحدة الوطنية والامن القومي. سيستدعى كل ذلك قيام مؤتمر جامع لتقويم تجربة الحكم الاتحادي والبناء على ايجابياته وتجاوز سلبياته. لقد كان المؤتمر الاخير لتقويم تجربة الحكم الاتحادي قاصراً من وجوه عديدة وكان بمثابة رجع صدى لافكار وسياسات النظام. المناطق المختلف عليها في التفاوض: المناطق المختلف عليها في التفاوض: منطقة جبال النوبة وابيي وجنوب النيل الازرق مناطق تتبع جغرافيا الشمال وفق حدود 1956 ولكنها مرت بظروف استثنائية تستوجب معاملة استثنائية. يجب ان يكون تعريف هذه المناطق جغرافياً وليس اثنياً. يجب ان تتم اصلاحات تنموية وخدمية وادارية لازالة المظالم. بالنسبة لمستقبل هذه المناطق يتم ارجاء اي قرار لحين وصول قيادات منتخبة من هذه المناطق تحدد ما يريده اهل هذه المناطق. 5- حقوق الانسان: وثيقة حقوق الانسان السوداني: تأكيداً على التزام القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني السودانية بأهمية الحقوق الاساسية للانسان بوصفها احد ركائز النظام الديمقراطي القائم على حكم القانون وبوصفها احدى آليات استدامة الديمقراطية، تلتزم القوى السياسية. اولاً: جميع المواثيق الدولية الصادرة من منظمات الامم المتحدة المتعلقة بحقوق الانسان عامة وحقوق الفئات الخاصة مثل المرأة، الطفل، كبار السن، وكذلك المواثيق الصادرة من المنظمات القارية والاقليمية. ثانياً: تفعيل المواثيق والاتفاقيات الموقع والمصادق عليها من قبل حكومة السودان، والالتزام بالتوقيع والمصادقة على اية وثيقة اخرى لم ينضم اليها السودان بعد النظر فيها بواسطة الهيئة التشريعية المنتخبة. ثالثاً: ان التزامنا بمواثيق حقوق الانسان لا يتعارض مع التزامنا بالاديان السماوية وكريم المعتقدات وقيم المجتمع السوداني. رابعاً: الاقرار الصريح بأن جميع وثائق حقوق الانسان وحقوق الفئات الخاصة الدولية هي جزء من دستور البلاد ولها نفس القوة والالتزام القانوني والتأكد من عدم تعارض اي نص دستوري او نص في قانون وطني مع هذه الوثائق (المواثيق والاتفاقات). خامساً: منعاً لأي التباس وتأكيداً لما سبق فإننا نلتزم بما يلي: حقوق الانسان المدنية والسياسية المتعارف عليها دولياً. الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية وفقاً للمواثيق والاتفاقيات الدولية. حقوق الطفل وفق ما هو منصوص عليه في الاتفاقات الدولية. حقوق المرأة وفقاً للمواثيق والاتفاقات الدولية المنظمة لذلك. حقوق كبار السن واصحاب الاحتياجات الخاصة وأي فئات اخرى تمنح رعاية خاصة. سادساً: انفاذاً لما سبق اعلاه فإننا نلتزم بايجاد وتفعيل الآليات التالية كوسائل لاشاعة وتعزيز ثقافة حقوق الانسان وتكريس الوعي العام بهذه الحقوق والتأكيد من سلامة تطبيق الاجراءات الكفيلة بضمان وصاية هذه الحقوق والآليات هي: وضع مناهج دراسة ومقررات تدرس في جميع المراحل التعليمية واعتبارها من المواد الاساسية حتى ينمو النشء وهم على علم ودراية بحقوق الانسان. رفع مستوى وعي المواطن بحقوقه الاساسية من خلال التوعية المستمرة عبر اجهزة الاعلام المرئي والمسموع والمقروء ووسائل الاعلام المختلفة. تضمين ثقافة حقوق الانسان لتصبح احد اساسيات التأهيل المهني للمشتغلين في اجهزة تطبيق القانون المختلفة والاداريين. العمل على تكوين رأي عام فاعل ومتنام بأهمية حقوق الانسان وتبصير المواطن بامكانية الضغط على المشرعين بعدم تمرير اية تشريعات تنال او تنقص من حقوق الانسان، والمراقبة الفاعلة للجهاز التنفيذي والتأكد من عدم قيامه بأية ممارسة تنتهك حقوق الانسان. تكوين هيئة قومية مستقلة لحقوق الانسان لحماية ومراقبة والدفاع عن حقوق الانسان في السودان. سابعاً: ان يضمن هذا الميثاق في اتفاقية السلام. ثامناً: ان الموقعين ادناه يعتبرون ما جاء في هذه الوثيقة هو الحد الادنى المقبول للحقوق الاساسية المتعلقة بحقوق الانسان وتلتزم بتطبيق هذه المعايير داخلها وانفاذها في حال توليها السلطة التنفيذية او في حال مشاركتها في المؤسسات التشريعية ومن خلال عضويتها. الهيئة القومية لحقوق الانسان الاختصاصات والمسئوليات: تعزيز حقوق الانسان وحمايتها تكون لها ولاية قدر الامكان ومنصوص عليها صراحة في الدستور او التشريع يحدد تشكيلها ونطاق اختصاصها. تقديم فتاوى وتوصيات ومقترحات وتقارير، على اساس استشاري الى الحكومة او البرلمان او اي جهاز اخر مختص، سواء بناء على طلب السلطات المعنية او باستخدام حقها في الاستماع الى اي مسألة دون احالة من جهة اعلى. كما يجوز للهيئة القومية ان تقرر نشر هذه الفتاوى والتوصيات والتقارير والمقترحات على الكافة. مجالات العمل: مراجعة التشريعات الوطنية القائمة ومدى مطابقتها للشرعية الدولية لحقوق الانسان، وبصفة خاصة المواثيق والاعلانات الدولية التي انضمت اليها حكومة السودان والعمل على تنفيذها بطريقة فعالة. تشجيع الحكومة على التصديق على الصكوك الدولية التي لم تنضم اليها بعد على سبيل المثال لا الحصر: سيداو، العمال المهاجرين وافراد اسرهم الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب. اعداد تقارير دورية عن اوضاع حقوق الانسان بوجه عام بالبلاد وكذلك عن مسائل اكثر تحديداً. المساهمة في اعداد التقارير الدورية التي ينبغي للدولة ان تقدمها الى هيئات ولجان الامم المتحدة وكذلك الى المنظمات الاقليمية تنفيذاً لالتزاماتها التعاهدية، وعند الاقتضاء ابداء الرأي في هذا الشأن مع احترام استقلالها. استدعاء نظر الحكومة السودانية الى حالات انتهاك حقوق الانسان في اي جزء من البلد وتقديم مقترحات اليها تتعلق بمبادرات رامية الى وضع حد لهذه الحالات، وعند الاقتضاء ابداء الرأي بشأن موقف الحكومة وردود فعلها. التعاون مع الامم المتحدة وجميع المؤسسات الاخرى في منظومة الامم المتحدة والمنظمات الاقليمية والهيئات الاقليمية المشابهة المختصة بمجالات تعزيز حقوق الانسان وحمايتها. تثقيف الرأي العام السوداني وتعزيز الوعي بحقوق الانسان واحترامها والمساهمة في اعداد البرامج المتعلقة بالتعليم والبحوث المتصلة بحقوق الانسان والمشاركة في تنفيذها في المدارس والجامعات. مصدر يوفر المعلومات عن حقوق الانسان بالبلاد. تلقي وبحث الشكاوى المتعلقة بحالات فردية. التشكيل: تشكيل هيئة قومية الاهداف حيادية التكوين تحكيمية تتراضى على تكوينها كافة الاطراف المعنية وان تنشأ بقانون وان تمول من الميزانية العامة اسوة بالهيئات المستقلة. الخرطوم ـ «البيان»: