السبت 10 شوال 1423 هـ الموافق 14 ديسمبر 2002 امين هويدي واحد من شهود العيان على اهم الاحداث التي شهدتها مصر والمنطقة العربية في اخطر فتراتها التاريخية. شغل هويدي منصب رئيس جهاز المخابرات العامة ووزير الدفاع، ووزير الارشاد القومي وقبلها سفيراً لدى بغداد والرباط وأحد الضباط الصغار في حركة الضباط الاحرار، الحلقات التالية مقتطفات من كتاب يصدره قريباً مركز الاهرام للترجمة والنشر بعنوان «50 عاماً من العواصف.. ما رأيته قلته». ينشر بترتيب مع وكالة الاهرام للصحافة. وبعد اختياره العودة من الرباط إلى القاهرة انتقل هويدي إلى بغداد سفيراً هناك وكان لمصر دور كبير فيما يجري أثناء حكم عبدالسلام عارف الذي طلب إرسال قوات مصرية إلى بغداد. وكان تم جدل حول وجود هذه القوات ودورها الذي ينبغي أن تقوم به. في هذه الحلقة يتحدث هويدي عن تجربته في العاصمة العراقية. بعد أزمة مايو 1965 انتابنى القلق، فقد تجبرنا الظروف الضاغطة والتى أصبحت تتغير بسرعة كبيرة كل يوم على عدم الالتزام بهذه السياسة الحيادية. ولذلك اجتمعت يوم 18يوليو 1965 فى مكتبى بالسفارة مع كل من العقيد علي فهمى الشريف الملحق العسكرى العربى ببغداد والعقيد إبراهيم العرابى قائد القوة العربية لنتبادل الرأى فى الموقف، ووجدتهما يشاركاننى القلق الذى أشعر به. وانتهينا فى هذا الاجتماع إلى تقديم اقتراح للقاهرة بسحب هذه القوة، وفعلا وفى نفس اليوم أرسلت مذكرة إلى الرئيس كان أهم ما ورد فيها النقاط التالية. 1ـ بعد شق الصف القومى الذى كان يتولى السلطة فى العراق بعد الأحداث الأخيرة زاد احتمال قيام الأطراف المختلفة بالتخلص من بعضها البعض ـ كل يسعى إلى السلطة التى يسيطر عليها حاليا الرئيس عارف. 2ـ هناك ثلاثة احتمالات يمكن أن تحدث فى المستقبل القريب: قيام الرئيس عارف باستغلال النجاح الذى حصل عليه حاليا بالتخلص من جماعة صبحى عبد الحميد سواء الموجودة بالجيش أو خارجه نهائيا، ومن ثم يركز على التخلص من عارف عبد الرزاق (كان قد تولى رئاسة الوزارة). أو قيام عارف عبد الرزاق بمواصلة سعيه للتخلص من الرئيس عبد السلام عارف بغض النظر عن نجاحه أو فشله فى مسعاه تساعده بعض الفئات الأخرى. أو قيام فئة رجعية أو بعثية باستغلال الموقف لصالحها. 3ـ سوف يكون من الصعب تلافى تدخل قواتنا سواء فى حالة أخذ الرئيس عارف جانب المبادأة أو العكس، إذ أنه فى هذه الحالة سيكون من الصعب تجنب الاحتمالات الآتية: ـ اشتباك قواتنا مع أى قوات عراقية. ـ اشتباك قواتنا مع أى تجمعات شعبية، رغما عن التعليمات الحالية التى تقضى بتجنب ذلك، إذ يحدث عادة فى مثل هذه الأحوال محاولة الفئات المختلفة السيطرة على الشارع مع المحاولات المختلفة للقوى المندسة التى تحدث وقتئذ. وبدون شك فإن النتائج المترتبة على ذلك لن تكون فى صالحنا سواء نجحت قواتنا فى السيطرة على الموقف أو العكس، إذ ستستغلها كافة الفئات المعادية ـ وما أكثرها ـ أسوأ استغلال، بل ستفقدنا تأييد الكثيرين من العناصر القومية التى أصبحت تجاهر بنقدها للرئيس عارف وإعلان سخطها عليه. هذا علاوة على أن صعوبة السيطرة على قواتنا فى هذه الحالة ـ لاحتمال انتشارها فى أماكن متعددة ـ قد ينجم عنها تصرفات فردية تؤدى إلى نتائج وخيمة. 4ـ إذا أخذنا بحل بديل لذلك وهو الاستمرار فى سياستنا المتفق عليها بعدم تدخل قواتنا بأى حال من الأحوال عند أى تصادم بين الفئات المختلفة، ووقوفنا موقفا سلبيا، فإن هذا الحل سيعرض قواتنا للنقد ويجعلنا فى موقف يصعب تبريره أمام الرأى العام العربى أو أمام الرئيس عارف نفسه، ومن ثم ينتفى أى مبرر لوجود قواتنا فى العراق. ويجب أن نضع فى اعتبارنا صعوبة اتباع هذا الحل لو ووفق عليه، إذ يحتمل أن: يطلب الرئيس عارف احتلال قواتنا لمواقع داخل المدينة بمجرد إحساسه بتحرك مضاد أو كنوع من الاختبار لقواتنا ـ دون وجود دافع حقيقى لمثل هذا التحرك ـ لمعرفة اتجاهها الحقيقى، إذ يختمر الشك فى نفسه حتى الآن إزاء تصرف قواتنا المحتمل. أو قد يذهب بنفسه إلى المعسكر التاجى حيث تعسكر قواتنا ليقودها بنفسه للسيطرة على الموقف. وإذا حدث ذلك فسوف نعود إلى الحالة الأولى التى سبق ذكرها. 5ـ ولذلك فإننا نقترح التفكير من الآن فى سحب قواتنا الموجودة حاليا بالعراق على أن يتم ذلك فى الأسابيع القليلة المقبلة. ولهذا الحل عيب واضح، إذ سوف يؤكد للرئيس عارف ما سبق أن سمعه من إشاعات عن تأييدنا لجانب صبحى عبد الحميد بسحبنا القوة العربية بمجرد خروجه من السلطة، وقد يدفعه هذا التصرف إلى اتجاه مضاد لنا فى سياسته. ولو أنه يمكن للرئيس عارف أن يتبع اتجاها مضادا لو أراد بخلق أى أسباب يراها. إلا أنه رغما عن هذه العيوب فإن قرار سحب قواتنا يجنبنا ظروفا لا يمكن التكهن بنتائجها لو أبقينا على قواتنا وسط الظروف التى سبق شرحها. 6ـ ولو ووفق على هذا الاقتراح نقترح الآتى: حتى يتم التنفيذ نستمر على سياستنا بعدم التدخل فى أى أحداث مفاجئة. يمكن تبرير سحب القوات بحاجتنا لها فى اليمن أو سيناء. أثناء سحب القوة العربية يمكنها تجهيز بعض الأطقم العراقية لتحل محلها. (د) يمكن مفاتحة طاهر يحيى فى ذلك أثناء وجوده فى القاهرة إذا حضر مع الوفد العسكرى بمناسبة احتفالات 23 يوليو، أو يمكن مفاتحة عبد الرحمن عارف رئيس الأركان بذلك إذا لم يحضر طاهر يحيى إلى القاهرة، ويمكن أن نقوم نحن فى بغداد بمفاتحتهم فى ذلك. إلا أن هذه المبررات لم تكن كافية لإقناع القاهرة، فأعصابها فولاذية دائما فى مواجهة الأحداث. وظلت هذه القوات فى معسكر التاجى ولم تنسحب إلا بعد فترة انتهاء خدمتى بالعراق. وإذا أراد الإنسان أن يقيم قرار استجابة القاهرة لطلب العراق إرسال القوات العربية إلى بغداد بعد هذه الفترة الطويلة لوجد أنه كان قرارا حكيما تقتضيه الأحوال. فلقد رأى الرئيس عارف أن تأمين وضعه ونظامه لا يتأتى إلا باتخاذ هذه الخطوة، وكان له ما يبرر ذلك. فالتيارات السياسية فى العراق كانت جارفة وعاتية، والرجل لم يعمق جذوره بعد فى دهاليز السلطة ودروبها. والقتال مع الأكراد فى الشمال كان لا يزال مستعرا يمتص ويشتت طاقة الحكومة المركزية ويشكل استنزافا للجهود والأموال، وإيران تحرك أنصارها فى بعض أوساط الشيعة فى الجنوب وتغذى الأكراد فى الشمال. وحكم البعث فى سوريا يتآمر بإصرار على الحكم فى بغداد فى محاولات متتابعة لعله ينجح فى إسقاطه. كان الموقف صعبا رهيبا يحتاج إلى إسناد. والقاهرة بدورها تنظر إلى أمنها فى إطار سياسة عربية متكاملة لوجود نظام صديق فى العراق يؤمن موقفها فى الساحة العربية. ويقفل بابا يمكن أن يفتح وهى مشغولة فى مسرح اليمن. ويحد من عداوة النظام البعثى فى سوريا، ويجنب حركة القومية العربية الانحسار. وبهذا كان التجاوب مع طلب العراق أمرا تقتضيه ظروف ج.ع.م.، إذ لم تنس القاهرة ما لاقته من نظام الحكم المعادى فى العراق أيام نورى السعيد وعبد الكريم قاسم، فلم تنس أن الحكم المعادى فى بغداد أجبرها على خوض معركة ضد حلف بغداد. وكان المحرك والمؤيد للعدوان الثلاثى على مصر عام 1956 بعد تأميم قناة السويس، ولم تنس أن الحكم المعادى فى بغداد أجبرها على أن تواجه موقفا صعبا بعد حدوث الانفصال إذ أن حكم عبد الكريم قاسم ساعد الانفصال وأيده بل أسهم فى التخطيط لحدوثه. ثم ما معنى الوحدة إذن التى تنادى بها كل من القاهرة وبغداد إذا لم ينتقل الشعار إلى حيز التنفيذ؟ مواقف لا تنسى لبغداد وللتاريخ لم يكن تنفيذ شعار الوحدة من جانب واحد بل كان للعراق فى ذلك العهد مواقفه التى لا يمكن أن تنسى. ففى الوقت الذى احتاجت فيه القاهرة إلى رصيد من العملة الصعبة كانت فى أشد الحاجة إليه بادرت بغداد بإيداع 5.5 ملايين دينار تحت تصرفها فى البنك المركزى. وكان الفضل فى ذلك يرجع دون شك إلى الدكتور خير الدين حسيب محافظ البنك المركزى فى ذلك الوقت الذى أتم كافة الإجراءات بعد أيام قليلة من مفاتحتى له بالموضوع. ولم تطالب العراق أبدا برد هذا المبلغ إلا بعد أن تولى شكرى صالح زكى وزارة المالية فى وزارة الدكتور عبد الرحمن البزاز، إذ جعل إلغاء هذا الاتفاق من الموضوعات ذات الأسبقية الخاصة. وفى الوقت الذى احتاجت فيه القاهرة إلى القمح بادرت حكومة العراق بشحن 50 ألف طن بمجرد أن فاتحت طاهر يحيى رئيس الوزراء وقتئذ، وذلك دون انتظار للاتفاق على الأسعار أو على طريقة السداد، بل أمر الرجل بفتح صوامع البصرة على مصراعيها. كما أفسح المجال لنشاط شركاتنا، فقامت السفارة بفتح المجال أمام شركة «المقاولون العرب» لتنفيذ مشروع قناة كركوك بمراحله الثلاث، وكذلك شركة النصر لصناعة السيارات بصفقات لعربات الأوتوبيس التى أخذت تسير فى شوارع بغداد والبصرة والموصل. وقد ذكرت ذلك على سبيل المثال لا الحصر، لأن بغداد رأت بدورها أن أمنها هو فى شد أزر النظام فى ج.ع.م. ومساندته فما تقاعست بعد ذلك أو ترددت. وأظهرت هذه المساعدات المتبادلة لكل من مارس العمل فى المجال العربى أن أمن أى بلد عربى لا يمكن أن يتحقق على المستوى المحلى أو القطرى ولكنه يتحقق فقط على المستوى القومى، كما أظهرت أن البلاد العربية إن هى أرادت وشاءت يمكنها أن تكفى نفسها المعونات الخارجية، وأن لديها من الإمكانيات ما يحقق لها القوة دون حاجة إلى أن تفتح الباب أمام النفوذ الأجنبى من جديد ليكسب أرضا انحسر عنها بعد صراع دام أجيالا متعاقبة وذهب فى سبيله آلاف من الشهداء والضحايا. انشقاق الصف القومي كان الطريق مهيأة أمام الحكم القومى فى العراق لتحقيق الأمانى التى طالما تمناها الشعب، خاصة أنه لم يكن هناك ما يشير إلى احتمال حدوث حركات مضادة فى القريب العاجل تهدد بقاء الحكم أو تحول بينه وبين أن يحقق أهدافه التى أعلن عنها. ولكن كان الخوف الأكبر أن يتم انهيار الحكم من داخله من الصراعات التى كانت سائدة، والخلافات التى كانت تنتهى لتبدأ من جديد، من تعمق أزمة عدم الثقة التى باتت تهدد بقرب العاصفة، وقد حدث ما كان يخشى منه. فاشتد الصراع بين الرفاق، وتعمق الخلاف بين الأصدقاء بمرور الوقت دون استجابة للمحاولات الجادة الصادقة التى كانت تبذل تلافيا للنتائج الخطيرة التى سوف تترتب على استمرار حالة التصدع التى كان يلمسها الجميع. وأصبح الموقف أكبر من أن يحل بالوسائل السلمية المتعارف عليها بين الأصدقاء، فأخذوا يفكرون فى أن يتخلصوا من بعضهم البعض بحركات تصفية لا ترحم، وللأسف الشديد كانت الأسباب التى دعت إلى ذلك شخصية وغير موضوعية رجعت أغلبها إلى الصراع على السلطة. وعلى سبيل المثال قامت أزمة بسبب نقل أحد الضباط وانتهت بأزمة تهدد كيان الحكم. إلى هذا الحد هانت أمور الدولة. وتهاوت حدود المسئولية، وتضاءلت مصلحة الشعب أمام المصلحة الشخصية. وتدخل رئيس الوزراء ليحاول حل الموقف. وتدخل آخرون كثيرون: البعض كان يريد حل الموقف، والبعض الآخر كان يوسع شقة الخلاف حتى يتفجر كل شيء. واستمرت لقاءات واجتماعات طوال الليل دون نتيجة، وكنا ننتقل دون كلل بين الأطراف المتنازعة للوصول إلى الحلول الوسط ـ وقابلت الرئيس عارف. وحينما دخلت عليه كان ثائرا يهدد ويتوعد، فكان الموضوع فى تصوره ماسا بشخصه وكرامته، ولم أخرج من عنده إلا وقد وعد الرجل بحل الأزمة وبأنه لن يقبل أى استقالات. وقد تدهورت هيبة الحكم نتيجة الهزات المتعددة التى كان يتعرض لها، وكانت تلك الأزمات تشد رجل الشارع وتجذب انتباهه فى أول الأمر، إلا أنه بعد تكرارها وذيوع الأسباب التافهة التى كانت تدعو إليها أصبحت تلك الأزمات محل تندر الرأى العام بكافة طبقاته، وأخذ الرأى العام ينظر نظرة استخفاف للحكم الذى ما كان يتخطى أزمة إلا ويقع فى أزمة أخرى. وأخذ كل يحشد قواه تمهيدا لصدام آت لا ريب فيه، وهو صدام فى حقيقته من أجل السلطة فى وقت كانت المشاكل المتراكمة أكبر من أن يواجهها فرد أو جماعة، كانت المصلحة القومية تحتاج إلى جهد الجميع وتضامنهم، وكان الطريق فسيحا يتسع للجميع لو أن الثقة كانت باقية لم تذهب بها الأحداث! وإزاء تدهور الوضع والخوف الحقيقى من وصوله إلى نقطة اللا عودة، بذل الرئيس جمال عبد الناصر بدوره محاولات عديدة لتصفية الخلافات بين الرئيس عبد السلام عارف وزملائه لأنه كان يؤمن بأن استقرار الأوضاع فى العراق لا يمكن أن يتحقق إلا بوحدة الصف القومى، وكان الرجل عازفا عن القيام بهذا الدور مترددا فى أن يقحم نفسه فيه إلا أنه ترك تخوفه ونحى تردده وتدخل مرات ومرات. وأصبحت الكتل تتربص ببعضها، كل منها يريد القضاء على الكتلة الأخرى. وفى جهد محموم أخذت كل كتلة فى استقطاب أكبر عدد ممكن من الضباط إلى جانبها. وكان الرئيس عبد السلام عارف حريصا كل الحرص على تفتيت الكتل التى تنازعه السلطة، فأراد استقطاب عارف عبد الرزاق آمر القوة الجوية إلى جانبه عن طريق صديق الطرفين سعيد صليبى آمر الانضباط العسكرى. وتظاهر عارف عبد الرزاق بانضمامه إلى الرئيس عارف بعلم زملائه. الانقلاب المبتور كان لهذه الأزمات المتلاحقة تأثيرها الشديد على صحة الرئيس عارف وعلى حالته النفسية إلى الحد الذى لمسته بنفسى عند زيارتى إياه فى الليل والنهار، إذ ما كادت حجرة مكتبه تحتوينا حتى يقوم بنفسه بقفل الحجرة بالمفتاح والمزلاج خوفا من اقتحام مفاجيء يقوم به خصومه. ولم يكتف بذلك بل تولى بنفسه تعيين خدمة الضباط فى الحراسة دون سابق إنذار، وأكثر من تغيير وحدات الحرس الجمهورى خوفا من أى ترتيبات تدبر من وراء ظهره. قابلته بعد منتصف إحدى الليالى يسير هو ومرافقه فى الطريق الموصل من القصر الجمهورى إلى جسر الجمهورية وكنت عائدا وحدى إلى الدار فى سيارتى، وعجبت أن يسير الرجل هكذا وحده فى بغداد فى مثل تلك الظروف، وفى مثل هذا المكان الموحش، وفى تلك الساعة المتأخرة من الليل. وأوقفت سيارتى واتجهت إليه، ولم يخف الرجل سروره الكبير من هذا اللقاء المفاجيء، ولم أخف وساوسى ومشاعرى عنه فابتسم الرجل وهو يرد فى أسى: «والله يا أبا هشام لم يكن أمامى إلا هذا، فالقصر رغم اتساعه أخذ يضيق بى، والأسقف على ارتفاعها أخذت تطبق على، وخيل لى أنى أصبحت فى الزنزانة من جديد فخرجت هاربا من القصر إلى حيث الهواء الطلق»!! ولم يكن الرجل يدرى أنه خرج من سجن صغير إلى سجن كبير، إذ بدأ يشعر بالعزلة القاتلة التى أوقع نفسه فيها. إذن فالرئيس عارف كان ينوى تغيير طاهر يحيى وتعيين رئيس وزراء جديد. وكان طاهر يحيى يتوقع ذلك بدوره بل كان يعلم علم اليقين أن أيامه أصبحت معدودة كرئيس الوزراء. ولم يطل بطاهر يحيى الانتظار، إذ أنه فى يوم 5مارس 1965 طلب منه الرئيس عارف أن يقدم استقالة حكومته، وفى نفس الوقت كلف العقيد عارف عبد الرزاق آمر القوة الجوية بتشكيل الوزارة على أن يكون الدكتور عبدالرحمن البزاز سفير العراق فى لندن ـ وكان موجودا فى بغداد فى ذلك الوقت ـ نائبا لرئيس الوزراء. وقبل أن يعلن النبأ اتصل بى الرئيس عارف فى منزلى وأخبرنى بالتعديل المنتظر. كما حدثنى البزاز يزف إلى الأخبار. وحرصت فى حديثى مع الرئيس على أن أؤكد له ضرورة لم شمل الفئات القومية المتنافرة، وأبديت له أملى فى أن تمثل الفئات جميعها فى الوزارة الجديدة. وحينما انتهت المكاملة الغربية وجدتنى أتساءل: ولماذا يتصل الرئيس عارف بى ليخبرنى بتعديل لم يعلن عنه بعد؟! ما هذه الثقة المفاجئة بعارف عبد الرزاق بعد الشك المرير فى شخصه والذى كنت ألمسه فى حديث «أبى أحمد» على الدوام؟! أقول الحق، إننى توقعت شرا من هذا التعديل. صحيح كنت أتوقع أحداثا وأحداثا ولكن ليس بهذه السرعة. ولكن لماذا اختير «أبو رافع» بالذات رئيسا للوزراء؟ وفى هذا الوقت غير المتوقع؟ لإبعاده عن قيادة القوة الجوية حتى يتمكن الرئيس من أن يدخل بأصابعه فيها، وكان عارف يحول بينه وبين ذلك، عزله عن الفئات القومية الأخرى، التخلص من عارف عبد الرزاق نفسه بعد أن يكون قد أصبح معزولا عن كافة الفئات، إذ يصبح حينئذ لقمة سائغة يسهل أكلها. وهناك سبب آخر أخبرنى به الرئيس عبد السلام عارف نفسه ومرافقه عبد الله مجيد، إذ أخبرانى بعد ذلك أنهما كانا على علم تام بنيات عارف عبد الرزاق فى القيام بانقلاب لصالحه إذا أصبح رئيسا للوزارة حيث يكون التنفيذ أسهل وأيسر، فأراد الرئيس عارف بتكليفه بتشكيل الوزارة فى ذلك الوقت تمهيد الطريق أمامه للقيام بحركته بسرعة قبل أن يكمل استعداده وتتعمق وتتمكن خطته. وكان الجميع يفطنون إلى خطة الرئيس. وكان الاتفاق بينهم على ضرورة قبول عارف عبد الرزاق رئاسة الوزارة كوسيلة لإزاحة الرئيس عبد السلام عارف من السلطة بطريقة سلمية حينما تحين الفرصة لذلك. وفعلا بدأ عارف عبد الرزاق اتصالاته لتشكيل الوزارة، ولم يفلح فى إقناع أى من الفئات القومية فى الاشتراك بممثلين عنها فى وزارته. وبرغم ذلك تم تشكيل الوزارة على عجل. وكان من رأيى وقتئذ عدم قبول عارف عبد الرزاق رئاسة الوزراء مع بقائه فى قيادة القوات الجوية، إذ أننى كنت على علم تام بحقيقة الموقف وبنيات عارف عبد الرزاق بالرغم من أن أحدا لم يفاتحنى فى ذلك. ووصل رأيى هذا إلى «أبى رافع» عن طريق طرف ثالث، ولكن كان من عادة الرجل ألا يستمع إلى نصائح غيره، فقد كان شديد الاعتزاز برأيه على غير أساس. واستقر رأى الجميع على موعد تنفيذ الانقلاب ليكون فى أثناء وجود الرئيس عارف فى مؤتمر القمة بالدار البيضاء. غادر الرئيس عارف بغداد فى 12 سبتمبر 1965 قاصدا الدار البيضاء وسط مراسم توديع اشترك فيها كافة المسئولين والسفراء. وتولى السلطة بالنيابة أثناء غيابه مجلس مكون من رئيس الوزراء ورئيس الأركان. وحان وقت التنفيذ تبعا للتخطيط الموضوع. وكانت خطة الانقلاب ـ كما علمت بعد ذلك ـ فى منتهى البساطة، إذ كانت تتلخص فى الآتى : 1ـ القيام بإنذار الوحدات المؤيدة فى بغداد يوم الخميس 15 سبتمبر 1965. 2ـ بعد أن يتم ذلك يستدعى عارف عبد الرزاق رئيس الوزراء الضباط المؤيدين للرئيس عارف ومعهم سعيد صليبى إلى مقر رئاسة الوزراء حيث يتم اعتقالهم. 3ـ يتوجه عارف عبد الرزاق فى الساعة الثانية بعد الظهر إلى دار الإذاعة ليعلن تنحية الرئيس عارف وإلغاء منصب رئيس الجمهورية وتشكيل مجلس قيادة الثورة ووزارة جديدة تضم الفئات القومية. وبذلك لا يحتاج تنفيذ الانقلاب ـ إذا سارت الأمور دون أحداث غير متوقعة ـ إلى إنزال أى وحدات عسكرية إلى الشارع. إلا أنه لسبب ما استقر الرأى على تغيير الخطة يوم 14 سبتمبر 1965 لتكون كالآتى : 1ـ تقديم موعد الحركة ليكون ليلة 14 سبتمبر بدلا من الخميس 15 سبتمبر 1965. 2ـ كمرحلة أولى يتم الاستيلاء على معسكر أبو غريب أولا وهو قريب من بغداد مساء 14 سبتمبر 1965. 3ـ التقدم فى الصباح الباكر يوم 15 سبتمبر 1965 إلى بغداد للاستيلاء على محطة الإذاعة والسيطرة على المراكز المهمة. 4ـ تذاع البيانات المتفق عليها فى نفس الوقت. 5ـ تحلق القوة الجوية فى سماء بغداد تأييدا للحركة. 6ـ يتولى قيادة العملية من مقر رئاسة الوزراء كل من عارف عبد الرزاق وهادى خماش. استدعى عارف كلا من حميد قادر مدير الشرطة العسكرية وسعيد صليبى آمر الشرطة العسكرية، كلا على حدة، ودعاهما إلى الاشتراك فى الانقلاب لكنهما رفضا، وبالرغم من ذلك أطلق سراحهما. واتصل أحدهم بتدبير من سعيد صليبى بقيادة الانقلاب ليخبرها بفشل الاستيلاء على معسكر أبو غريب، ولم يكن هذا صحيحا، وهنا صدرت التعليمات بتأجيل العملية. وأصبح سعيد صليبى فى مقره بالانضباط العسكرى سيد الموقف. وذهب إليه رشيد محسن ـ أحد المشاركين فى الحركة ـ يعرض عليه منصب رئاسة الجمهورية إن هو انضم إلى الحركة، إلا أن سعيد صليبى رفض عرضا قدم إليه ممن لا يملك ولا يقدر. وفى صباح يوم 15 سبتمبر 1965 عقد اجتماع فى منزل عارف عبد الرزاق لتدارس الموقف، وبعدها غادره ومعه عائلته إلى مطار بغداد ثم إلى القاهرة على متن إحدى الطائرات الحربية. ولم تخطر سفارة الجمهورية العربية المتحدة باتجاه الطائرة إلى القاهرة، كما لم تخطر القاهرة بأن طائرة حربية فى الطريق إليها. كان ذلك يتم والرئيس عارف هناك فى الدار البيضاء، وقد علم بتفصيلات ما حدث من الرئيس جمال عبد الناصر، إذ كنت قد أرسلت إليه بالتفصيلات قبل أن يتمكن أحد فى بغداد من إخطار الرئيس عارف بما حدث.. ولعل هذه المبادرة كانت سببا فى الشكوك التى سيطرت على الرئيس عارف بعد ذلك والتى لم يكن لها أساس من الصحة. وقطع الرئيس عارف زيارته إلى الدار البيضاء وعاد إلى القاهرة أولا ليعمل ترتيب سفره إلى بغداد. وقد تم إعداد خطة لعودته فى سرية كاملة، إذ أن الموقف لم يكن واضحا فى بغداد بل كانت هناك طائرات فى انتظاره فى سمائها لإسقاطه بطائرته عند الوصول. واستقل الرجل طائرة من إحدى المطارات الحربية بالقاهرة بتنسيق كامل معى فى بغداد وحددت وقت الوصول. ولم أخبر أحدا خوفا على حياة الرجل ـ حتى أخيه اللواء عبد الرحمن عارف كان يعلم حينما اصطحبته معى إلى المطار أنه ذاهب لمقابلة وفد عسكرى قادم من القاهرة على متن إحدى الطائرات الحربية فى تمام الساعة الخامسة، وحينما رأيت الطائرة تحلق فى سماء المطار أخبرت عبد الرحمن عارف بمقدم أخيه، فترك كل شيء وذهب ليعد حرس شرف لاستقبال الرئيس القادم! ولم يتمالك العقيد علي فهمى الشريف الملحق العسكرى العربى الذى كان يرافقنى فى المطار من أن يضرب كفا بكف لأن هذا التصرف من عبد الرحمن عارف كان يدل على بساطة الرجل وعدم تقديره خطورة الموقف. ونزل الرئيس عارف إلى أرض المطار ثابت الجنان. وسلم على النفر القليل الذين كانوا فى استقباله والذين تصادف وجودهم فى المطار. وأوصلناه إلى إحدى العربات الصغيرة يستقلها إلى القصر الجمهورى ليبدأ محاولاته للسيطرة على الموقف. وبانتهاء هذه الحركة بالصورة التى انتهت بها كان الرئيس عبد السلام عارف قد تخلص من كل معارضيه : منهم من كان فى القاهرة، ومنهم من كان متحفظا عليه فى منزله، ومنهم من كان قد تم اعتقاله. ومنهم من اختفى تحت ظروف صعبة، ومنهم من كان يهيم على وجهه فى طريقه إلى الكويت ليفعل به الله ما يشاء بعد ذلك. وبذلك أصبح الرئيس عارف الحاكم المطلق فى العراق. وكلف الرئيس عارف الدكتور عبد الرحمن البزاز بتشكيل الوزارة وتم تشكيلها على عجل، فأصبح بذلك أول رئيس وزراء مدنى يتولى هذا المنصب منذ القضاء على الحكم الملكى فى العراق بعد ثورة يوليو 1958. ملابسات مؤسفة قبيل حدوث الانقلاب كنت قد انتويت السفر إلى القاهرة للتشاور، وفعلا تم حجز مكان لى فى الطائرة العربية التى تغادر بغداد ظهر يوم 15 سبتمبر 1965. وأخطرت القاهرة بذلك كما أخطرت عائلتى بموعد الوصول. وفى مساء يوم 14 سبتمبر 1965 رأيت من اللائق والواجب الاتصال بعارف عبد الرزاق رئيس الوزراء لأخطره بسفرى فى الغد. اتصلت به في قيادة القوات الجوية ـ حيث كان يغلب وجوده ـ فأخبرت أنه فى مكتبه برئاسة الوزراء. فاتصلت به هناك فى نحو الساعة التاسعة مساء، ورد على الرجل بهدوئه المعتاد، وأخبرته بموعد سفرى فى الغد وبرغبتى فى لقائه قبل السفر. وكان من عادة «أبى رافع» أن يرحب باللقاء فى أى وقت وأى مكان، إلا أننى فوجئت برده «فى الصباح يفعل الله ما يشاء». وانتهت المحادثة التليفونية، وتركت له معاودة الاتصال إن كان يريد اللقاء. لم أكن أعلم حينما اتصلت «بأبى رافع» أن عجلة الانقلاب دائرة، وأنه كان فى ذلك الوقت بالذات يقود عملية انقلاب خطيرة من مكتبه فى رئاسة الوزراء! وقد استغل هذا الاتصال المسجل أسوأ استغلال فى الأيام التالية فى الوقيعة بين الرئيس عارف والقاهرة دون تقدير للمصلحة القومية. وكان أول موعد علمت فيه بالانقلاب الساعة العاشرة من صباح يوم 15 سبتمبر عن طريق أحد الأصدقاء، خاطر وحضر إلى مكتبى فى ذلك الوقت وأدلى لى بما يعرفه من معلومات. وألغيت سفرى إلى القاهرة لمواجهة المتغيرات الجديدة، ثم أرسلت المعلومات الخطيرة إلى القاهرة لتتولى إرسالها إلى الرئيس عبد الناصر فى الدار البيضاء على وجه السرعة حيث كان يعقد مؤتمر القمة. وهذا يفسر كيف كان الرئيس عبد الناصر أول من أخطر الرئيس عارف بحدوث الانقلاب. ودعوت من فورى إلى عقد عدة اجتماعات مع أعضاء السفارة لنتباحث فى الأمر، ووزعت الواجبات كما كنا نفعل دائما فى مثل تلك الظروف. واجتمعت مع كل من الملحق العسكرى العقيد علي الشريف، وقائد القوة العربية المقدم إبراهيم العرابى، ولم يكونا على علم بما حدث. وأمرت المقدم إبراهيم العرابى بعدم التدخل بقواته إطلاقا مهما كانت الأسباب إلا عن طريقى وبأوامر منى شخصيا، وأن يكون هو وقواته فى حالة استعداد كاملة، وأن يداوم الاتصال بى من وقت لآخر، على أن يدبر وسائل اتصال تبادلية لاستخدامها فى حالة تعذر الاتصال الهاتفى. وفى الوقت نفسه قمت بعدة اتصالات للوقوف على ما يجرى. اتصلت بعبدالرحمن عارف رئيس أركان الجيش الذى لم يكن يدرى حقيقة ما حدث، إذ كان ما وصل إلى علمه أنها مجرد محاولة شيوعية أمكن السيطرة عليها، وأبلغت «أبا قيس» بأن القاهرة وافقت على وضع قواتنا العربية فى معسكر التاجى تحت تصرفه فى أى من الأوقات. واتصلت بسعيد صليبى آمر الانضباط العسكرى وقائد موقع بغداد. وكان سعيد شحيحا فى إعطاء المعلومات، إذ حاول فى أول الأمر أن يفهمنى أنها محاولة شيوعية انتهت على خير، ولكن بعد ذلك أخبرنى بحقيقة ما تم فى إيجاز مفيد. ولا شك أن سعيد صليبى كان يقع فى تلك اللحظة تحت تأثيرات نفسية ثقيلة يتنازعه شعور الوفاء للصديق، وشعور الولاء للرئيس، وبالرغم من ذلك حاول تغطية صديقه تحت ستار أنها محاولة شيوعية، وفى نفس الوقت كان ولاؤه للرئيس عارف يطغى عليه إذ ربما حمله «أبو أحمد» الأمانة أثناء غيابه، ولم يكن سعيد صليبى بالرجل الذى يخون. ولكن هذه هى تقلبات السياسة! واتصلت بعارف عبد الرزاق فى منزله وكان يوالى عقد اجتماعاته مع أنصاره لاتخاذ قرار. وحوالى الساعة الثانية بعد الظهر استقل عارف عبد الرزاق طائرة حربية ومعه عائلته وبعض ضباطه واتجه إلى القاهرة. ولم تكن القاهرة قد علمت بما تم، إذ لم تكن برقيتى قد حلت شفرتها بعد، لذا فإنه استقبل فى المطار الاستقبال اللائق برئيس وزراء واستضيف فى قصر الطاهرة، ولكن حينما صرح لهم عارف بما حدث رجوه أن يقدر الموقف إذا ما اضطروا إلى استضافته فى فندق شبرد. وهرولت أسرتى من المطار حيث كانت فى انتظارى إلى فندق شبرد للترحيب بالأصدقاء والعمل على راحتهم والتخفيف عنهم فى ظروفهم الصعبة، إذ كانت علاقاتنا العائلية قوية. كان سعيد صليبى هو الشخص الوحيد فى ذلك الوقت الذى يمكنه أن يسيطر على الموقف إلى حد ما فى بغداد، ولا يخطر ببالى ولو للحظة واحدة أنه كان غير قادر على منع عارف عبد الرزاق من مغادرة المطار بطائرة حربية، فهل يا ترى تم الاتفاق بين الصديقين على رحيل «أبى رافع» حينما تقابلا فى المساء بمقر رئاسة الوزراء، أم أن الاتفاق كان من نوع الاتفاقات التى تتم بين الأطراف هكذا دونما حاجة إلى مناقشتها أو التحدث فيها؟ غداً في الحلقة الرابعة ـ السفير المصري متهم بتدبير الانقلاب على الرئيس الذي أمنت له مصر العودة للسلطة ـ عبدالناصر قال لي لا نريد من العراق شيئاً.. مجرد حكم لا يعادينا.. فاقترحت اسم عبدالرحمن عارف ـ أحبطت خطة المشير بمساندة عارف عبدالرازق لتسلم السلطة بعد عارف، فهددني بقطع الرقبة