السبت 10 شوال 1423 هـ الموافق 14 ديسمبر 2002 رغم الانغلاق الكامل الذي يفرضه المتشددون دينيا في إسرائيل على أبنائهم فقد كشفت أحدث أبحاث واستطلاعات الرأي التي أجريت مؤخرا بين المتطرفين اليهود أن تعاطي وإدمان المخدرات أصبح ظاهرة متفشية بدرجة خطيرة خاصة بين جيل الشباب صغيرة السن. تفشي إدمان المخدرات بين المتدينين دفعهم لإنشاء مراكز علاجية خاصة بهم ضمانا للسرية ولعدم الاختلاط بأبناء العلمانيين حتى في المراكز العلاجية ـ على غرار المدارس والأحياء الدينية ـ حيث اعترفت صحيفة «ماقور ريشون» بأنه تأسس مؤخرا مركز علاجي للمدمنين من أبناء المتدينين يحمل اسم «روترنو» (السبب بالأسبانية) يقبع في قمة هضبة مرتفعة،وقد كانت مبانيه خاصة بدير تابع للمسيحيين الفرانسيسكان قبل أن تستولي عليه الحكومة الإسرائيلية حيث يحتجز داخله المدمنون للمخدرات والخمور. طريقة العلاج المضحك أن المركز العلاجي الذي يتبع إداريا شبكة يهودية عالمية يحتجز المدمنين لثمانية أشهر متصلة ويصر على عدم وجود تلفزيون في المكان حتى لا يدمنه مدمنو المخدرات هو أيضا حسب اعتقاد القائمين على المركز على الرغم من أن اليوم العلاجي يبدأ في السادسة صباحا مما يعني قدراً كبيراً من الفراغ والملل. وطريقة العلاج الأساسية مثيرة للسخرية، فهي تعتمد على تجمع المدمنين الصغار في مغارة داخل المركز العلاجي (الدير سابقا) على أن يبدأ كل مدمن في رواية قصته مع الإدمان ـ مرارا وتكرار ـ على ضوء الشموع وحينما ينفعل وينطلق في البكاء يعاقبه من حوله بالجلوس أو الضغط على بطنه! التقارير الإسرائيلية حول الظاهرة ذكرت أن الشباب المتطرف دينيا في إسرائيل كان حتى عام مضى لا يدخن السجائر، لكن وبسرعة غريبة أصبحت نسبة كبيرة منه تدخن السجائر بل وتسأل الحاخامات عن مطابقة النرجيلة(الشيشة) للشريعة اليهودية! مصدر الخطورة بالنسبة لهؤلاء أنهم يمثلون الطبقة الغنية وأبناء مسئولين بارزين بين المتشددين دينيا. كما كشفت التقارير نفسها أن الشرطة الإسرائيلية ألقت القبض في الأسبوع الماضي فقط على 30 طفلاً وصبياً لا تتجاوز أعمارهم الثالثة عشر في منطقة القدس وهم يتعاطون المخدرات الخطيرة مثل الهيروين والكوكايين الأكثر فتكاً بالمدمنين. وفي الإطار نفسه أكد بحث علمي إسرائيلي أن 2.4% من جملة طلبة المدارس في إسرائيل يتعاطون باستمرار الأصناف الخطيرة من المخدرات. بينما تصل النسبة الى 10% بالنسبة للذين يتعاطون بشكل غير منتظم! الخطير أن البحث اعترف أيضا بأن متوسط الإنفاق على المخدرات هو 100 دولار في اليوم الواحد لكل مدمن مما يعني بالضرورة ارتفاع معدلات الجريمة ـ التي غالبا ما تقع ضد الفلسطينيين. فجوة نفسية مدير المركز العلاجي وهو حاخام متشدد بدوره قال الظاهرة منتشرة بين الفقراء والأغنياء وكنا في الماضي نخشى أن نتحدث عنها رغم أن حدوثها أمر طبيعي ! فتفشي الإدمان بين شباب المتدينين ظاهرة تستحق أن نعالجها ونحن في هذا الإطار نحاول تقديم العلاج للمتدينين فقط حيث أن العلمانيين يفسدون المناخ العام الديني الذي نتميز به. «الأوضاع داخل المركز العلاجي قاسية لدرجة أن من استعانوا بأصدقاء لقبولهم في المركز العلاجي يحاولون بعد فترة تسلق الأسوار والهرب من المكان خاصة وأن عدداً منهم سبق له محاولة الانتحار». الغريب أن المركز العلاجي قام باحتجاز عدد من زواره حيث حلت منذ بضعة أشهر مجموعة من الأطفال المتدينين يبلغ عددهم 18 طفلاً وبعد محاضرة دعائية عن أنشطة المركز ومناقشتهم حول مخاطر الإدمان اعترف نصف الزوار بأنهم مدمنون فتم احتجاز أربعة منهم للعلاج. والغريب أنه بالبحث والدراسة اتضح أن اتجاه المتدينين للمخدرات مرجعه «فجوة نفسية» ـ حسب وصف الباحثين الإسرائيليين نجمت عن الانتفاضة وما واكبها من مخاوف واحباطات واضطراب خاصة في مدن تل أبيب وناتانيا التي كان سكانها يعتقدون أنهم بمنأى عن هجمات المقاومة الفلسطينية حيث اشتكى المدمنون من أنهم في أعقاب كل هجمة قريبة منهم ينالون اهتماما ورعاية لمدة لا تتجاوز خمسة أيام ثم يتركهم الجميع لمخاوفهم واضطرابهم.
