السبت 10 شوال 1423 هـ الموافق 14 ديسمبر 2002 لم نقف كعرب كثيرا أمام وعد شارون الخطير بجلب مليون مهاجر جديد للدولة الصهيونية وبالتالي للأراضي الفلسطينية المحتلة خلال السنوات العشر المقبلة ، ويبدو أننا قد أصبنا ببعض الخمول حتى عن الاحتجاج على هذه الخطوة التي ترمي لتكريس الاحتلال ومصادرة مزيد من الأراضي وبناء مزيد من المستوطنات. الهدوء العربي على ما يبدو انطلق من انخفاض معدلات الهجرة لإسرائيل كنتيجة مباشرة للانتفاضة إلا أن أحدث التقارير من داخل إسرائيل تكشف أن الحكومة الإسرائيلية والوكالة اليهودية للهجرة لديهما خطة بدأتا في تنفيذها في هذا المجال. الخطة كشفت عنها جريدة «معاريف» وهي ترتكز على محاولة إقناع اليهود الروس الذين هاجروا للولايات المتحدة وألمانيا منح إسرائيل فرصة ثانية حتى يتم تعويض الهبوط الحاد في أعداد المهاجرين الذي وصل الى 43% خلال العامين الماضيين حيث توقعت مصادر رسمية ألا يزيد عدد المهاجرين الجدد هذا العام على 35 ألف مهاجر. الخطة ستعتمد أيضا على تخويف يهود الأرجنتين من مخاطر الأزمة الاقتصادية الحالية هناك وتخويف يهود فرنسا من معاداة السامية. نسبة كبيرة الخطوات التنفيذية للخطة بدأت بالفعل حيث سافر من قبل الوكالة اليهودية للهجرة «روني فينكوف» كموفد خاص يرمي لإقناع نحو 300 ألف يهودي روسي عدلوا عن الهجرة لإسرائيل واستقروا في الولايات المتحدة خاصة جيل الشباب على أن يتم إقناعهم بأنهم لن يحققوا أحلامهم في الرفاهية في الولايات المتحدة.الخطة ستنطلق أيضا من حقيقة أن نسبة كبيرة من هؤلاء المهاجرين (حوالي 60 %) زاروا إسرائيل من قبل. الحكومة الإسرائيلية أعلنت بشكل سري أن عينها على مستودعات اليهود في الولايات المتحدة وألمانيا واستراليا بشكل خاص لتعويض النقص في أعداد المهاجرين مقارنة بالتسعينيات وحتى عام 2000 فقد وفد لإسرائيل في عام 2000واحد وستون ألف مهاجر لكن العدد انخفض في العام الماضي لنحو 44 ألفاً مهاجر ومن المتوقع أن ينخفض العدد مجددا هذا العام ليبلغ خمسة وثلاثون ألف مهاجر فقط. مدير الوكالة اليهودية للهجرة «وهي كيان ذو تاريخ صهيوني متطرف عتيد سبق إعلان قيام إسرائيل المشئوم» علق على التغيرات الجارية الآن بقوله: أنا لا اعترف بأننا في أزمة فقد وفدت لنا أعداد هائلة في التسعينيات وكان هذا تدليلا لإسرائيل كما سبق وأن مرت علينا سنوات لم يحضر فيها سوى عشرة آلاف مهاجر، حقا لقد تعودنا على الأعداد الكبيرة لكن هدفنا حاليا هو أن نجلب نصف مليون مهاجر خلال العشر سنوات المقبلة بمعدل 50 ألف سنويا وهو ما رفضه بشدة ارييل شارون رئيس الوزراء ووزير استيعاب الهجرة حيث قال ما وعدت به ممكنا لو توجهنا للأماكن الصحيحة وبذلنا مزيدا من الجهد..نستطيع أن نجلب 100 ألف مهاجر سنويا. وبشكل مواز أعلن نائب وزير استيعاب الهجرة أن الانخفاض الكبير في أعداد المهاجرين الجدد يرجع لتراجع أعداد المهاجرين الروس بشكل خاص فبعد أن حضر منهم مليون شخص خلال الاثني عشر عاما الماضية انخفض عدد الوافدين منهم من 51 ألفاً عام 2000 إلى 35 ألفاً فقط هذا العام ويرجع السبب ـ حسب «يولي ادلشتين» نائب وزير الاستيعاب ـ إلى ثلاثة عوامل أولها الأوضاع الأمنية والاقتصادية المتدهورة في إسرائيل بالإضافة إلى انتعاش الاقتصاد الروسي بشكل ملحوظ ـ وإن كانت الأوضاع في بقية دول الكومنولث لا تزال سيئة ـ وآخر العوامل هي حقيقة أن المهاجرين لهم حد ستتوقف عنده الهجرة وليست هجرة بلا نهاية كما بدأ البعض يتصور أو يحلم في إسرائيل.فأحدث الأبحاث حول العدد الحقيقي المتبقي من اليهود في دول الاتحاد السوفييتي السابق لا يتجاوز ال450 ألف يهودي. «الكس تنسر» المسئول في وكالة الهجرة اعترف بأنه الى جانب انخفاض أعداد الوافدين تعاني اسرائيل من مشكلة هروب أعداد من المهاجرين الذين وفدوا خلال السنوات العشر الماضية لخارج إسرائيل في هجرة مضادة عكسية. ومظاهر هذا منازل خالية وإعلانات في الصحف الروسية الصادرة في إسرائيل توفر خدمة الهجرة العكسية لروسيا أو لدول أوروبية. «تنسر» رفض أن يكشف الأرقام الفعلية لظاهرة الهجرة العكسية لكنه اعترف في الوقت نفسه بأنه كان يتشدد كثيرا حتى يختار يهوداً حقيقيين للهجرة لإسرائيل في حين كان البعض يتساهل في هذا،وقد اضطرته الأزمات الأخيرة للتساهل هو أيضا وعدم الاعتراض على وفود مهاجرين مشكوك في يهوديتهم. الأوضاع الأمنية الخطة الإسرائيلية لجلب المزيد من المهاجرين الجدد لتعويض الانخفاض الكبير في أعدادهم هذا العام والعام الماضي تتضمن كذلك تدريس العبرية والديانة اليهودية لمن رفضوا في اللحظة الأخيرة الهجرة لإسرائيل حتى يكونوا على استعداد للهجرة لو وتحسنت الأوضاع الأمنية والاقتصادية. كما تعتمد بشكل أساسي على يهود الأرجنتين عبر تعميق الدعاية حول تدهور الاقتصاد الأرجنتيني بهدف الوصول بأعدادهم ل20 ألف مهاجر سنويا وهو الأسلوب الذي سيتبع أيضا مع يهود فرنسا بدعوى تزايد معاداة السامية هناك على خلفية الانتفاضة. قائمة الأولويات التي ستتركز جهود وكالة الهجرة نحوها ستصل بعد ذلك لأميركا الشمالية على الرغم من أن اليهود هناك لا يعانون من أية مشاكل وذلك لحقيقة أن يهود أميركا الشمالية يمثلون أكبر تجمع ليهود العالم حيث يبلغ تعدادهم 5.6 ملايين في الولايات المتحدة وكندا. ومع هذا لا يحضر لإسرائيل منهم إلا نحو 1600 شخص فقط عام 2000. ثم تأتي في النهاية جنوب أفريقيا التي فشلت إسرائيل على مدار سنوات مقاطعة العالم للنظام العنصري هناك في جلب أعداد كبيرة من المهاجرين لإسرائيل حيث كان عدد اليهود هناك 150 ألف يهودي ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية وانهيار نظام بريتوريا العنصري عام 94 فر نحو ثلث اليهود من جنوب أفريقيا مع أعداد كبيرة من البيض النازحين. في المقابل هناك عدة عوائق تقف أمام الخطة الإسرائيلية و الطريف أن أولها يرجع للابتزاز الإسرائيلي المستمر لألمانيا حيث أسفر مؤخرا عن نتائج عكسية بالنسبة للهجرة ففي مقابل الامتيازات المالية والتسهيلات الضخمة التي تقدمها إسرائيل للمهاجرين الجدد لإغرائهم بالحضور إليها قامت ألمانيا ـ بدعوى التكفير عن الذنب النازي ـ بتقديم تسهيلات مغرية أيضا لمن يرغب من المهاجرين اليهود في الاستقرار في ألمانيا وهو ما دفع نحو 100 ألف يهودي روسي للمسارعة والاستفادة من العرض الألماني مفضلين الإقامة بها على إسرائيل. ومن المعوقات أيضا التي تعترض تنفيذ الخطة أن يهود الأرجنتين الذين يقتنعون بالدعاية الصهيونية التي تضخم وتبالغ في تصوير وضع الاقتصاد الأرجنتيني يفضلون الهجرة في النهاية لدول ناطقة بالأسبانية مثل أسبانيا و المكسيك. وفي محاولة يائسة لاستقطاب المزيد من المهاجرين قرر شارون أن يمنح القادمين من الأرجنتين وجنوب أفريقيا وفرنسا! نفس المنح الضخمة التي كانت تصرف لليهود الروس ويهود أثيوبيا عند قدومهم على اعتبار أنهم (فقراء) حيث كان يمنح كل مهاجر مع زوجته 30 ألف شيكل بالإضافة لبضعة آلاف من الشيكلات عن كل ابن..ناهيك عن توفير فرص عمل لهم (على حساب الفلسطينيين بالطبع لأن إسرائيل تعاني في الأساس من البطالة) هذا ومن المخطط أن يتم منح كل مهاجر نفس المبالغ السابقة في وقت لاحق بصرف النظر عن غناه من فقره مما قد يغري البعض للحضور والحصول على هذه الأموال ثم العودة ثانية لبلادهم الأصلية.
