الاربعاء 29 رمضان 1423 هـ الموافق 4 ديسمبر 2002 تناول دان مرغليت الكاتب ومقدم البرامج الاسرائيلي عبر مقال نشرته امس صحيفة «معاريف» العبرية التصريحات الاخيرة لمحمود عباس «ابو مازن» امين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير التي طالب خلالها بوقف تام للنار، هذا التناول لم يخل من غمز وسخرية لكنه في المحصلة بشر استنادا لهذه التصريحات بقيادة فلسطينية جديدة. قال مرغليت في مقاله هزم ارييل شارون ياسر عرفات في الصدام العنيف الذي فرضته السلطة الفلسطينية على اسرائيل. ليس هذا اعلان دعائي لليكود قبل الانتخابات، بل شهادة من الرجل رقم 2 في القيادة الفلسطينية، ابو مازن، ففي خطاب دراماتيكي القاه على مسامع «زهور الارهاب الفلسطيني» في مخيم اللاجئين في غزة، قال ابو مازن: «العنف لا يوقع علينا الا الخراب». عرفات سعى الى اسقاط حكومة شارون، ولكن هذا خرج من الانتفاضة بصفته «الزعيم الصهيوني الاقوى منذ تعهد هرتسيل» «ابو مازن ليس خبيرا في السيرة الذاتية لاب الصهيونية. معارضة حازمة لـ «صهيوني صهيون» في روسيا وجدت امامها بالذات بنيامين زئيف هرتسل ضعيفا، فلوت ذراعه ومنعته من توطين اليهود في اوغندا». واحتج على أن ما حصل عليه الفلسطينيون في اتفاق اوسلو اخذ منهم في عمليات رد الفعل التي قام بها الجيش الاسرائيلي. والشائعة من ان المستوطنين هربوا من منازلهم عقب العنف مغلوطة. فمثل هذا الامر عار عن الصحة. «اني ابلغكم بصوت عال وواضح: كفى! الى هنا! ضحينا وتحطمنا. هذه جريمة يجب ان تتوقف. نحن نريد السلام». قسم كبير من الجمهور الاسرائيلي يرفض النظر الى نتائج المعركة. بعضهم لانه لا يثني على ارييل شارون في سلوكه المتوازن بين استخدام القوة وبين مراعاة المصالح السياسية لاسرائيل في الغرب، والبعض الاخر لانه بعد العمليات الارهابية في مومباسا وبيسان بلغ عدد القتلى 690، ولم ينته بعد أغلب الظن. الثكل والعزاء يثقلان على الاحساس بالنجاح، ناهيك عن ان النتيجة يمكنها ان تكون افضل لولا الخطأ الجسيم للمؤسسة السياسية، التي تملصت بمعاذير فارغة من اقامة جدار الفصل. فشارون وشيمون بيرز وافيغدور ليبرمان ويوسي بيلين فعلوا ذلك بمواظبة. في قسم من الوقت وبشكل جزئي كان لهم شركاء مثل بنيامين بن اليعازر، شاؤول موفاز، يوسي سريد ويوسف «تومي» لبيد. انهم يتحملون المسئولية فيما جرى ولم يجري لكون اسرائيل دولة . فلو اقيم الجدار في موعده - لكان عدد القتلى في الانتفاضة يصل اليوم نحو 300 - 400 بدل 700. وقريب اليوم الذي ستأتي فيه عائلات القتلى الى المؤسسة السياسية بدعوى على نمط «من يدك مطلبنا». سيكون هذا كعب أخيل لشارون في الانتخابات القريبة المقبلة، ولا سيما عندما لن يجلس عمرام ميتسناع وحاييم رامون في حكومته بل يبادران الى اقامة حركات جماهيرية من أجل جدار الفصل. ومع ذلك، صحيح ان هذا الخطأ ايضا لا يلغي الاحساس بانه فيما يتعلق بالحرب ، تصرف شارون بشكل ملائم. ولكنه أسير في انجازه، الذي ليس هو مثابة نهاية النهاية. تنبع منه الحاجة لرسم الاتجاه للمستقبل، ماذا بعد. في خطاب أبو مازن يطرح بديل يهدد شارون: فلو أنه بدل المبادرة بالارهاب جره الفلسطينيون الى طاولة المفاوضات - لكان عناده في مسألة المستوطنات والسلام ستثير كل العالم ضده. عرفات لم يفهم ذلك. فقد رد السلام السخي والشجاع لايهود باراك في كامب ديفيد، وفضل الارهاب، وتكبد فشلا مزدوجا، في القتال وفي السياسة. هزيمة عرفات، بالثمن الدموي الاليم والمضني للاسرائيليين، استدعت الشرق الاوسط نحو مفترق سياسي جديد. ثمة مؤشرات على نمو قيادة فلسطينية بديلة. وهي تجد تعبيرها في اقوال ابو مازن وفي الثنائي يوسي بيلين وياسر عبد ربه، او عامي ايلون وسري نسيبه، وبالاساس في المسار الذي يشتد لخارطة الطرق المرسومة في واشنطن وفي اوروبا. يحمل الانجاز الواضح لشارون على جناحيه بذور مصاعبه في المستقبل ايضا. فقد تعهد باقامة دولة فلسطينية رغم انه في معمعان الانتخابات أمر باجراء استيضاح مع سفير اسرائيل في الامم المتحدة، يهودا لانكري، اذ تجرأ على أن يعرب عن ذلك بوضوح. صدى السؤال الحاسم يعلو مع بدء المعركة المركزية بين الليكود الجبار والعمل المتقلص: هل يؤيد حزب السلطة اقامة دولة فلسطينية؟ اذا كان نعم - فمتى؟ وفي أي ظروف؟ وعلى أي ارض؟ ومن على رأسها؟ ولماذا لم تتحقق النية فيها من خلال اقامة جدار فصل ينقذ الحياة؟ لا تزال الاحزاب تعنى في الانتخابات الداخلية، في انتخاباتها التمهيدية، ولكن تطرح منذ الان البوادر الاولية التي تعلن بأن صناديق الاقتراع في العام 2003 ستكون هي الاهم بين كل الانتخابات التي شهدتها اسرائيل في الـ 54 عاما من حياتها. استراتيجيون انتخابيون في الحزبين الكبيرين سيتقلبون ويتقلبون في خطاب ابو مازن. كل البدايات وكل الامكانيات في مجال منع الارهاب والمفاوضات السياسية موجودة فيه. القدس ـ «البيان»: