السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 بدأ المفتشون الدوليون عملهم في العراق فهل يحملون معهم بارقة أمل للشعب العراقي للخروج من محنته، أم أن المسألة لا تعدو سوى تأجيل للضربة الأميركية لبضعة أسابيع؟ د.محمد مصطفى البرادعي رئيس الوكالة الدولية للطاقة المسئولة عن اقرار خلو العراق من السلاح النووي قال لـ «البيان» الحرب ليست حتمية وأن المفتشين ليسوا مقدمة للحرب ولكن بديلا عنها، وأن مهمة فريق التفتيش صعبة وأن نجاحها يتوقف على الحياد والموضوعية والنزاهة، وطالب العرب بتجاوز العواطف، والتعامل بموضوعية مع النظام الدولي والشرعية الدولية، وأن يبذلوا كل جهودهم للضغط على العراق لكي تلتزم مئة في المئة بالقرار لأن عدم الالتزام بنسبة 1% يمكن أن يعرضه للعواقب الوخيمة وأن لديه فرصة أخيرة عليها الا يضيعها. وأشار الى ان المفتشين لن يتعاملوا مع شكوك ولكن مع أدلة ووثائق وبراهين. د.البرادعي قال الكثير في حديثه معنا اثناء تواجده في القاهرة قبل سفره الى فيينا وسيقوم خلال الشهر المقبل بزيارة الامارات العربية المتحدة، وفيما يلي رصد للاجابات التي أدلى بها البرادعي رداً على الأسئلة التي طرحت عليه. ـ هل تبدأ عملية التفتيش على الأسلحة العراقية من نقطة الصفر أم أنها تبنى على عمل لجان التفتيش السابقة، خاصة في المجال النووي الذي تشرف عليه، والذي كان تقرير الوكالة في السابق حتى عام 1998 يشير الى أن العراق لم يعد يمتلك أسلحة نووية؟ ـ عملية التفتيش تسير وفق خطة شاملة متكاملة ونأخذ في اعتبارنا ما قامت به فرق الوكالة سابقا وحتى 1998، ولكن منذ ذلك التاريخ مرت اربع سنوات كاملة لم تكن لنا خلالها صلة بنشاطات العراق، ونحن الآن نبحث فيما اذا كانت العراق سعت من جديد لانتاج أسلحة دمار شامل. ـ ولكن العراق مطالب بتقديم تقرير في 8 ديسمبر للأمم المتحدة حول مايمتلكه من اسلحة الدمار الشامل، وأي كذب في هذا التقرير سيمثل ذريعة لضربه، لماذا مطلوب من العراق المتهم ان يثبت براءاته لماذا لم تترك هذه المهمة بالكامل لفرق التفتيش؟ ـ عملية التفتيش ليست قضائية، والتقرير الذي سيقدمه العراق سيكون أحد الخطوط الأساسية التي نبني عليها عملنا وسنقوم بالتحقيق مما جاء في التقرير، ونأمل ان يلتزم العراق الدقة والشفافية في تقريره وإلا عرض نفسه لعواقب وخيمة طبقا للقرار. ـ الا ترى ان القرار 1441 شديد القسوة وينتهك سيادة العراق والتي لم يشر اليها كما أشار لها القرار السابق 687؟ ـ القرار صدر بعد عشرة سنوات من صدور قرار 687 وسط ظروف مختلفة منها أن العراق لم يتعاون مع لجان التفتيش السابقة «الاونسكوم» ووسط اجواء توتر كبيرة بعد اعلان الولايات المتحدة الاميركية انها ستقوم بعمل عسكري، ولكن المجتمع الدولي كان يرى ان العودة الى التفتيش هو الأسلوب الأمثل للتعامل مع العراق، وبعد مناقشات ومداولات تم التوافق بضرورة منح العراق فرصة أخيرة للتحقق من خلوه من أسلحة الدمار الشامل، ولابد أن يتعاون العراق بالكامل، واعطيت لجنة التفتيش الجديدة ـ انموفيك ـ التي خلفت الاونسكوم التي تم حلها عام 1999 صلاحيات كبيرة لتعمل من أجل التأكد من خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، والقرار 1284 لعام 2000 أعطى للعراق ضوءا في نهاية النفق. بتعليق العقوبات في حالة تعاون العراق مع فرق التفتيش وحدوث تقدم وان لم تنته فرق التفتيش من عملها وتترك عملية رفع العقوبات للمرحلة النهائية عندما تنهي هذه الفرق عملها تماما وتقدم تقريرها النهائي بخلو العراق من أسلحة الدمار الشامل. في الماضي لم يكن هذا الضوء موجود، تتحدثون عن انتهاك سيادة العراق، العراق بالفعل يعيش كدولة منقوصة السيادة في العالم عليه الكثير من القيود في الاستيراد والتصدير في بيع نفطه وشراء غذائه، اعتقد ان العراق الآن امامها فرصة اخيرة ليعود دولة له كامل السيادة كما باقي دول العالم، بالتزامها مئة في المئة بقرار مجلس الأمن، وليس أمامه فرصة ولا حتى 1% ـ د.البرادعي: ربما احاطت بك الشكوك مع هانزبليكس بسبب اعلانكما في البداية انه ليس هناك حاجة لقرار جديد من مجلس الأمن ثم التقيتما بالرئيس الأميركي ووزير خارجيته واخرين في الإدارة الأميركية وقبلتم ماكنتم ترفضونه؟ ـ هذه المسألة يشوبها سوء فهم، بالفعل نحن ذكرنا اننا لسنا بحاجة لقرار جديد لعودة المفتشين، ولكن وجدنا شبه اجماع من مجلس الأمن لصدور قرار يوجه رسالة واضحة للعراق، بضرورة الالتزام بمايفرضه المجتمع الدولي والا سيتعرض لعواقب وخيمة، ومن هنا بدأنا نتحرك أنا وبليكس وذهبنا ليس فقط الى واشنطن ولكن لبريطانيا وروسيا واتصلنا بالصينيين والفرنسيين، باعتبارنا الجهة المنفذة لهذا القرار المزمع اتخاذه، وللتأكد من أن القرار يعكس مهمة تتبع الأمم المتحدة بالكامل، ومن ثم تتبع فرق التفتيش للأمم المتحدة بالكامل، وان يعطي القرار صلاحيات كبيرة للمفتشين تساعدهم في اداء مهمتهم. ـ لماذا لم يتعامل مجلس الأمن مع كوريا الشمالية التي اعلنت امتلاكها للسلاح النووي، مثلما يفعل مع العراق، مرة أخرى نتحدث عن الكيل بمكيالين في الأمم المتحدة؟ ـ أولا ماصدر ضد العراق كان بالاجماع «15 دولة من أعضاء مجلس الأمن» ولا أحد يستطيع التشكيك في الاجماع، أما مسألة كوريا فهي مختلفة في ملابساتها وظروفها، العراق استخدم اسلحته الكيماوية، وقام ايضا بغزو دولة مجاورة «الكويت» واحتلالها، كوريا لم تفعل ذلك، ومع ذلك الوضع في كوريا غير مقبول. أما ازدواجية المعايير، فماذا يفعل العرب ازاء ذلك؟ الاكتفاء بالشكوى لن يؤدي الى تغيير في نظرة المجتمع الدولي للقضايا العربية، لابد من العمل للخروج من الاطار العاطفي ونتفهم الاطار الموضوعي الذي يتعامل فيه المجتمع الدولي وتدافع عن مصالحنا بحق، بالمشاركة الفعالة لتحقيق نظام شرعي دولي يكون مقبولا من الجميع. ـ هل أنت مصري عربي أم موظف دولي.. وأنت تقوم بمهمة التفيش؟ ـ أنا أنتمي للعائلة الإنسانية وعملي يرتبط بالشرعية الدولية وتطبيقها بصرف النظر عن المكان سواء العراق أو أي بلد اخرى هذا لا يغير من عملي شيئا. ولابد أن نخرج من نطاق العواطف والنظرة الاقليمية الضيقة والمبادئ الانسانية تعلو فوق الاعتبارات الاقليمية والوطنية والشرعية الدولية تعلو فوقها لانها تهدف لصالح البشرية كلها. ـ ولكن ووايكيوس وباتلر رئيسي لجنة الأنسكوم السابقين، قاما بغرس الشك في النفوس من تحول لجان التفتيش الى لجان للتجسس على العراق؟ ـ كانت هناك تجاوزات من لجنة الاونسكوم وقام مجلس الأمن بحلها، وشكل لجنة جديدة «الانموفيك» واللجنة الجديدة تتبع بالكامل ميثاق الأمم المتحدة، وكافة موظفيها دوليين ويلتزمون بالحياد والموضوعية، وفيما يتعلق بالانموفيك والوكالة الدولية للطاقة أكدنا للجميع وللعراق عندما قمنا بزيارته، اننا نسعمل ما في وسعنا وسنواجه أي تجاوز في هذا الشأن بكل حسم. ـ لماذا لم تضم اللجنة الا عددا قليلا من المفتشين العرب؟ ـ أولا يوجد عدد لا بأس به من العرب بين المفتشين حوالي 20، وبليكس طالب الدول العربية بارسال قوائم بالاسماء التي لديها الخبرة في هذا المجال، ولكن لم ترسل سوى الأردن ثلاثة اسماء، ويبدو ان البلدان العربية لا تحب ان تشارك في عملية التفتيش كنوع من الحرج من العراق ولا تريد ان تكون طرفا من قريب أو بعيد في هذه المسألة، وعلى كل فأنا أرى أن وجود مفتشين عرب ليس له سوى أهمية سيكولوجية فقط لأن النسبة ليست دليلا على الالتزام والحياد والنزاهة ونحن نحرص على ان كل شخص نختاره للتفتيش يكون ذا كفاءة ويتمتع بالحياد والموضوعية. ـ هل عملك في التفتيش عن السلاح النووي مرتبط بعمل لجنة الانموفيك؟ ـ نحن لجنتان منفصلتان، هو يعمل للبحث عن الاسلحة الكيماوية والبيولوجية والصواريخ التي يتعدى مداها 150 كيلو مترا ولجنتنا للسلاح النووي، ولكل منا نفس الصلاحيات ونجحنا نحن في الماضي في اداء مهمتنا بينما تعثرت اللجنة الأخرى لأن الأنشطة النووية تترك بصمات اذا ما تم نقلها أو اخفاؤها عكس الأسلحة الأخرى، وكل منا مطالب بتقديم تقريره لمجلس الأمن، ولابد من أن يؤكد التقريران ان العراق خال من كافة أسلحة الدمار الشامل. ـ هل لديكم معلومات تفيد عودة العراق للنشاط النووي؟ ـ لدينا بعض التقارير لدول حول محاولة العراق لشراء معدات تستخدم في اعداد السلاح النووي، وهناك تقرير توني بلير ولكنه لا يمثل دليلا على عودة العراق، لذلك تظل مجرد شكوك ونحن لا نبني نتائجنا على الشكوك، سنتحقق بأنفسنا من كل شئ. ـ أما زلت ترى ان أمام العراق فرصة للخروج من المأزق؟ ـ أرى أنها بصدد الفرصة الاخيرة وان العالم كله بخلاف الولايات المتحدة ليس على استعداد للتسامح أو التهاون معه، وعليه الالتزام الكامل للخروج من هذا المأزق الذي وضع فيه نفسه. ـ التفتيش يمكن أن يمنع الضربة؟ ـ التفتيش بديل للحرب وليس مقدمة لها والحرب ليست حتمية. ـ قمت بزيارة مصر واعتقد انك ستقوم بزيارات لبلدان عربية أخرى؟. ـ خلال الشهر المقبل سأقوم بزيارة الامارات العربية المتحدة وايران والهند وسيريلانكا واليابان، وأنا أعتقد أن زياراتي جزء من مهمتي الصعبة وهي ان اتصل بكافة الأطراف المعنية لتشجيع العراق وتحفيزها على تطبيق القرار، لأن عدم التزامها لن يصيبها وحدها بالضرر بل سيجلب على المنطقة كارثة لا نعلم مداها. ـ وصفت مهتمك بالصعبة.؟ ـ نعم هي مهمة صعبة ليس فنيا، فلدينا المفتشون الاكفاء والامكانيات الفنية التي تسمح لنا بأداء عمل جيد، ولكن المحك الأساسي لنا هو القيام بعملنا بحياد وموضوعية ونزاهة. القاهرة ـ مكتب «البيان»: