الجمعة 24 رمضان 1423 هـ الموافق 29 نوفمبر 2002 لم تكن تصريحات فرانسواز دوكروز الناطقة بلسان جان كريتيان رئيس الوزراء الكندي والتي وصفت فيها جورج بوش الرئيس الأميركي بـ «المعتوه» بعيدة عن تصورات الكنديين حيال جيرانهم الجنوبيين، فالذاكرة الشعبية الكندية تحفل بالكثير من الطرائف والنوادر وحتى الأشعار عن رعاة البقر المتهربين من دفع الضرائب، والذين يقضون أوقاتهم في البحث عن الوجبات الرخيصة في مطاعم ماكدونالد ودجاج كنتاكي. وجاءت تصريحات دوكروز في وقت تعرف فيه العلاقات الشخصية بين المسئولين الكندي والاميركي فتوراً لا يخفى على أحد من المراقبين، فإذا كان كريتيان قد حقق بسهولة تقدماً مع بيل كلينتون الرئيس الاميركي السابق، باعتبارهما «رفاق غولف» فإن العلاقة بينه وبين سيد القصر الأبيض الحالي استعصت كثيراً، وكادت تنتهي نهاية درامية، لولا أحداث 11 سبتمبر التي فرضت عليهما «زواج المصلحة» لمواجهة العدو المشترك: الارهاب قبل ان تطل الأزمة العراقية برأسها وتفرق بين الاثنين من جديد. المواجهات المعلنة والمكتومة طبعت تاريخ البلدين منذ جون اي ماكدونالد، رئيس وزراء كندا الأول الذي كان ينظر إلى الرؤساء الأميركيين ورجالهم بعين الاحتقار، وفي خطابه أمام البرلمان عام 1961 حاول الرئيس الأميركي الراحل جون كنيدي ان يزيل بعض الاشواك وقطع الاحجار التي تملأ الطريق بين أوتاوا وواشنطن، حيث حدد العلاقة الكندية ـ الاميركية كالتالي: «الجغرافيا وضعتنا جيرانا» والتاريخ اتخذنا أصدقاء، والاقتصاد جعلنا شركاء والضرورة جعلتنا حلفاء». غير ان ذلك لم يمنع جون ديفينبيكر رئيس الوزراء الكندي بعد أقل من عام نعت كنيدي بأقذع الكلمات «متهور وأحمق صغير جداً، عديم الخبرة، وابن ساقطة متبجح»!! وفي عام 1965 أي في ذروة حرب فيتنام، زار رئيس الوزراء الكندي ليستر بيرسون الرئيس ليندون جونسون في البيت الأبيض، وهناك أدلى بتصريحات قاسية حول الحرب، وعندما التقى جونسون في اليوم التالي كان الأخير غاضباً جداً، فأمسك ببيرسون من ياقة قميصه ورفعه عن الأرضية وهو يصيح «تبولت على بساطي»!! وتردت العلاقة الكندية ـ الاميركية ابان هد بيير ترودو اكثر رؤساء الوزراء الكنديين شعبية، والمثقف الثوري الذي ناكف واشنطن بزيارة هافانا وموسكو، وما زال الكنديون يتذكرون العبارة التي صاغها في نادي الصحافة الوطني في أوتاوا: «المعيشة بجانب الولايات المتحدة هي بشكل من الاشكال مثل النوم بجانب فيل، فمهما كان الفيل ودياً أو معتدل التوحش، فلا يستطيع أحد ألا يرتجف أو يتأثر بنخيره». وكشفت وثائق أميركية أخيرة رفع الحظر عنها، ان نيكسون كان يدعو ترودو في جلساته الخاصة بـ «المتسكع» ذلك ان ترودو عند زيارته الولايات المتحدة عام 1971 تخلف عن لقاء مبرمج مع نيكسون في المكتب البيضاوي فكان ان سأل هالدمان رئيس مكتب البيت الأبيض: «أين ترودو ابن الساقطة»؟ ثم التفت إليه وزير خارجيته هنري كيسنجر قائلاً: «بحق المسيح ألا تقل لنا أين هو هذا المغرور؟». وبعد عام من تلك الزيارة ألقى نيكسون خطابا أمام مجلس العموم قال فيه: «ليس بيننا وبين كندا جدار، لكن لدينا حذر كبير، وهذا لا يعني بأننا متشابهان، لكنه يعني أننا وجدنا طريقاً لمناقشة الاختلافات على نحو ودي بدون حرب». ولا ينسى الكنديون النسيان المتعمد لبلادهم في خطاب الرئيس بوش أمام الكونغرس بعد أحداث 11 سبتمبر والذي وجه فيه الشكر لجميع الدول التي تضامنت مع الولايات المتحدة عدا كندا، فقد غابت كندا تماماً في ذلك الخطاب، وشعر الكنديون وقتها ان الرئيس بوش تعمد عدم الاشارة إليها امعاناً في اهانتهم، ولعل الكثير منهم يشعرون الآن ان دوكروز قد ردت الاهانة وانتقمت لهم ولو بعد وقت متأخر. مونتريال ـ رضا الاعرجي:
