السبت 11 رمضان 1423 هـ الموافق 16 نوفمبر 2002 أكد خليل الهراوي وزير الدفاع اللبناني أهمية اليقظة وتعزيز المناعة الداخلية لمواجهة مخططات حل الصراع العربي الاسرائيلي بطريقة مفروضة على العرب، وقال ان توجيه تهمة الارهاب هدفه حض لبنان على التنازل عما بقي محتلا من ارضه. وبصفته عضوا في اللقاء التشاوري الذي يضم اربعين نائبا مسيحيا لبنانيا يقول الهراوي ان العلاقة المشتركة مع سوريا لا تنمو الا بعيداً عن لغتين هما لغة التعامي ولغة التزلف. واوضح ان ما يهدد الوجود المسيحي في لبنان هو التقوقع مؤكدا ان هناك قوى خارجية لها اطماع تحاول تحقيقها من خلال قوى موجودة على أرض لبنان وأنه كلما ترك المجال للتطرف على المستوى السياسي كلما وصلت الأمور الى حالة صدام. وقال الوزير اللبناني لابد من الاعتراف بأن هناك واقعاً طائفياً لايزال موجودا، وينبغي ان نخرج منه الى الدولة، كما اعترف بتقصير السياسيين ـ وهو منهم ـ في توعية المواطنين حتى لا يمكن خداعهم وجرهم الى مواقف لا تخدم المصالح اللبنانية. وهذا نص الحوار: ـ هناك ما تعده مطابخ التآمر الدولي للقضية الفلسطينية الا يفرض ذلك على لبنان نوعا من تماسك الجبهة الداخلية والوحدة الوطنية اكثر من اي وقت مضى؟ ـ المطلوب ان ينخرط جميع اللبنانيين في مشروع الدولة، خاصة واننا نلمس المشاريع المشبوهة التي تحضر بوضوح لمنطقة الشرق الاوسط. وهذا يدعو الجميع الى التيقظ وتعزيز المناعة الداخلية لمواجهة ما يطبخ من مخططات لحل الصراع العربي ـ الاسرائيلي، بدأت طلائعها تظهر في دفتر الشروط الاميركي المعد للقيادة الفلسطينية. فالتعاطي الدولي مع الصراعات ينزلق الى منحى خطير، بما يطيح بمبدأ سيادة الدول واستقلالها وحرية الشعوب في تقرير مصيرها، وبما لا يقيم اعتباراً للعدالة، ولتلبية المطالب المحقة. ان مصلحة لبنان تقتضي من اللبنانيين جميعا الالتفاف حول الدولة المركزية القوية والقادرة وحول مؤسساتها الدستورية، ولاسيما مؤسسة الجيش، لمواجهة مثل تلك المخططات في حال طرحت واسقاطها قبل بدء تنفيذها، او التلويح بها لفرض تنازلات تفرّط بالحقوق المشروعة تحت ضغوط التخويف والتهديد. ففي ظل هذه الظروف تشتد الضغوطات حول لبنان الدولة ومشروعها في مقاومة اسرائيل، من باب التهويل بتهمة الارهاب لحملة على التنازل عما تبقّى من ارضه تحت الاحتلال، والرضوخ لمستلزمات امن شمال اسرائيل على حساب امنه واستقراره الداخلي وحقوقه، وعلى رأسها منع توطين الفلسطينيين على ارضه. وهناك بعض المواقف الداعية الى فصل لبنان عن محيطه الجغرافي تحت شعار مصلحة لبنان، فيما هي نتيجة تقوقع اصحابها وانقطاعهم عن واقع مسيرة اعادة بناء الدولة بعد «الطائف، ومشروعها القائم على الوحدة الداخلية، وعلى التحالف الاستراتيجي مع سوريا لتدعيم الوحدة الوطنية وتثبيتها، ولمواجهة اسرائيل ومشاريعها واطماعها». ـ ما تقييمك للعلاقات السورية اللبنانية في الوقت الحالي؟ ـ هذه العلاقة المشتركة لا تتطور ولا تنمو الا بابتعادها عن لغتين: لغة التعامي، ولغة التزلف اللتين تحولان دون تبيين الواقع على حقيقته ودون معالجة المشكلات على تشعباتها وانواعها، وان البديل الحقيقي لهاتين اللغتين هو الحوار الدائم الذي تصب نتائجه لصالح مؤسسات الدولة الدستورية القادرة على تطوير العلاقة الثنائية المميزة واغنائها والارتقاء بها من مجالي الامن والسياسة الى رحاب الاقتصاد والثقافة والتفاعل الحضاري. فبهذه الطريقة يستطيع لبنان وسوريا ان يعالجا معاً جميع الملفات، ويراجعا جميع الاتفاقات لتصويب اي خلل يمكن ان يكون قد اعتراها، فيخرج اللبنانيون والسوريون اقوياء وقادرين على حماية الماضي وبناء المستقبل وصيانة خيارهم في التنسيق والتعاون، هذا الخيار الذي رسخ الوحدة بين اللبنانيين واسهم في تحرير ارضنا في الجنوب والبقاع الغربي. لذلك فانا من الداعين الى علاقة متكاملة ومتوازنة مع سوريا، سواء في هذا الظرف الصعب الذي نمر فيه او من دونه. ولا اقول ذلك تزلفاً ولا تملقاً، فلم التق يوما لا الرئيس «السوري» الراحل حافظ الاسد، ولا الرئيس الدكتور بشار الاسد. انما انا مؤمن بالعلاقة المتكاملة بيننا. واؤكد انه اذا كانت هناك ثغرات في العلاقة، او عدم توازن فيجب اعادة النظر حتى تبقى الامور في اطار علاقة الند بالند. واذا كنا نقول ان التزلف لسوريا ليس في محله فان العدائية، ايضا ليست في محلها، والدولة اللبنانية هي التي تقرر اين هو التوازن، واين الاخلال به اذا حصل. ـ بعض المطالبين باخراج سوريا من لبنان يرون في وجودها تهديدا للوجود المسيحي؟ هل هذا صحيح وما مصادر هذا التهديد؟ ـ الوجود المسيحي مهدد فعلا منذ العام 1975، وحتى منذ نشوء لبنان لكن التقوقع هو الذي يهدده ولا شيء سواه، وتقول المعادلة على هذا الصعيد انه كلما تقوقع هذا الوجود كلما برز في وجهه المزيد من التهديدات والمخاطر، وحتى فاعليته تواجه بدورها تهديداً، كذلك مشاركته في السلطة. لكن كلما انفتح الوجود المسيحي على الطرف الاخر، وعلى المشروع الوطني، كلما اكد حضوره وفاعليته ودوره ومشاركته. وهنا لا نتحدث فقط عن المسيحيين في لبنان، بل على مستوى الشرق بصورة عامة، اذ انه كلما تقوقع المسيحي في هذه الدولة العربية او تلك، وانزوى كلما هدد نفسه لكن كلما انفتح باتجاه المشروع الوطني في كل دولة، وكلما شارك بالسلطة كلما حافظ على وجوده. نقول، لذلك ان المطلوب باستمرار ان يشارك المواطن المسيحي بفعالية في المجتمع من حوله، وفي دولته وفي بيئته ايضا اجتماعياً وسياسياً وما شابه، كما ان المطلوب ان يشارك عربياً بطموحات هذه البيئة، فلا يكون خارج هذا الواقع. ومن خلال ذلك يمكن ان نفهم كيف برز قادة مسيحيون في تاريخ لبنان الحديث، عبروا عن المواقف والطموحات الحقيقية التي اوصلتهم الى افضل المشاركات في بناء الوطن والدولة. وقد لاحظنا ايضا ظهور اخرين عبروا على طريقتهم هم بصورة خاطئة، ورأينا الى اين وصلوا والى اين اوصلوا المسيحيين والبلاد بجميع طوائفها بصورة عامة. من هذا المنطلق، فاننا متمسكون بالاستمرار وفق نهجنا وخطنا باتجاه المزيد من المشاركة والحفاظ على حقوق المسيحيين، وهذا ليس نضالاً مسيحياً، بل هو نضال وطني واسلامي ايضا للمحافظة على مشاركة المسيحيين في السلطة والحفاظ على حصتهم فيها، وهذا ما يؤكده باستمرار «اللقاء التشاوري» والقادة المسيحيون غير الطائفيين في التعبير عن مصالح ابناء طائفتهم، والمطالبة بحقوقهم. ـ هل انشيء اللقاء التشاوري لمعالجة مخاوف المسيحيين؟ ـ اللقاء التشاوري ليس طائفياً ولا مذهبياً، بل له امتدادات على الساحة الوطنية، وحليف لقوى وطنية، ربما يكون تكوينه ذا ايحاء طائفي، باعتبار ان جميع اعضائه من النواب المسيحيين، الا انه انطلق من قواعد لا طائفية، ويحمل مشروعاً وطنياً شاملاً ومتكاملاً على مستوى لبنان كله. لذلك فان «اللقاء التشاوري» يثبت باستمرار على انه غير منعزل ولامنزو، ولا يفكر بمصلحة جماعة من اللبنانيين هم المسيحيون دون سواهم من المواطنين. لقد قيل الكثير حول هذا الموضوع، لكن اثبتنا ان «لقاءنا» التشاوري هو على مستوى الوطن لا الطائفة اياً كانت. فقد انشيء اللقاء التشاوري للتأكيد على ان هناك موقفاً مسيحياً غير الموقف المسيحي الذي يعبر عنه البعض باسم المسيحيين «يقصد لقاء قرنة شهوان»، هناك قوى مسيحية شاركت ببناء هذه الدولة، ووضع اتفاق الطائف وتنفيذه، وتحملت مسئولياتها، وواجهت مع القوى الوطنية، ومع الدولة اللبنانية، منذ العام 1989 «اتفاق الطائف» بمواجهة التمرد «ميشال عون» والمقاطعة «المسيحية للحكم»، اي ساهمت باختصار ببناء الدولة. وقد اعطت هذه المشاركة نتيجة على مستوى الوطن كله، وهي ليست نتيجة وهمية، بل هي واضحة وقائمة وموجودة على الارض. كنا نفضل ان تستمر الامور في هذا الاتجاه الوسط، لكن سمعنا بعض الاصوات تتكلم باسم المسيحيين وتقول ان الدولة لم تنجز اي شيء حتى الان، وان ما انجزته هو ضد مصلحة لبنان، والمسيحيين فيه بالتحديد، وحاول اصحاب تلك الاصوات ان يعبروا بشكل او بآخر بالايحاء بانهم يتحدثون باسم جميع المسيحيين. فقلنا نحن انه لابد من انذار هذا الصوت المسيحي النشاز في «دولة الطائف»، فتكوّن «اللقاء التشاوري»، وذلك انطلاقاً من اننا نفضل عدم وجود لقاءات طائفية او مذهبية. لكن هناك حقيقة يجب ان نعترف بها، وهي ان هناك واقعاً طائفياً موجوداً في البلد، ولكن يجب ان نطلع من الطائفة الى الدولة، وان نصعد من الطائفية الى الوطن، من خلال ايجاد القواسم «الجوامع» المشتركة بين كافة المجموعات المؤلفة للمجتمع السياسي اللبناني، وهذا يعني ان نطلع من التطرف باتجاه الاعتدال، وهذا توجه يجب ان يبقى دائماً في لبنان، خاصة واننا نلاحظ في تاريخنا الحديث مثلا، انه كلما تركنا المجال للتطرف ليأخذ مساحته على المستوى السياسي، كلما وصلنا الى حالة صدامية، وهذا امر طبيعي وبديهي فالتطرف من هنا، يولد تطرفاً من هناك. وبالتالي فانه بمقدار ما نشتغل ونلقى قواسم مشتركة بين تلك المجموعات التي يتألف منها مجتمعنا السياسي، ونوسع قاعدة الاعتدال فيما بينها، بمقدار ما نتمكن من حشر المتطرفين ووضعهم في الزاوية ـ وبهذا تكبر مساحة الاعتدال من اجل مصلحة الوطن. هذا المنحى هو الذي كنا نفضل ان نبقى سائرين فيه منذ العام 1989 حتى الان، ولكن عندما لاحظنا تكاثر بروز جماعات من هنا وهناك تتكلم باسم طوائفها، وبلهجة ونهج متطرفين، ومن اجل اهداف متعصبة ومتطرفة فانه بات من الواجب علينا ان نتحرك لمواجهة ذلك، حتى لو اضطررنا لان نتحدث باسم مجموعات طوائف، لكن من دون منطق ولا هدف طائفيين. فلو تحدثنا نحن كجماعة باسم المسيحيين، وتحدثت جماعة اخرى باسم المسلمين، وكانت هناك بين المجموعتين قواسم مشتركة على قاعدة الاعتدال في المجتمع السياسي اللبناني، لتوصلنا الى نتائج ايجابية على صعيد بناء الدولة المتماسكة، وصون الوطن والوحدة الوطنية. واعتقد اننا اكدنا نجاحنا في «اللقاء التشاوري» ضمن هذه الاهداف الكبيرة التي يجب ان يعمل من اجلها جميع اللبنانيين، كل من ضمن موقعه وطائفته ومجتمعه. فالاهم ان نلتقي في النهاية وهذا ما نعمل مع المخلصين من جميع الطوائف في سبيله. الى اين؟ ـ ما هو المدى الذي يمكن ان يصل اليه الحوار الذي يسعى اليه «اللقاء التشاوري» حتى مع المتطرفين المسيحيين في «قرنة شهوان»؟ ـ هناك اتجاه لتشكيل لجنة متابعة تحمل افكار «اللقاء التشاوري» السياسية، فنتصل بكافة الاطراف لشرح وجهة نظرنا، وجمع القوى السياسية على قاعدة هذه الافكار التي انطلقنا منها، ونعمل من اجل تنفيذها بالتعاون مع جميع المواطنين والقيادات التي تتصرف وطنياً بغض النظر عن انتماءاتها الطائفية. ويهمني التأكيد هنا ان «لقاءنا» ذاك منفتح على كل الناس، وهنا يجب التأكيد على قناعتنا بان الحوار لا يعني، ولا يجب ان يوحي باي شكل من الاشكال بانني متنازل عن موقفي بل هو يهدف الى الاتيان بقوى سياسية اخرى لنحاورها ونقنعها بأفكارنا، هذا هو مشروعنا اساساً، وبالتالي فان قول البعض باننا نحاور هذه الفئة ونرفض محاورة اخرى، غير صحيح، لاننا ملتزمون بمحاورة الجميع من القواعد ومن المنطلقات التي اشرت اليها. اما بالنسبة للايجابيات التي يمكن ان نحققها من خلال ذلك، فانني اقول ان القوى السياسية في حال كانت منخرطة في مشروع سياسي ما، لا يمكن ان نحقق اية ايجابية، لكن اذا كانت هذه القوى تعمل فعلا من اجل مصلحة لبنان، وتفتش حقاً عن مصلحة المسيحيين، فيمكن التفاؤل بان يحصل نوع من التلاقي بيننا وبينها. لكن لا يمكن ان نصل الى هذا المأمول به طبعاً، اذا كان لتلك القوى مشروع ما، ومنخرطة بقوى خارجية، ففي هذه الحالة من المستحيل ان نقرّبها الى مواقفنا، او نلتقي معها على موقف. فاذا كانوا يفتشون حقاً «وهنا لا اتحدث عن لقاء قرنة شهوان» فقط بل عن كافة القوى السياسية في لبنان، عن مصلحة الوطن، وعن تحقيق التفاعل الاسلامي ـ المسيحي في اطار الدولة، فانهم جميعهم يقرّبون الينا ونقرّب نحن بدورنا اليهم. لكن اذا كان الواحد منهم مرتبطاً بمشروع ما لتنفيذ اهداف خارجية داخل لبنان او ضمن المنطقة العربية بصورة عامة، فلن يقرّب الينا، وبالتالي فانه «يكشّ» ويظهر على حقيقته. ـ ماذا يمكن ان تكون طبيعة هذا المشروع ذي الارتباطات الخارجية والذي تشير اليه؟ ـ كلنا يعرف ان ثمة اطماعاً دولية تتزايد بلبنان نظرا لان واقعه الجغرافي والانساني يجعل القوى الدولية ذات اطماع وطموحات فيه وبالتالي نتساءل: كيف يمكن تحقيق مثل هذه الاطماع؟ وببساطة نجيب انها تتحقق من خلال قوى سياسية او اجتماعية موجودة على الارض. فمن الممكن اذن ان يكون لدولة ذات طموحات في لبنان لتغيير واقعه، وجود اكثر واكبر فيه من خلال قوى سياسية معينة يكون عملها «خربطة» الواقع لادخال ولتأمين مصالح تلك الدولة في لبنان. ـ لكن هل كل الشارع اللبناني متيقظ لهذه النقطة؟ ـ اتمنى ذلك. وعملنا الاساسي بث التوعية في نفوس المواطنين ليكونوا على دراية بما يدور من حولهم، فلا ينساقوا وراء الاخطاء والاحقاد والاوهام. انما يجب ان اعترف ان هناك نقصاً منا نحن كسياسيين في تحقيق التوعية اللازمة للمواطنين حيال مثل تلك الامور. فلم نشرح للناس وبالشكل الكافي فعلا ما هو مشروع «دولة الطائف» مثلاً. ويهمني ان افرّق بين الامور فاقول ان المشروع شيء والاداء شيء اخر، لذا كان من واجبنا ان نشرح ذلك المشروع اكثر فأكثر، ونؤكد عليه، حتى لا ينجر المواطن وراء شعارات واهية تسهم في اعادة البلاد والعباد الى دوامة الاقتتال والحرب، وهذا ما يرفضه جميع اللبنانيين، بكافة طوائفهم ومناطقهم واحزابهم وانتماءاتهم. لكننا استفدنا من تقصيرنا، وها نحن في هذه المرحلة نحن المواطنين، خاصة الطالب والشاب، ونقول لكل منهم: «ناقش، وحاور، وليكن لك رأيك الحر في مشروعي وكلامي واهدافي، ولكن ناقش غيري ايضاً». حوار ـ وليد زهر الدين: