الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 أكدت الدكتورة غنوة جلول نائبة بيروت في مجلس النواب اللبناني انه ليست هناك مخاوف من تجدد الحرب الأهلية في لبنان لأن ظروف تجددها ليست قائمة. وقالت ان الحساسيات الطائفية التي برزت تثير القلق ومن المهم تداركها. وأوضحت جلول عضو كتلة نواب بيروت التي يتزعمها رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني ان انتقاد الحكومة ظاهرة ايجابية كما قللت من أهمية التهديدات الاسرائيلية للبنان، قائلة ان الدولة الصهيونية تهول من أجل أن تثير مخاوفنا. بدأت النائبة اللبنانية بسرد الضغوط التي يتعرض لها لبنان قائلة. «لقد تعرضنا إلى الكثير من الضغوط، بلدنا كان محتلاً، وقد تضافرت كل الجهود للتحرير وطرد الاحتلال، هذا ما أنجزناه وانتصرنا في مايو عام 2000. من تلك الضغوط اصرار البعض في الخارج على الخلط بين المقاومة الوطنية المشروعة التي حررت الأرض من نير المحتل الاسرائيلي الذي استمر طوال عقود، وبين الارهاب، فقد ضغط ذلك البعض على لبنان انطلاقاً من ذلك. لكن هذا مجرد ادعاء خاطيء، فنحن واثقون ومصرون على موقفنا الوطني، ومجمعون حكماً ومسئولين وقيادات وشعباً بمختلف شرائحه وانتماءاته ومناطقه على اعتبار مقاومتنا لاسرائيل عملاً مشروعاً يشرفنا، ونفخر به أمام العالم وأمام أجيالنا المقبلة، وهو يحظى بتأييد ودعم الاتفاقات والمواثيق والشرائع الدولية، سواء في الحاضر أو على مر التاريخ. الضغوط كانت كثيرة، ومازالت، ولعل الضغط الاسرائيلي هو الأبرز والأقوى والأخطر، خاصة في ظل استمرار احتلال بعض أجزاء من أراضينا اللبنانية، وتحديداً في مزارع شبعا. لكننا واجهنا كل ذلك بقوة، وقد نجحنا، لأننا تمسكنا بحقوقنا. ـ تزايدت في الآونة الأخيرة تهديدات اسرائيل للبنان، خاصة منذ أن بدأ يقيم التجهيزات اللازمة لافادة قراه الجنوبية من مياه نبع الوزاني، إلى أي مدى يمكن أن تكون واردة حرب اسرائيلية جديدة ضد أهداف لبنانية في هذه المرحلة القلقة اقليمياً والمضطربة دولياً؟ ـ لا يسقط لبنان في أية لحظة احتمال قيام اسرائيل بعدوان جديد عليه ـ سواء كانت هناك تهديدات مسبقة، أو تلميحات الى ذلك، أو الاستناد الى ادعاءات وذرائع واهية أم لم تكن، فهي منذ العام 1948 وحتى الآن، وستبقى في حالة عدوان دائم على لبنان والأمة العربية. لكن اسرائيل قد تلجأ بين فترة وأخرى الى استخدام لغة التهديد والوعيد لبلوغ أهداف محددة، وقد مارستها مؤخراً على لبنان فعلاً، وهي نوع من الضغوط التي تعرضنا لها أيضاً من أجل أن نتنازل عن حقوقنا سواء في الثروات أو الأراضي، لكننا نحن متمسكون بما لنا من حق في المياه حتى آخر قطرة، وهذا ما تكفله لنا القوانين والاتفاقات الدولية المعروفة. ولعل من أهداف مثل تلك الضغوط برأينا أيضاً أن يتنازل لبنان عن المسلمات الوطنية التي يتمسك بها بالنسبة للصراع العربية الاسرائيلي. لكن التساؤل هل ستشن اسرائيل عدواناً عسكرياً جديداً على لبنان؟ فهذا أمر نترك الوقت يجيب عليه، وان كنا نتمنى ألا يحصل ذلك، لكن الأشياء تبقى مرهونة بما ستتطور اليه الأوضاع في المنطقة، أما حتى الآن، فلا تخرج تلك التهديدات عن كونها مجرد تهويل قد لا يتعدى حدود اطلاق المواقف والتخويف من بعيد وما شابه. فاسرائيل مشغولة الآن بالداخل الفلسطيني. اللبنانيون متماسكون ـ هناك قاعدة تقول انه «كلما ازداد الخطر من الخارج على لبنان، كلما تماسك الوضع الداخلي فيه»، لكن نلاحظ ان واقع ما هو حاصل في هذه المرحلة معاكس لذلك تماماً، ففيما الخطر الخارجي يزداد تفاقماً واقتراباً، يتزايد التماسك الوطني المنشود انهياراً وابتعاداً، لماذا يغرق لبنان في خلافات سياسية داخلية رغم حساسية الأوضاع الاقليمية والدولية بين فترة وأخرى؟ ـ الحقيقة انه يمكننا القول ان قوة لبنان تنبع من وحدته الوطنية، وبهذا المعنى يمكنني التأكيد على انه متماسك الى حد كبير في مواجهة أي عدوان، ونحن نحرص باستمرار على الدعوة دائماً الى مزيد من رص الصفوف، أعتقد ان السؤال يحاول طرح بعض النقاط المتعلقة بمواقف المعارضة. ـ لكن لقاء «قرنة شهوان» يمثل شريحة كبيرة من اللبنانيين؟ ـ انما نرى أيضاً ان «اللقاء التشاوري» يمثل شريحة كبيرة جداً من اللبنانيين، وتلتقي في ثوابت وطنية ومحددة على الصعيد الداخلي، وفي مقدمتها العلاقة الاستراتيجية مع سوريا، وان لبنان جزء من الوطن العربي، والتمسك ب«اتفاق الطائف». والحقيقة ان منطلقات «اللقاء التشاوري» الذي يضم 42 نائباً تدعو الى الارتياح والتماسك وازالة ما يقال عن خوف دائم لدى المسيحيين اللبنانيين، وان كانت لدى المسلمين اللبنانيين مخاوف أيضاً، لاشك ان هناك فريقاً من المسيحيين يلتقون مع «اللقاء التشاوري» في بعض النقاط، ويختلفون معه في البعض الآخر، لكن أمام هذا الفريق فرصة للتحاور مع «اللقاء التشاوري» والاتفاق على مسلمات والانتقال من الحوار الى العمل الجماعي المشترك الذي يعزز وحدة الجبهة الداخلية ويحصنها في وجه الصراعات والتحديات الخارجية. لذلك، فإنني أرى ان الوضع بشكل عام متماسك، لأن الأكثرية من اللبنانيين متفقة فيما بينها حقيقة». ـ في تقديرك اذن ان احتمال تجدد حرب أهلية أمر غير صحيح، أو غير دقيق على الأقل؟ ـ أعتقد أنه اذا كنت تريد أن تعمل حرباً، يجب أن تكون لها أرضية، فالحرب الأهلية لا تخلق من فراغ. كما ان لبنان لم يعد كما كان من قبل، بمعنى ان لديه مقومات تتيح للحرب الأهلية أن تحصل، فالناس بالدرجة الأولى، لم يعودوا مستعدين لها، فلو سألت أي لبناني عما يريده، لأجابك على الفور ان كل همه هو أن تكون لديه حياة مستقرة. لا أحد يريد هذه الحرب أو غيرها، وأقصد باختصار ان ظروف تجدد الحرب لم تعد قائمة، لا على مستوى القبول النفسي لدى اللبنانيين ولا على صعيد المعطيات الأخرى. ـ لكن نلاحظ ان هناك شحنة من الطائفية، وقد لمسناها في فترة من الفترات؟ ـ هذا يثير القلق بالتأكيد على الصعيد الداخلي، لكن من المهم جداً أن نتنبه الى وجوب أن نتخذ المزيد من الخطوات المرتكزة الى الخطاب الوطني، تماماً كما حصل في «اللقاء التشاوري». لذلك، فإن الشريحة التي تحس بالقلق صارت أقلية. وأمامها فرصة للتحاور مع الأكثرية، باتجاه أن يتم اللقاء الوطني الشامل، وينطلق العمل الجماعي على أساس «اتفاق الطائف». وثمة بند في هذا الاتفاق لالغاء الطائفية السياسية، واذا ما كان هناك من قلق طائفي، اذا جاز التعبير، فإن تذليله يجب أن يتم من خلال ذلك العمل، واللقاءات السياسية التي تجري عبر المؤسسات الدستورية، ومن شأن هذا أن يجنب لبنان الكثير من القلق، لاشك ان الحساسيات الطائفية التي برزت مؤسفة ومقلقة، لكن الأهم أن نتداركها. ونلاحظ في السياق نفسه ان التوافق الرئاسي الذي حصل مؤخراً، مازال ينعكس ايجاباً على البلاد، ثم جاء استقبال الرئيس اميل لحود لكل من «اللقاء التشاوري» و«قرنة شهوان»، بما يؤكد اننا قطعنا مسافات طويلة عن كل ما يتعلق بأي نوع من أنواع الحرب. فالمطلوب باستمرار، وأكثر فأكثر، أن يتم وقف الشحن الطائفي، وأن يتدارك الجميع مخاطره، وأن ينتقل الجميع الى مرحلة الحوار، ومن بعدها الى مرحلة العمل الجماعي والمشترك. ـ لماذا نلاحظ ان الحكومة القائمة معرضة دائما الى حملات انتقاد سياسية قاسية على أصعدة عديدة؟ ـ الحكومة هي السلطة التنفيذية، وهي مقدر أن تكون معرضة للكثير من الانتقادات، معرضة في الوقت نفسه للكثير من المدح، أقول ان القسم الكبير من النقد الذي تناول الحكومة هو سياسي بمجمله، «أي ان وراءه أهدافاً سياسية»، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لنا، كوننا في بلد ديمقراطي، حيث يكون هناك أناس منه في الحكم وآخرون يعارضونه. فإذا كانت المعارضة ترتكز الى مطالبة الحكومة بمزيد من العمل، واذا ارتأت ان ما تحقق يبقى دون الطموحات، فهذه ظاهرة جيدة وايجابية في حياتنا الديمقراطية. لذلك أقول ان الحملات التي تواجهها الحكومة هي ذات طابع سياسي، ولنكن صريحين، فنقول ان هناك بعض الأوضاع ليست في الحالة الممتازة التي نأملها، لكن هناك برنامجاً تعمل الحكومة من أجل تنفيذه، وهو مستند الى «البيان الوزاري» الذي نالت على أساسه ثقة مجلس النواب وفق الأصول الدستورية المتبعة. ولا يختلف اثنان على ان تنفيذ ذلك البرنامج لا يتم بقفزة، أو دفعة واحدة، بل بصورة تدريجية حتى يصل البلد، وعلى الأخص الوضع الاقتصادي فيه الى بر الأمان. وبانتظار أن يحصل هذا الأمر، فإن الحكومة كسلطة تنفيذية تحمل برنامجاً اقتصادياً، ستتعرض الى الانتقادات. ـ ما ملاحظاتك كنائبة على أداء حكومة الرئيس رفيق الحريري، مع العلم انك عضوة في الكتلة النيابية التي يرأسها؟ ـ هي حكومة يرأسها الرئيس الحريري، وهي حكومة ائتلافية من عدة فرقاء سياسيين، وعلى كل يجب أن نكون منطقيين، ونقول الأمور كما هي بواقعية وموضوعية، سواء كانت معنا أم ضدنا، فلا شك اننا، كوطن، وكشعب، خارجون من حرب محلية مؤسفة دامت لحوالي 17 سنة، أي ان لبنان كان منذ انتهاء الحرب، ومازال بحاجة الى الكثير والكثير جداً من الأمور، مثل اعادة الاعمار، ووضع سياسات في شتى القطاعات. ولقد وجدنا أنفسنا في عالم متغير، كان العالم يتغير ويتقدم طوال السنوات السبع عشرة التي تقاتلنا خلالها، والتي لم نتجمد فيها فحسب، بل تراجعنا كثيراً الى الوراء. فشهد العالم خلال تلك الفترة الطويلة تطورات معلوماتية وعلمية وتقنية وزراعية ضخمة، تطور في الاندفاع والمستوى نفسيهما في مختلف الحقول وشتى الميادين، فيما كنا نحن في غيبوبة عن الساحة العالمية عامة، وعن العالم العربي خاصة، فعندما كنت تقول «لبنان» أو «لبناني» للآخرين، تقفز أمامهم على الفور صور الحرب والتقاتل واراقة الدماء والتدمير وانهيار الدولة، وخلخلة المجتمع بمختلف مؤسساته الرسمية والأهلية. لذلك لم يكن النهوض بعد الحرب سهلاً على الاطلاق، كان على الحكومة أن تسرع في وضع الخطط والسياسات للنهوض، وتهتم بقطاعات أساسية، منها قطاع الاتصالات، حتى نعرف أين نقف فعلاً في هذا العالم المذهل بما حققه من تطورات وتقنيات لامعة، وحتى نبدأ بدرس كيف يمكن أن نعوض غيابنا ل17 سنة عن كل ذلك، وعما شابهه الكثير. لهذا، وبموضوعية أقول، ان المطلوب منا ان ننظر بعيون ايجابية الى ما حصل بعد الحرب، فقد خطا لبنان خطوات جبارة في ذلك الاتجاه، الى أن انعقدت القمة العربية الأخيرة في بيروت (أواخر مارس الماضي)، فاسترجعنا صورتنا الطيبة، ودورنا المميز في العالم العربي. وكذلك قمة الدول الفرانكفونية، هذا يجعلنا نستعيد وضعنا الحيوي أيضاً في الخريطة الدولية، خاصة بعد أن أنجزنا توقيع اتفاق الشراكة الأوروبية والذي يؤكد ان السياسات الاقتصادية لحكومتنا هي سياسات جيدة. وهذا يعطينا مصداقية، فليس من السهل أن ترفع دولة صغيرة مثل لبنان الى مستوى الدول الأوروبية النامية والمتقدمة والمتطورة. لاشك اننا قطعنا أشواطاً كبيرة في ورشة الانماء والبناء والاعمار، وأنجزنا مراحل أساسية من التنمية، خاصة في المناطق التي كانت تشكو الاهمال والحرمان حتى قبل الحرب، فجرى شق الطرق، وتوفرت شبكة الاتصالات، واقيمت المدارس ومؤسسات التعليم على اختلافها، اضافة الى الكثير من الأمور المماثلة التي تحققت في هذا الاتجاه. ويمكن القول ان السياسات الاقتصادية للحكومة الحالية وعلى مدى العامين من تشكيلها، استطاعت أن تنقل لبنان من النمو السلبي الى النمو الايجابي، فكان الوضع قبل ذلك أشبه بسيارة فقدت سيطرتك عليها لأنها من دون كوابح (فرامل). فكان عليك أولاً أن توقفها، ثم تصلحها لتواصل تقدمها الى الأمام، وهكذا نلاحظ ان أموراً كثيرة تحسنت في البلد، وبات هناك مستثمرون يعملون فيه، ويشغلون أموالهم، وهذا لا يمكن أن يحصل لو لم يترك لبنان مصداقية معينة لديهم، ونلاحظ أيضاً ان الحكومة نجحت في تخفيض العجز المالي العام تدريجياً. وباتت الدولة قادرة على أن تؤمن لخزينتها واردات أكثر من السابق. لكنني استدرك هنا، وبالموضوعية نفسها، لأقول ان مثل تلك الانجازات، رغم أهميتها القصوى، لا تعني ان الوضع مثالي، لا، لنكن صريحين، الوضع في لبنان ليس مثالياً، ومازالت أمامنا مهمات كثيرة نقوم بها جميعنا في الحكومة كما في المؤسسات الأخرى. يهمنا أن يقوم تضامن حكومي دائم ومتقدم باستمرار أكثر فأكثر، لأن من شأن هذا أن يسرّع في تنفيذ السياسات العامة الموضوعة. لاشك ان لدينا ملاحظات، لكننا نطرحها دائما في سياق ايجابي. لقد خضنا الانتخابات النيابية على أساس برنامج وطني شامل، أي «برنامج وطني» بكل ما تعنيه هذه العبارة من مضامين شاملة ودقيقة، وتحديات ورهانات على انجاز الأفضل من أجل لبنان واللبنانيين. ولم نغير لحظة في نهجنا هذا، وهذا ما نحن على تفاهم واتفاق تام مع شركائنا الأساسيين في الحكومة والمجلس النيابي والعمل السياسي والوطني عامة، والأهم ان ذلك لا يعني انه ليس لدينا انتقادات، بل العكس هو الصحيح، انما ننتقد لنعمل أفضل، وليس لوضع العصي في دواليب الذين يعملون. مازلنا بحاجة الى الكثير من التطوير في المستقبل، وعلى الأخص في المناطق، سواء بالنسبة للتنمية وتطوير العمل البلدي، وتعزيز الخدمات، ووضع سياسات تربوية ومعلوماتية واقتصادية متقدمة، من دون الاكتفاء بالتوصل اليها، بل بما هو أهم أي العمل على ترجمتها وتنفيذها. بيروت ـ وليد زهر الدين: