الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 خلال الايام القليلة الماضية قام رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني بجولة خليجية استهدفت الحشد لانجاح مؤتمر باريس 2 الذي يأمل لبنان ان يحصل من خلاله على نحو خمسة مليارات دولار لعبور ازمته الاقتصادية. «البيان» اجرت هذه المقابلة مع فؤاد السنيورة وزير المال اللبناني لالقاء الضوء على الواقع الاقتصادي الذي مايزال يدفع ثمن الحرب الاهلية التي انتهت منذ سنوات طويلة غير ان اثارها تبقى وفواتيرها لم تنته عملية سدادها بعد. يؤكد السنيورة ان ازمات لبنان يمكن التغلب عليها خصوصا وان العرب اعادوا اكتشاف لبنان بعد انفجارات 11 سبتمبر فأصبحوا يتوجهون اليه بعد ان كانوا يقصدون اميركا واوروبا، مؤتمر باريس 2 يفترض ان يعقد في العاصمة الفرنسية خلال الفترة من 15 ـ 18 نوفمبر ويراهن المسئولين اللبنانيون ان يحصلوا خلاله على ملياري دولار من اوروبا ومثلها من دول الخليج العربي اضافة الى مليار خامس من اليابان وماليزيا وكندا. وهذا نص الحوار : ـ ما الذي سيطرحه لبنان في مؤتمر باريس 2، وعلى الدول المشاركة فيه؟ ـ لا شك ان معالجة اوضاعنا الاقتصادية تتطلب احيانا اتخاذ قرارات صعبة، وهذا يحصل في كل دول العالم، حيث يتم اتخاذ قرارات تؤدي الى ترشيد حجم انفاق الدولة وتخفيضه وزيادة واردات الخزينة، فديون لبنان تقدر بثلاثين مليار دولار اميركي، وهو يدفع فائدة بمعدل وسطي يبلغ 13% فما نسعى اليه من خلال باريس 2 هو الحصول على تمويل من اسواق الدول المعنية باسعار فائدة السوق، ومن هنا فأن لبنان لايتقدم بالحصول على هبات انما على تمويل بشروط ميسرة جدا، الامر الذي سيساهم في تخفيف عبء خدمة الدين، وتأتي عمليات التخصيص والسنيد لتصب بالاضافة الى سلسلة الاجراءات الاخرى في هذا الاطار نفسه. من هنا كان لابد من النظر بجدية الى جوهر المشكلة وكيفية معالجتها، مع التأكيد على ان حل مشاكل لبنان تكمن فيه نفسه، وليس في اي مكان اخر فالخارج هو وسيلة دعم لاي حل، ولكن ليس الحل الناجز الذي يبقى ضروريا ومبنيا على ما نبذله نحن في ترتيب اوضاعنا من النواحي المالية والاقتصادية والسياسية. ـ ما هي الاسباب التي ادت الى تفاقم الاوضاع الاقتصادية والمالية في لبنان، والآليات التي اتبعت للخروج من الازمة القائمة؟ ـ كل ما يشغل بالنا حاليا هو الاوضاع المالية والاقتصادية وهو نتيجة طبيعية في ظل الظروف التي عاشها لبنان، مما ادى في كثير من الفترات الى حالة من عدم الثقة بالمستقبل فظروف الحرب والاحداث التي رافقتها واستمرت فترة طويلة من الزمن اضطر خلالها لبنان الى ان ينفق دون ان يترافق هذا الانفاق مع واردات تغطي حجم النفقات، مما ادى الى تراكم العجز في الموازنة وتزايدها سنة بعد اخرى، مع العلم انه قبل العام 1975 لم يكن هناك عجز في الموازنة بل كان هناك فائض. ـ كيف كان تأثير مرحلة النهوض بعد الحرب بالنسبة الى ذلك العجز ولماذا دفعت به دائما نحو التفاقم؟ ـ خلال الاحداث وبسبب المخاطر التي كانت سائدة تراجعت اهمية دور القطاع الخاص في حركة الاقتصاد اللبناني على حساب دور متزايد للقطاع العام، حيث زاد عدد الذين دخلوا الى هذا القطاع خلال الحرب، وبعدها، لاسيما في قطاعات الاجهزة العسكرية والامنية، ووزارة التربية الامر الذي ادى الى تزايد اعباء الدولة، بشكل لا يمكن للاقتصاد ان يتحمله، وقد تختلف الرؤى حول هذه الظروف ولكن الضرورة كانت تقتضي زيادة حجم اجهزة الدولة حتى تعالج المشاكل الناجمة عن كل هذه الاحداث والتطورات. ـ ما التأثيرات الاقليمية والظروف الخارجية التي لعبت دورا فيما وصلت اليه الاوضاع الاقتصادية تلك؟ ـ عندما انتهت الحرب في لبنان، كانت المنطقة تشهد تطورات خطيرة بسبب حرب الخليج الثانية «العراق ـ الكويت» الامر الذي ادى الى استنفاد مدخرات كبيرة في المنطقة لا بل رهن واردات دول الخليج المستقبلية، كذلك ترافقت نهاية تلك الحرب مع سقوط الاتحاد السوفييتي، وانهيار منظومته، وبالتالي اصبح العالم يخضع لقوة واحدة، ما اثر على المساعدات والهبات التي كان من الممكن ان يحصل عليها لبنان، والتي اصبحت نادرة، وقد حاول هو معالجة مشاكله بالاعتماد على قدراته الذاتية، وعلى القروض الميسرة التي يحصل عليها وعلى دعم الدول الشقيقة، والصناديق والمؤسسات المالية الدولية. وكان لبنان في هذه الفترة واقعا تحت الاحتلال الاسرائيلي وبالتالي فقد كان اقتصاد ينوء بتأثيرات هذا الاحتلال، بالاضافة الى معاناة حوالي ثلث المواطنين اللبنانيين من الازمة الناشئة عن مشكلة المهجرين والتهجير الذي حصل خلال سنوات الحرب، فكانت معالجة كل هذه المشاكل على حساب التوازن في الموازنة والمالية العامة، مما ادى الى زيادة حدة العجز، وبالتالي زيادة الدين العام، وانسحب ذلك ايضا على مستوى معدل المخاطر في البلد، الامر الذي ادى الى ارتفاع معدلات اسعار الفائدة التي تقترض منها الدولة والقطاع الخاص معا، وحصلت المنافسة بينهما على هذه الموارد، وادى الى تنامي كلفة الدين العام. قصة العجز مسلسل طويل ـ ألم يكن للمشكلات الاجتماعية والازمات المعيشية المتزايدة تأثيرات سلبية كبيرة جدا دفعت بالاقتصاد الوطني الى مزيد من الانهيار بسرعة يصعب لجمها او وقفها؟ ـ لا يخفي على احد بطبيعة الحال، ان ممارسة العمل السياسي ومارافقه من ضجيج وتشنجات ادت الى تفاقم الامور، وحصل نوع من الشكوك حول علاقة الدولة والمواطن، ودفعت بالاخير الى ابداء عدم استعداده لتقبل كل هذه الظروف والاوضاع، فمنذ العام 1994 ولغاية 1998 عرض موضوع سلسلة الرتب والرواتب، وكان هناك مطلب بتعديل الرواتب والاجور في القطاع العام الذي كان عدده كبيرا، والى ازدياد، وكان موقف الحكومة ووزارة المالية يؤيد وجود ضرورة لانصاف العاملين في الشأن العام ولكن بالتزامن مع شرطين قبل الاقدام على هذه الخطوة الاول هو ترتيب المال اللازم لدفع المبالغ التي تصل الى حوالي 650 مليار ليرة لبنانية، بما في ذلك اموال الاساتذة والمعلمين، اي ايجاد مصادر مالية لهذه النفقة. اما الشرط الثاني فهو البحث في كيفية تحقيق زيادة في الانتاج والانتاجية لتبرير فرض اعباء جديدة على اللبنانيين مثل تحسين نوعية الخدمة وزيادتها. واستمر الحوار بشأن ذلك اربع سنوات، وخلال هذه الفترة اي في العام 1996 اقرت الزيادة للعاملين في قطاع التعليم الرسمي دون ان يصار الى تدبير المال اللازم، الامر الذي عنى مزيدا من العجز الاضافي بل على العكس، عندما وصل المشروع في نهاية المطاف الى اللجان النيابية متضمنا بعض البنود الاصلاحية كزيادة ساعات العمل، وانتقاء الموظف على اساس اللكفاءة صدقت هذه البنود، وجرى اقرار الزيادات دون المواد الاصلاحية، وهكذا ترتب على الدولة مبالغ دون ان يجري تدبير المال اللازم فزاد العجز، وبفائدة مرتفعة، وحصل دين اضافي دون انتاجية في الاقتصاد مما ادى الى زيادة المخاطر ثم اضرب المعلمون مطلع العام 199 وقالوا انهم وافقوا على الزيادة على اسس ساعات عمل اضافية، الامر الذي ادى الى نشوء ما يسمى «بالبدل المالي» على اساس ساعات لم تزد في القطاع العام، مع ان الدولة لم تنكر احقية المطالب المرفوعة الا ان الامر كان يتطلب ضرورة التوفيق بين الموارد والنفقات، الا اننا اصبحنا امام 650 مليار ليرة كدين اضافي، ارتفعت فوائدها على مدى اربع سنوات مما عكس حالة من عدم الارتياح في الاقتصاد، واثر ذلك على معدلات النمو والضرائب، وعلى حركة القطاع الخاص بنتيجة الامر الناتج عن سعر المال وفرق المخاطر. لم يعد هناك ما يسمى سلفات خزينة وترتيب نفقات اضافية دون تأمين المبالغ اللازمة لها، فقبل ترتيب اعباء اضافية يجب ان نفكر بالايرادات. البحث عن واردات ـ ما هي الحلول التي اتبعتها الحكومة والخطوات التالية التي تعتزم اتخاذها في مواجهة ذلك الواقع المالي والاقتصادي المتردي؟ ـ «اذا كان لابد من النظر الى مكونات المشكلة، فالدولة يجب ترشيد انفاقها مع المحافظة على الانفاق الاجتماعي والصحي والتعليمي، طبقاً في موازاة ضرورة زيادة وارداتها، ويمكن اختصار الخطوات المطلوبة بنقاط أساسية أبرزها: ـ زيادة الواردات ـ تنشيط القطاع العام وترشيده وتخفيض حجمه الذي لا يمكن للاقتصاد أن يتحمله. ـ اعطاء المبادرة للقطاع الخاص ليأخذ دوره الطبيعي في الاقتصاد. ـ زيارة الانتاجية بزيادة ساعات العمل، مع التذكير بأنه لا يوجد أي بلد في العالم، سواء في الدول المتقدمة أو الفقيرة، يعمل 32 ساعة اسبوعياً، كما هو الوضع الموجود لدينا، وذلك يعني انه يجب زيادة تنافسية الاقتصاد عن طريق زيادة ساعات العمل. ـ تخصيص القطاعات التي ترهق الدولة والقيام بعمليات التسنيد. فهذه «السلّة» من الاجراءات والسياسات ضرورية ليتسنى لنا الحصول على دعم الآخرين، وبناء على ذلك أعدت موازنة العام 2002 في هذا المسار، وكذلك مشروع الموازنة الجديدة للعام 2003 المبنية على ما تحقق في تفنيذ موازنة العام الجاري، وهي تؤكد على ارادة الحكومة في معالجة الأوضاع الاقتصادية المالية مع رؤيتها للعالم وتطوراته السياسية التي حصلت بعد 11 سبتمبر العام الماضي، وتداعياتها المستمرة حتى الآن، حيث أصبح لدينا امكانية في تحويل هذه المشكلة العالمية الى فرصة مواتية ومفيدة للاقتصاد اللبناني، الأمر الذي يتطلب منا جهداً استثنائياً، لاسيما وان لبنان استطاع على مدى سنوات عديدة أن يعيد بناء جزء كبير من بناه التحتية والبشرية. الأمر الذي أتاح للعرب اعادة اكتشاف لبنان من جديد بعد 11 سبتمبر (المذكور) كمركز للخدمات السياسية والصحية والاستشفائية والتعليمية والاستثمارية، في ظل تعرضهم لنوع من التنكيل في دول أخرى، وهنا أشير الى أقدام الاشقاء العرب على شراء العديد من العقارات في لبنان، ومن هنا فإننا قادرون على اغتنام هذه الفرصة لنعيد للبنان قدرته التنافسية». ـ ذلك أبرز ما قدمته الحكومة بالنسبة للقطاع العام، فما هي تقديماتها الأساسية للقطاع الخاص الذي يمثل العصب الحيوي الأساسي في الاقتصاد اللبناني؟ ـ لقد عمدت الدولة الى تخفيض معدلات الجمارك وكلفة الضمان الاجتماعي وتوفير القروض الميسرة له من خلال المصارف، ومؤسسة «كفالات» و«المؤسسة العامة للاسكان»، وقد وصلت المبالغ التي حصل عليها القطاع الخاص من هذه المؤسسات بضمانة الدولة الى ما يزيد على 900 مليون دولار بفوائد تتراوح ما بين 3.5% و5.5% ولمدة أربع وسبع سنوات، وبالتالي فإن تحسن المنظور المستقبلي المترافق مع هذه الاجراءات سيؤدي الى نتائج ايجابية على صعيد النمو وخلق فرص العمل، وتخفيف الأعباء عن الخزينة، واتاحة الفرصة أمام القطاع الخاص ليلعب دوره الأساسي في عملية النهوض الاقتصادي. ـ كيف خفضت الدولة الرسوم الجمركية؟ ـ يمكن القول ان 37% مما يستورده لبنان لا يخضع لأية ضريبة جمركية، و46% يخضع لرسوم 5% و83% لصفر و5%، وبقية الرسوم من البنزين والدخان والمشروبات والسيارات. ـ هناك شكوى من السياسة الضريبية للدولة ومن ارتفاع الضرائب، والاتجاه الدائم الى فرض المزيد منها على المواطنين.. لماذا؟ ـ نظام الضرائب عندنا معقول وهو بمعدل 15% كضريبة دخل على الأفراد، تصل بحسب الشرائح الى 21%، مع اعفاء ذوي الدخل المحدود من أي ضريبة دخل حتى مليون ليرة شهرياً.. أما ضريبة القيمة المضافة فهي 10%. وذلك بحسب «السلة التي سيشكلها المواطن، وهي قيادية وعادلة، كما ان من شأن تطبيق الضريبة المضافة الحد من التهرب الضريبي، وهناك تحسن في توسيع قاعدة المكلفين البالغ حالياً 125 ألف مكلف، كذلك فإن الدولة تعمل على تحسين ادارة الضرائب، فهناك 76 ألفاً من العاملين في القطاع العام والمتقاعدين جرى «توطين» رواتبهم في المصارف، ومع نهاية العام الجاري سيبلغ عدد هؤلاء 120 ألفاً مع المتقاعدين، كما ان وزارة المالية هي بصدد انجاز برنامج وحدة المكلفين الكبار السنة المقبلة. بيروت ـ وليد زهر الدين: