الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 عاد موضوع محاكم أمن الدولة في مناطق السلطة الفلسطينية يطفو على السطح مجدداً. ففي جلستها المنعقدة في مقر جهاز الأمن الوقائي بغزة، مساء يوم 24 أكتوبر 2002، أصدرت محكمة أمن الدولة حكماً بالإعدام رمياً بالرصاص بحق أكرم محمد نظمي الزطمة، (22 عاماً)، من سكان رفح. في الحوار التالي مع راجي الصوراني مدير المركز الفلسطيني لحقوق الانسان في غزة يكشف خفايا ظاهرة العملاء التي تؤرق المقاومة والمجتمع الفلسطيني بوجه عام: ـ ما موقفكم من مثل هذه الاعدامات المتتالية لعملاء اسرائيل ؟ ـ قوات الأمن الفلسطيني اعتقلت الزطمة في أغسطس 2002، ووجهت له تهمتي التخابر مع جهة أمنية أجنبية معادية بقصد الإضرار بالمصالح الوطنية العليا، وإضعاف الروح المعنوية وروح المقاومة للشعب الفلسطيني. كما وجهت له، تهمة القتل قصداً وبالاشتراك في اغتيال المواطن صلاح شحادة، وذلك في أعقاب جريمة الحرب التي نفذتها قوات الاحتلال في حي الدرج بغزة في 22 يوليو 2002، لاغتيال شحادة، وقد سقط خلال هذه الجريمة 16 مدنياً فلسطينياً بينهم 8 أطفال. وتعلمون ان محكمة أمن الدولة الفلسطينية كانت قد أصدرت حكماً بالإعدام رمياً بالرصاص بحق أمين أحمد إبراهيم خلف الله، 31 عاماً، من مخيم خانيونس، بعد إدانته بتهمة التعامل مع جهاز المخابرات الإسرائيلي، وذلك في جلستها المنعقدة بتاريخ 19 أكتوبر 2002. وقبل يوم من ذلك، أي بتاريخ 18 اكتوبر 2002، كانت المحكمة أصدرت حكماً يقضي بإعدام وليد راضي إبراهيم حمدية، 39 عاماً، من سكان حي الشجاعية بغزة، رمياً بالرصاص، بعد إدانته هو الآخر بتهم التخابر مع المخابرات الإسرائيلية، وقتل خمسة فلسطينيين. وفي الحالتين، انعقدت محكمة أمن الدولة في مقر المخابرات العامة الفلسطينية بمنطقة السودانية، واتسمت المحاكمتان بالسرعة المفرطة وغياب المعايير المتعلقة بالمحاكمة العادلة، ولم يدعَ لحضور المحاكمتين سوى عدد محدود من الأفراد، بينهم صحافيون. هذا مع العلم بأن كل من خلف الله وحمدية كانا رهن الاعتقال دون محاكمة لدى السلطة الفلسطينية منذ 17 اكتوبر 1998 و25 يناير 2001 على التوالي. ـ هل المركز الفلسطيني لحقوق الانسان بصدد اتخاذ موقف ازاء المحاكمات التي تتم بلادفاع عن المتهمين ؟ ـ نفذت السلطة الفلسطينية لاول مرة منذ قيامها عام 1994يوم «13 يناير 2001، حكم الإعدام رمياً بالرصاص بحق اثنين من الفلسطينيين بعد إدانتهما من قبل محكمة أمن الدولة العليا الفلسطينية بالتعامل مع إسرائيل وتقديم معلومات مكنت أجهزة الأمن الإسرائيلية من تنفيذ عمليات اعتقال واغتيال لعدد من الناشطين الفلسطينيين. وأثارت الانتقادات التي وجهها في حينه المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان وعدد من منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية لتنفيذ حكم الإعدام جدلاً على المستوى المحلي، واستخدمت هذه الانتقادات من قبل البعض للتحريض على حركة حقوق الإنسان الفلسطينية ووضعها بصورة مشوهة في موقع المدافع عن العملاء. ـ العملاء ظاهرة خطيرة تهدد المجتمع الفلسطيني كيف يمكن الحد من هذه الظاهرة؟ ـ إن عملاء الاحتلال الإسرائيلي هم جزء لا يتجزأ من بنية الاحتلال ومن أخطر أدواته وأذرعه المزروعة في جسم الشعب الفلسطيني، ينفذون ويساهمون في تنفيذ الجرائم المستمرة التي تواصل قوات الاحتلال اقترافها بحق الشعب الفلسطيني. وموقف المركز من جرائم العملاء لا يختلف عن موقفه من جرائم الاحتلال التي تمثل جرائم حرب يجب معاقبة مقترفيها من قادة وجنود الاحتلال وتقديمهم لمحاكم دولية، بموجب القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. وفيما تكون ملاحقة مجرمي الحرب من قادة قوات الاحتلال وجنوده مهمة دولية، فإن مهمة ملاحقة عملاء الاحتلال وتقديمهم للقضاء هي مهمة فلسطينية بحتة، ينبغي الوقوف أمامها بكل حزم، وتتحمل السلطة الوطنية الفلسطينية المسئولية الكاملة، كحق وواجب، لتنفيذ هذه المهمة في إطار من القانون. ـ هل فعلا ان السلطة الفلسطينية التزمت لاسرائيل ايام رابين بعدم المس بالعملاء كجزء من صفقة اوسلو ؟ ـ إن حركة حقوق الإنسان رفعت صوتها عالياً منذ نحو سبعة أعوام منتقدة اتفاقية التسوية المرحلية التي قدمت فيها منظمة التحرير الفلسطينية ضمانات بعدم ملاحقة العملاء ومضايقتهم، واعتبرت في ذلك تنازلاً غير مبرر عن حقوق مشروعة للشعب الفلسطيني بملاحقة هؤلاء المجرمين وتقديمهم للعدالة. وفي هذا السياق ينص البند 4 من المادة 20 من اتفاقية التسوية المرحلية الأولى الموقعة بين منظمة التحرير وإسرائيل عام 1994 «اتفاق حول قطاع غزة ومنطقة أريحا» على ما يلي: «مع تولي السلطة الفلسطينية زمام الحكم، يلتزم الجانب الفلسطيني بحل مشكلة أولئك الفلسطينيين الذين كانوا على اتصال بالسلطات الإسرائيلية. وإلى أن يتم التوصل إلى حل متفق عليه، يتعهد الجانب الفلسطيني بعدم محاكمة هؤلاء الفلسطينيين أو إلحاق الأذى بهم بأي شكل». وقد تضمنت الاتفاقية الإسرائيلية - الفلسطينية المرحلية حول الضفة الغربية وقطاع غزة الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1995 ضمانات مماثلة للعملاء، حيث نصت المادة 16 - 2 على ما يلي: «الفلسطينيون الذين أقاموا صلات مع السلطات الإسرائيلية لن يكونوا عرضة لأعمال المضايقة أو العنف أو التعسف أو المحاكمة. وسيتم أخذ إجراءات ملائمة ومستمرة بالتنسيق مع إسرائيل من أجل ضمان حمايتهم». ومع أن هذه القيود تنطبق فقط على العملاء قبل توقيع اتفاقية التسوية المرحلية، كان تقديم ضمانات بعدم المس بالعملاء وملاحقتهم وفقاً للقانون انتقاصاً وتنازلاً عن حق مشروع للشعب الفلسطيني الذي عانى ولايزال من جرائم الاحتلال وعملائه. ويرفض المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بشكل قاطع أي تقاعس من جانب السلطة الفلسطينية عن فتح ملفات جميع العملاء واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، وذلك تأكيداً على مبادئ سيادة القانون وأنه لا ينبغي التسامح مع كل من يخالف القانون، وأن العملاء لا يمكن أن يكونوا فوق المساءلة القانونية. أبوظبي ـ جمال المجايدة: