الاثنين 29 شعبان 1423 هـ الموافق 4 نوفمبر 2002 أعلن صدام حسين الرئيس العراقي، ان بلاده تستعد لأي هجوم أميركي وكأن الحرب سوف تقع بعد ساعة، مشيراً إلى ان الحرب لن تكون نزهة للقوات الأميركية والبريطانية. وقال في حوار نادر أجرته معه الاسبوع الماضي صحيفة «الاسبوع» المصرية ونشرته أمس، ان العراق لن يكون أفغانستان، وهذا ليس معناه اننا أقوى من الولايات المتحدة، فهذه الأخيرة تملك الأساطيل والصواريخ البعيدة المدى، لكن العراق يملك الإيمان بالله والوطن. وحذر صدام من ان الدول الكبيرة مثل العراق وسوريا والسعودية سوف تقسم الى امارات صغيرة، وتوضع مناطق النفط ومنابعه في أيدي هذه الدويلات الصغيرة كحارس وليس كحاكم على هذه المنابع. وأضاف ان باصاً واحداً في بغداد، يستطيع استيعاب جميع المعارضة العراقية، مشيراً الى انها لا تثير قلقاً حقيقياً لنظامه، وفيما يلي نص الحوار: ـ كيف تقيّمون الموقف العربي من قضية العراق، وما يواجهه من حصار وتهديد بالعدوان والحرب؟! ـ نحن لا نطلب من الزعماء العرب أكثر مما هم قادرون على إعطائه.. نحن نقدر ظروف كل دولة وموقعها على الخارطة السياسية وقدرتها على العطاء، فالعطاء نسبة وتناسب.. وهو نتيجة ظروف تاريخية وقدرات شخصية ورؤي خاصة بزعيم كل دولة.. لكننا مرتاحون عمومًا على أية حال.. فالإيجابيات تزداد والسلبيات تتراجع.. والموقف يتحسن لصالح العراق عمومًا. دعني أقل لك بصراحة نحن نركز علي الإيجابيات ونترك السلبيات لتنسحب أو تتلاشى من تلقاء ذاتها بوضوح الرؤى الصحيحة.. عندما تفرض نفسها على المسرح السياسي. ـ لكن سيادة الرئيس لابد وان لك ملاحظة هنا أو هناك على مواقف بعض الدول العربية من المسألة العراقية.. فنحن ندرك ان هناك بعض القصور في مساندة العراق! ـ أنا لا أهتم إلا بالإيجابيات وكما قلت ان السلبيات سوف تنسحب من تلقاء ذاتها عندما يتأكد للجميع صدق نوايانا.. ودقة ظروفنا.. وما يدبر لنا ولهم.. فالعراق ليس هو البلد العربي الوحيد الذي توجه المؤامرات ضده.. الولايات المتحدة تريد ان تفرض هيمنتها على المنطقة وهي في سبيل تحقيق ذلك لابد وأن توجه عداءها للدول العربية وخاصة الدول المفصلية الرئيسة وكل هذا يصب لصالح الكيان الإسرائيلي والصهيونية العالمية. تدمير المراكز ـ سيادة الرئيس ماذا تريد الولايات المتحدة من العراق تحديدًا؟ ـ الولايات المتحدة تريد تدمير مراكز القوى في كل الوطن العربي.. سواء كان هذا المركز موجودًا في القاهرة أو دمشق أو بغداد! انظر حولك لترى ما يحدث في المنطقة.. تأمل ما يجري ويحدث في جنوب السودان من محاولات لفصل الجنوب عن الشمال وتأثير ذلك على الشقيقة الكبرى مصر وأمنها القومي والأمن القومي العربي عموما!! انظر إلى ما يجري في الجزائر وانظر إلي ما جرى ويجري في الصومال وكل (دول القرن) الافريقي.. انظر الي ما يحدث في فلسطين المحتلة وما فعله شارون بأشقائنا الفلسطينيين.. كل ذلك يكشف أبعاد المخطط الذي يحاك ضد أمتنا العربية. ـ سيادة الرئيس إذا ما تركنا التعميم واقتربنا من التخصيص.. ماذا تريد الولايات المتحدة الأميركية من العراق تحديدًا؟ ـ الولايات المتحدة تريد ان تفرض هيمنتها على الوطن العربي وكمقدمة تريد السيطرة علي بغداد وضرب العواصم المتمردة والرافضة لهذه الهيمنة، ومن بغداد المسيطر عليها عسكريا تضرب دمشق وطهران ويجري تقسيمهما وتخلق مشاكل كبرى للسعودية وتحاول خلق كيانات صغيرة ليحكمها خفراء وحراس يعملون لصالح الولايات المتحدة بحيث لا تكون هناك دولة أكبر من إسرائيل كمًا وكيفا، ويكون البترول العربي تحت سيطرتها، وتصبح المنطقة وخاصة منابع البترول بعد تدمير أفغانستان تحت هيمنة الولايات المتحدة الأميركية كاملة.. وكلها أمور تصب في صالح إسرائيل، والهدف هو ان تتحول إسرائيل في ظل هذه الاستراتيجية إلى امبراطورية كبرى في المنطقة. إن مشكلة العراق في كل هذا أنها تتصدى لكل هذه المخططات دون ان يدرك الآخرون اننا ندافع بالنيابة عنهم وليعلم الجميع ان أحدا لن ينجو مما يحاك حاليا للعراق، فالجميع في نظر الولايات المتحدة وإسرائيل سواء وما يجري لنا أو يدبر لنا اليوم سوف يجري ويحدث لغيرنا غدًا. منابع النفط ـ وهل يمتد مخطط التقسيم إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج؟ ـ أنا لست مع الرأي القائل إن السعودية مثلا سوف تقسم لصالح اليمن أو عُمان أو أن هناك احتمالاً لاختفاء المشيخات أو بعض إمارات الخليج.. بالعكس انني اتصور أن نموذج المشيخات والامارات الصغيرة سوف ينتشر في المنطقة، وبناء على ذلك فإن كل الدول الكبيرة مثل العراق أوسوريا أو السعودية سوف تقسم إلى إمارات صغيرة وأن توضع مناطق البترول ومنابعه في ايدي هذه الدويلات الصغيرة كحارس وليس كحاكم إلى هذه المنابع، وهذا يسخر كل شيء لصالح الولايات المتحدة لتصبح مسيطرة بالكامل على مناطق البترول ابتداء من الجزائر الى دول بحر قزوين بعد أن هيمنت على افغانستان وهي الآن بصدد الإعداد للهيمنة على العراق وايران وسوريا.. ـ سيادة الرئيس.. اعترفت كوريا الشمالية او لنقل انها أعلنت دون أي ضغط عليها مؤخراً.. ان لديها برنامجًا نوويًا.. ومع ذلك لم نسمع او نر أي رد فعل عدائي من الولايات المتحدة الأميركية مماثل لرد الفعل الذي تواجه به الولايات المتحدة العراق برغم ما أعلنه العراق من خلوه من وجود مثل اسلحة الدمار الشامل كما أعلن وأيده في هذا المفتشون الدوليون.. ومع ذلك تركز الولايات المتحدة الأميركية حملتها ضد العراق وحده وتترك كوريا الشمالية التي تعترف بذلك لماذا هذا الموقف في تقديركم؟ ـ باختصار.. لأن كوريا الشمالية ليس لديها بترول هذا أولاً، وثانيا.. لأن كوريا ليست عدوًا لإسرائيل ولا هي قريبة منها. السجون بلا نزلاء ـ سيادة الرئيس أريد أن أسأل عن شيء أعرفه لكنني أريد أن اتأكد اكثر.. هل لديكم أسرى كويتيون لم تفرجوا عنهم بعد.. مع ملاحظة أن الكويت تشترط للمصالحة ضرورة أن تفرجوا عن هؤلاء الأسرى؟ ـ أنت تعلم والكل يعلم أننا قد اصدرنا قرارنا بالإفراج عن كل المساجين سواء كانوا سياسيين أو جنائيين ومنهم العرب وليس العراقيين فقط واستثنينا من ذلك الجواسيس لصالح اسرائيل والولايات المتحدة.. حتى القتلة أفرجنا عنهم بشرط الاتفاق بين أهل القاتل والمقتول والعفو بناء على رغبة الطرفين.. واصبحت السجون العراقية هي السجون الوحيدة على مستوي العالم ـ ولأول مرة في التاريخ ـ بلا نزلاء. وتدخلت لأقول: ولأن الحراس في مأزق يا سيادة الرئيس لأنهم اصبحوا يبحثون عن عمل بعد أن خلت السجون من نزلائها؟! فعاد الرئيس ليقول سوف نحولها إلى ملاجيء للأطفال اليتامي من ضحايا القصف الأميركي بالصورايخ يوميًا على جنوب البلاد وشمالها.. وضواحي بغداد دون أن يتحرك ضمير العالم.. الحرب مستمرة ـ سيادة الرئيس هل تتوقعون العدوان قريبا..؟ ـ نحن نستعد وكأن الحرب سوف تقع بعد ساعة.. ونحن مهيأون نفسيًا لذلك، والولايات المتحدة باعتداءاتها اليومية ومحاولات استنزافنا وقتل المدنيين يوميا بصواريخ طائراتها وطلقاتها من قواعدها في دول الجوار.. جعلتنا وكأننا في حرب مستمرة وهي لم تتوقف منذ يناير .1991. نحن اذن مهيأون للحرب.. لكن ابدا لن تكون العراق مثل افغانستان، وهذا لايعني أننا اقوى من الولايات المتحدة ،فهي تملك الأساطيل وتملك الصواريخ البعيدة المدى لكننا نحن نملك الإيمان بالله وبالوطن وبالشعب العراقي وكذلك وهذا مهم الإيمان بالشعب العربي، ولن نجعلها نزهة للجنود الأميركيين أو البريطانيين أبدًا..! والأرض تحارب مع أهلها دائما.. ـ سيادة الرئيس نعود إلى ما بدأنا به من تساؤل هل أنت راض عن اداء بعض الدول العربية نحو العراق والوقوف معه ضد المخططات العدوانية الأميركية والبريطانية.. ألا ترى أن هناك تقصيرًا واضحا؟ ـ أنا راض بكل جهد يصب في العمل على دعم موقف الصمود العربي في العراق وفلسطين، فالقضية لم تعد قضية العراق وحده وانما قضية الأمة العربية كلها من طنجة إلي بغداد.. فالمصير هو مصير واحد، وهو يكتب الآن بدماء الشهداء.. واذا كان هناك من لايزال يعتقد ان العراق كانت له مشاكل مع الكويت، فكل الأقطار العربية لها مشاكل مع من يجاورها من أقطار عربية.. ونحن نؤمن بأن كل نجاح يحققه أي شعب عربي بما فيها شعب الكويت العربي هو نجاح لنا ويصب في خانة الإيجابيات..فالشعب الكويتي شعب عربي يؤمن بقوميته والحادث الأخير ضد القاعدة الأميركية يؤكد ذلك. نحن نعول كثيرًا على الشعب العربي.. فالشعب العربي ليس كما يظن البعض يغط في نوم عميق، فالمظاهرات التي نراها في العالم العربي والغربي عمومًا تضم مئات الألوف من انصار السلام وضد الحرب والعدوان على الشعب العراقي وهي تتحدى رغبة اليمين الصهيوني المتطرف في واشنطن لتدمير العراق. تفكك التحالف ـ سيادة الرئيس.. هل تظن أن الوقت في صالحك أم ضدك؟ ـ بالتأكيد الوقت في صالحنا وعلينا أن نشتري مزيدًا من الوقت، فقد يتفكك التحالف الأميركي البريطاني لأسباب داخلية وضغط الرأي العام في الشارع الأميركي والبريطاني، فالشعوب تعرف الحقيقة والشعوب اكثر قدرة على الفهم من الحكام الضالعين في المخططات الصهيونية التي تخطط أجهزة الاعلام لصالح تحقيقها فتعمي ابصارهم..؟ ـ سيادة الرئيس نعود مرة أخرى الى ما بدأنا به من تساؤل: ماذا تريد الولايات المتحدة الأميركية تحديدًا من العراق؟ ـ تريد عراقا يسلم بالهيمنة الأميركية على الثروات العربية جغرافيًا وسياسيًا.. كما تريد عراقا معترفا بالوجود الصهيوني وسيطرته على فلسطين.. وتريد اكثر عراقا خاليًا من الفكر القومي وتريد عراقًا يوافق على تدمير الجامعة العربية وخلق منظمة شرق أوسطية.. وتريد عراقًا شعوبيا غير عربي. ـ سيادة الرئيس.. هل انت قلق من المعارضة العراقية التي تجتمع وتتحالف مع واشنطن ولندن.. وهل يمكن لهذه المعارضة ان تكون بديلاً للحكم في بغداد..؟ ـ أولا: ليس هناك معارضة حقيقية عراقية حتى نقلق ولو أن هناك معارضة، فالأولى بها أن تناضل من الداخل للاستيلاء على الحكم وليس من الخارج وعلى بعد عشرة آلاف ميل.. ثم ان ما نسمع عنهم ولانراهم ولايعرفهم شعبنا من معارضة هم مجموعة بعضهم حوكم قضائيا في جرائم مالية والبعض حوكم بجرائم اخلاقية ثم إن ما نسمع عنهم كمعارضين ليس لديهم أي ذكاء فهم لايخفون انهم عملاء للمخابرات الاميركية والبريطانية وانهم يتلقون الأموال منهما وأنهم متهمون بسرقة وتبديد هذه الأموال.. ثم انهم في نهاية المطاف مجموعة يستوعبهم احد باصات بغداد ولايزيدون على ذلك. 100% حق ـ سيادة الرئيس قبل ايام جرى استفتاء لمدة حكم جديدة تبلغ سبع سنوات، ولكن البعض يتساءل ماذا يعني حصولكم على نسبة 100% خاصة وأن ثقافة الغرب لا تستوعب هذه النسبة؟ ـ يعني الكثير.. يعني هذا انني على حق وصدق مع شعبي.. كما يعني للآخرين مما يدعون أنني لا أمثل شعبي أنني أمثله بالفعل وهذه هي نتيجة استفتاء حر حضره مراقبون ومراسلون وصحفيون عرب واجانب وهو مؤشر على كذب ما يرددون بشأن وجود معارضة للنظام في العراق. ـ سيادة الرئيس: فتحتم السجون وأفرجتم عن كل المساجين ومنهم السياسيون بصفة خاصة لماذا هذا القرار وماذا يعني؟ ـ يعني ثقة القيادة بهذا الشعب العظيم والتحامها به.. واعتقد انك قد زرت كل السجون اثناء وجودك ولم تر سجنًا لم يفتح ابوابه للإفراج عن كل نزلائه بمن فيهم المساجين السياسيون.. وهذا يعني أن حقوق الانسان في العراق بخير اكثر مما هي في الولايات المتحدة نفسها. ـ سيادة الرئيس اداؤك اخيرًا للأزمة كان مختلفا عن ادائك لها في العام .1991. هل كان ذلك نتيجة دراسة للواقع الراهن ام للماضي والحاضر معًا.. ومن الدروس المستفادة..؟ ـ السياسة علم ككل العلوم خاضع للتجريب ورجل السياسة هو تلميذ دائما وابدًا وهو يستفيد من تجاربه الشخصية ومن تجارب الآخرين ونحن من المؤمنين بأهمية الرأي العام وتأثيره ونأخذ من تجربتنا العبرة.. فالخطأ والصواب.. فعل انساني قابل للتطوير للأفضل.. وليس بيننا من لايخطئ.. فالكمال لله وحده سبحانه. اتمسك بالقومية ـ ألم تتأثر مواقف بعض الدول العربية ضد نظامك.. ألم يهز ذلك من ايمانك بعروبتك وقوميتك؟ ـ على العكس لقد ثبت ذلك من إيماني بقوميتي، وإدراكك لأهمية ان تكون قوميا عربيا يجعلك على ثقة بالنصر وان طال الزمن.. فليست القومية العربية مجرد ثوبٍ نرتديه اليوم ونخلعه غدا. ـ سيادة الرئيس اشقاؤنا الأكراد في الشمال ألم يحن الوقت للمصالحة الوطنية معهم..؟ ـ أنت تعلم أن العراق أعطاهم مالم يعطه لهم الآخرون وعرفت أنك كنت أول صحفي عربي التقى بالملا مصطفى البرزاني عام 1966 وسمعت وعرفت منه أن اقصى ما يتمناه هو ما قدمه العراق من حكم ذاتي.. ولم يعد بعد ذلك سوى الانفصال وهو ما نرفضه ويرفضه كذلك العقلاء من اشقائنا الأكراد.. ونحن على ثقة لو أن الولايات المتحدة وبريطانيا رفعتا يدهما عن الشمال العراقي وتركتنا بلا تدخل فسوف نقرر بملء حريتنا مصيرنا دون تدخل منها ولانصلح حال البلاد والعباد..! القاهرة ـ مكتب «البيان»: