الخميس 25 شعبان 1423 هـ الموافق 31 أكتوبر 2002 يمثل اليمين المسيحي أهم حليف لاسرائيل داخل الولايات المتحدة، فهذا اليمين المشكل من بعض قطاعات البروتستانت يلتقي مع الرؤية الصهيونية لمستقبل العالم، وخصوصاً الصراع العربي الاسرائيلي. وطوال السنوات الماضية عملت اسرائيل والحركة الصهيونية على تسمية ومساندة هذا التيار، وأمدته بكل الوسائل التي مكنته من التحول الى قوة سياسية فاعلة داخل المجتمع الأميركي. وإذا توقفنا أمام رموز هذا التيار، فإننا نجده الآن يشكل في الوقت ذاته قوة مساندة ومتحالفة مع الادارة الأميركية، بل ان بعض أفراده ورموزه لهم الان دورهم في صنع هذه السياسة، من أبرزهم ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي، ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي على المستوى السياسي. أما على المستوى العقيدي فيعتبر القس لات روبرتسون والقس جيري فالديل من أهم الرموز الدينية، وهذا يفسر سر هجومهما الضاري والمستمر على الاسلام ومقدساته ورموزه بين حين وآخر، وكل ذلك يتم لحساب اسرائيل. وعلى الرغم من محاولات التهوين من شأن هذا التيار، إلا انه بالفعل يمثل قوة سياسية متنامية وهو الأخطر حيث انه الأكثر فعالية بل الأعلى صوتاً بين مختلف التيارات المسيحية الأميركية، فهذا التيار عبر تحالفه مع اسرائيل والحركة الصهيونية يمتلك العديد من وسائل الاعلام وله قاعدة مالية كبيرة إلى جانب قدرته في التأثير على أتباعه وعلى قطاعات واسعة داخل المجتمع الأميركي، وهذا ما يكشفه التقرير التالي الذي كتبته تاتشا روبرتسون ونشرته «بوسطن جلوب»، مؤخراً تحت عنوان «الانجيليون يتدافعون للدفاع عن اسرائيل». تقول تاتشا: جودي وجيري ولدا مسيحيين، ولم يعرفا طوال حياتهما أي يهودي، ولم يهتما بالشئون اليهودية، حتى تسلمت جودي قبل خمسة أعوام ما وصفته بأنه «النداء» الذي يحث أتباع المسيح على الصلاة من أجل اسرائيل. وقالت جودي (61) عاماً «بينما كنت في سفارة اسرائيل أضع نجمة داود الذهبية حول عنقي لم يكن لدي أي حب تجاه اسرائيل ولم أعرف شيئاً عن اليهود، لكن قلبي تغير». وينتمي المدرسان المتقاعدان وهما من نورث كارولينا الى شبكة كبيرة متنامية من المسيحيين المحافظين الذين أصبحوا حلفاء لاسرائيل في الولايات المتحدة، وهو أمر لم يكن متوقعاً وتدفقت هذه الحركة التي يطلق عليها اسم المسيحية الصهيونية عبر البلاد من كنائس مسيسيبي الى كولورادو وأجزاء من ماساتشوستس. ومن بين زعماء هذه الحركة بات روبرتسون وجيري فالويل. ويتحرك المسيحيون المتصهينون بناء على تفسير حرفي للكتاب المقدس والذي يعتقد انه تنبأ بإقامة الدولة اليهودية في عام 1948 كمقدمة للعودة الثانية ليسوع المسيح. وجمع المسيحيون الصهيونيون ملايين الدولارات دعماً لاسرائيل وضغطوا على إدارة بوش وعلى الكونغرس من أجل دعم توسيع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. وشارك آلاف عدة في تجمع مسيحي حاشد تأييداً لإسرائيل نظمه الائتلاف المسيحي وهو مجموعة سياسية أصولية في واشنطن في وقت سابق من الشهر الجاري. ويقول روبرتسون مؤسس التحالف «الهدف من هذا التجمع الحاشد هو أن نقول اننا هنا موجودون ـ هناك ملايين منا ـ وسنقف مع اسرائيل». وكان لهذا الدعم رد فعل متشكك من جانب زعماء اليهود الذين تساءلوا عن حكمة التحالف لأن المسيحيين المحافظين يعتقدون ان اليهود سيقبلون بالمسيح بعد يوم الحساب أو «نهاية الأيام». ويقول روبرت فريمان أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية في بالتيمور «المشكلة التي أواجهها تتعلق بالإيمان بالآخرة ـ رؤية نهاية الأيام. انهم مؤيديون أقوياء لعودة اليهود لإسرائيل، لكنها وسيلة لتحقيق الغاية». ولا يؤمن جميع المسيحيين بأن اقامة دولة يهودية في الشرق الأوسط هو علامة على نهاية الزمن والذي سيصل الذروة بمعركة «هرمجدون» التي ستدور رحاها في اسرائيل، وحسب هذا التفسير لنبوءة الكتاب المقدس فإن كثيراً من اليهود سيموتون وسيقبل من ينجو بالمسيح. ويقول القس جيمس هتشنس رئيس المسيحيين المؤيدين لاسرائيل في أميركا، «نحن نؤمن ان المسيح هو يسوع». ويغضب كثير من اليهود بسبب هذا الاعتقاد وبسبب اعتقاد اخر يؤمن به المسيحيون الصهاينة وهو ان الرب سيمنح الأرض المقدسة للمسيحيين لكن هذه النبوءة لم تدفع اسرائيل الى رفض الدعم المسيحي هنا في الوقت الراهن. وقال فريمان «المثير للاهتمام في كل هذا الجدل هو ان الكثير من الاسرائيليين يريدون أن يقولوا انهم حلفاء من أجل المصلحة، ومن يدري ما الذي سيحدث في نهاية الأيام في الوقت نفسه يريد كثير من اليهود التعاون لأن اسرائيل ليس لديها الكثير من الأصدقاء في العالم». ووصف شاري دولنجر مسئول شئون الأديان في السفارة الاسرائيلية في واشنطن الدعم من المسيحيين الصهيونيين بأنه مخلص وهام. وأعربت حكومة اسرائيل عن امتنانها لاستعداد المسيحيين المحافظين لتقديم المساعدة لها وتقربت إليهم كثيراً. ومؤخراً التقى ارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي بالآلاف من الأميركيين البروتستانت في اسرائيل. وتستضيف السفارة اجتماعات شهرية، وقبل اسبوع حضر هؤلاء «الحلفاء» اجتماعاً بهدف دعم الحوار بين اليهود والمسيحيين الصهاينة. ويتشكك الحاخام ديفيد سابرستاين مدير مركز العمل الديني لاصلاح اليهودية في واشنطن في نوايا التحالف وهو يرى «ان رؤية المسيحيين الصهاينة المتعلقة بغموض المستقبل ربما يكون لها أثر على الحاضر». وقال سابرستاين «هؤلاء الذين يرون في العنف المتزايد في المنطقة دليلاً على وقوع معركة «هرمجدون» ربما يعارضون بذلك الجهود الأميركية لنزع فتيل التوتر وتحقيق السلام والاستقرار، ربما يمثل ذلك خطورة على اسرائيل وعلى العرب وعلى أميركا». وتساءل سابرستاين أيضاً ان كان البعض في اليمين المسيحي يعتقد ان دعمهم لاسرائيل سيزيد من قبول اليهود لتمزيق جدران الكنيسة والدولة وقبولهم لأمور تتعلق بحق المرأة في اختيار أو رفض الرعاية الاجتماعية، فهم للأسف مخطئون». وأكد هتشنس وستانلي واتشتستيتر وهو قس من ولاية مسيسبي ان دعم كنيستهم لاسرائيل يستند أساساً على إيمانها الديني بدولة اسرائيل. وقال واتشتستيتر الذي حضر أحد لقاءات السفارة الاسرائيلية انه أثناء طفولته كان يذهب الى كنيسة انديانا، وقال في الوقت نفسه انه كان يعرف يهودياً واحداً وانه لم يكن يؤمن بالقضايا الليبرالية التي يؤمن بها الكثير من اليهود الأميركيين. لكن الرجل أضاف انه كان يحب اسرائيل دوماً وقال لم أكن لأتمكن من أن أصبح كاهناً في كنيسة كهذه في مسيسبي لولا اسرائيل. وساهمت مجموعة «جسور من أجل السلام» وهي أول جماعة مسيحية صهيونية بأكثر من 20 مليون دولار في برامج الهجرة والمساعدات الاجتماعية في اسرائيل خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، ويقول كلارنس واجنر رئيس مجلس إدارة جسور من أجل السلام ان اجمالي المساعدات التي تقدمها مجموعات المسيحيين الصهاينة للبرامج الاسرائيلية تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات سنوياً. وقدر فالويل عدد المسيحيين الصهاينة بأنه يصل الى 70 مليون شخص وهو رقم يضم انجيليين ومحافظين آخرين، ولا تتفق تماماً هذه المجموعات في معتقداتها فيما يتعلق باسرائيل. ويقول ريتشارد سيزيك نائب رئيس الرابطة الوطنية للانجيليين هل نحن ندعم حقاً اسرائيل في الوجود؟ على الاطلاق، من الخطأ الافتراض ان طائفتنا متفقة تماماً حول هذا الموضوع واننا نسير خلف ما تريده اسرائيل وبعض أعلى مؤيديها صوتاً. ويقول زعماء الحركة ان دعمهم للدولة اليهودية يعود الى ما قبل الحرب العالمية الثانية، إلا انه ازداد عمقاً مع تصاعد الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط في العام الماضي، وفي الماضي كان هناك بعض التوتر بسبب العداء للسامية في أوساط المسيحيين المحافظين، إلا ان بعض زعماء المسيحيين الصهاينة مثل هتشنس عملوا على التخلص من ذلك. ويعترف فريمان وسابرستاين رغم تشككهما بقيمة الدعم الذي يقدمه المسيحيون الصهاينة والذي لا يقتصر فقط على المساهمات المالية. وعندما طلب الرئيس بوش من اسرائيل سحب دباباتها من المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية في ابريل قام اليمين المسيحي بقيادة فالويل بارسال مئة ألف رسالة الكترونية احتجاجاً على هذا الطلب، ولم يأمر شارون قواته بالانسحاب في هذا الوقت. وتقول ايستر ليفنس رئيسة ائتلاف الوحدة الوطنية المؤيدة لاسرائيل، كيهودية لا يسعني إلا أن أحب هؤلاء الذين يقدمون الكثير جداً، انهم حقاً يقاتلون العداء للسامية، في الكثير من الحالات السبب هو ان الكتاب المقدس يقول طوبى لهؤلاء الذين يباركون اسرائيل وهم يأخذون ذلك حرفياً جداً. وفي عام 1997 أمضى هؤلاء الحلفاء المؤيدون لاسرائيل اسبوعين متطوعين مع الجيش الاسرائيلي، وقبل اسبوعين قطعوا رحلة طويلة من مكانهم في تروتمان في نورث كارولاينا لحضور الاجتماع الشهري لليهود والمسيحيين الصهاينة، وكانت هذه هي الرحلة 13 لهم الى السفارة الاسرائيلية. وانضم هؤلاء المؤيدون الى مجموعة مكونة من نحو 50 شخصاً معظمهم من الانجيليين في الاتصالات الى ثلاثة طلاب اسرائيليين تحدثوا عن الأخطار اليومية للارهاب التي يتعرضون لها، ورد بعض المسيحيين قائلين آمين ـ حمداً لله. وتحدثت دافنا كيرو وهي طالبة من القدس الى المجموعة قائلة انها تأثرت كثيراً لدعمهم وأضافت «لم أشعر بهذا الدفء من قبل، مباشرة بعد أن تحدثت كأنهم كانوا يحتضنونني». نيويورك ـ «البيان»: