د. عزمي بشارة يستشرف آفاق المستقبل: بعد العراق.. يحاولون فرض تسوية غير عادلة على أناس مهزومين، الرأي العام الاميركي معبأ بشكل غيبي ضد العرب والمسلمين

السبت 13 شعبان 1423 هـ الموافق 19 أكتوبر 2002 اكد الدكتور عزمي بشارة النائب العربي في الكنيست ان الرأي العام الاميركي أصبح معبأ بشكل غيبي ضد العرب والمسلمين بعد ان خضع لعملية غسيل دماغ شارك فيها اللوبي الصهيوني. وقال بشارة «الذي حاورناه بعد ان عاد من جولة محاضرات ولقاءات مع الجالية العربية في أميركا وكندا وبعد ان شارك في مظاهرة النصف مليون التي شهدتها لندن يوم الجمعة 4 اكتوبر» ان هناك استحضاراً للشر وروح الانتقام والثأر في الولايات المتحدة بشكل متخلف للغاية. وبشأن العلاقة بين العراق وتنظيم القاعدة قال لا أحد في أميركا يعتبر ان الحقيقة مهمة وأشار النائب العربي في الكنيست الى ان هناك عقيدة استراتيجية تجعل الولايات المتحدة تتصرف كامبراطورية عالمية. واستعرض بشارة الدور الاميركي في المنطقة قائلا ان اميركا كانت معادية دائما لاي تحول ديمقراطي لا يتلاءم مع مصالحها وربط ما بين العدوان على العراق والقضية الفلسطينية قائلا «بعد العراق يفكرون في فرض تسوية غير عادلة على أناس مهزومين». كما تطرق الدكتور بشارة الى ما يجري بين عرب 1948 والادارة الاسرائيلية قائلا ان هناك عناصر انتهازية في الوسط العربي تستقوي على الوطنيين الفلسطينيين بالنفس الاسرائيلي. وهذا نص الحوار: ـ ما هي رؤيتك لردود الشارعين الاميركي والبريطاني حول ما يجري من تحضيرات للحرب؟ ـ اولا اؤكد في هذه المرحلة، على ضرورة العمل السياسي في هاتين الساحتين، الاميركية والبريطانية، اخذين بالاعتبار التغير الكبير الذي حصل في عالمنا ومحاولة الادارة الاميركية ان تعتبر الامم المتحدة ساحتها الخلفية فقط، ولديك زعيم اميركي يعلن انه لن يحترم قرارات الامم المتحدة ولكنه لا يستطيع بنفس الدرجة الا يحترم الرأي العام في بلده، الذي انتخبه، وبالتالي فان اهمية الرأي العام البريطاني والاميركي هنا هائلة، ونحن نعتقد انه من المفروض ان تفرز من قبل المجتمعات المدنية العربية، بالتعاون مع الجاليات العربية في تلك البلاد، الامكانيات والمصادر المادية والمعنوية لخوض هذا المعترك، وايضا، وضع الاستراتيجيات الضرورية في التعامل مع هذه المجتمعات بشكل حديث وبلغة عقلانية، وتزداد اهمية ذلك كلما ازدادت عدوانية الولايات المتحدة. وأوضح انه على مستوى الرأي العام البريطاني والاوروبي بشكل عام، هناك معارضة اكيدة للحرب ضد العراق، وهناك ازدياد في وزن القضية الفلسطينية باعتبارها قضية عادلة. وكنت قد اكدت في الماضي ان كل المحاولات الاسرائيلية بعد الحادي عشر من سبتمبر، لحشر الموضوع الفلسطيني في خانة الارهاب، ستفشل نتيجة لوجود عمق معنوي واخلاقي للموضوع الفلسطيني، وهذا يتأكد حاليا في المجتمعات الاوروبية. وقد لاحظت ذلك في التظاهرة الضخمة جدا في العاصمة البريطانية، لندن، حيث تظاهر اكثر من 400 الف متظاهر وكان لي شرف مخاطبة هذه التظاهرة سوية مع نشطاء اخرين في بريطانيا، من نقابات عمالية وحزب العمال البريطاني والممثلين والكتاب ونشطاء في الجمعيات الاسلامية. اما على الساحة الاميركية فالموضوع اعقد بكثير، لان الرأي العام في الولايات المتحدة معبأ وبشكل يكاد يكون غيبيا ضد العرب والمسلمين، وهذه التعبئة مستمرة. وهنالك لوبي اسرائيلي قوي يربط بين هذه الامور وبين القضية الفلسطينية، مستخدما مصطلحات قريبة من الثقافة الاميركية والتاريخ الاميركي. وكانت هنالك، ايضا، ظروف صعبة بعد 11 سبتمبر وما زالت مستمرة، تتعلق بقدرة الاخوة العرب هناك، على العمل في المجتمع الاميركي وتنظيم انفسهم خاصة وانهم بعد 11 سبتمبر كانوا مضطرين للدفاع عن انفسهم، لأنه اصبحت هناك مشكلة متعلقة بهم، ترتبط بالتمييز الداخلي في الولايات المتحدة ضد العرب والمسلمين، ولكنهم يتمالكون ذاتهم ويبدأون بالعمل. باعتقادي الرأي العام الاميركي خاضع لعملية غسل دماغ وتعبئة شديدة، وان هذا يزيد من اهمية وعظمة التحدي فقط. لقد كنت في كاليفورنيا وكنت في كندا، وعندما ابتعدت عن الحدود الاميركية بضعة كيلومترات باتجاه كندا وجدت الصورة مختلفة تماما. واستطيع القول، بشكل عام، ان الرأي العام الكندي غير معاد للعرب او للمسلمين واكثر انفتاحا تجاه المهاجر والهجرة، من بلادنا، ايضا، اضافة الى ان هناك وزنا معنويا واخلاقيا للموضوع الفلسطيني، ورغم وجود سيطرة للوبي الصهيوني على وسائل اعلامية، هناك هامش اوسع للتحرك وهنالك استعداد لقبول الرأي العربي. ولكن يبقى الرأي العام الاميركي هو الساحة الاهم وبالتالي يجب تركيز الجهود هنا. ـ الكونغرس الاميركي اتاح للرئيس بوش استخدام القوة ضد العراق. مما رأيته هناك، هل تعتقد ان القضية اصبحت بالنسبة لبوش هي مسألة انتقام، خاصة وانه يصر على قرع طبول الحرب بعد اعلان العراق موافقته على دخول المفتشين الدوليين؟ ـ الامر الاول الذي يجب الاشارة اليه هو ان البائس في قرار الكونغرس الاميركي، كونه جاء بعد اتفاق العراق والمفتشين الدوليين على استمرار عمل التفتيش الدولي في العراق، وهذه صفعة اخرى توجهها الولايات المتحدة للعالم كله وللرأي العام العالمي وللأمم المتحدة وللشرعية الدولية. ولو استخدمنا الشرعية الدولية حتى بالمفاهيم الاميركية، فسنجد ان الولايات المتحدة لا تحتمل، كما يبدو شرعية دولية حتى بمفاهيمها. قرار الكونغرس الاميركي غير مدفوع بغرائز الانتقام، فغرائز الانتقام تكرس للاستهلاك الجماهيري، هناك استحضار للشر في ذكرى 11 سبتمبر الأخير ولروح الانتقام والثأر بشكل متخلف للغاية، ولكن باتجاه تحويله الى عنوان آخر هو العرب، مع معرفة الجمهور والقيادة انه لا توجد علاقة للعراق بالقاعدة، ولكن لا احد يعتبر ان الحقيقة مهمة، وكأن الحقيقة ليست ذات علاقة، ولا يأبهون بالحقائق ذاتها. الحرب هي توجه استراتيجي لا علاقة له بالنقمة ولا بالغرائز وباعتقادي هو تجسيد لأمرين: الاول استراتيجي، بمعنى تكريس الهيمنة الاستراتيجية الاميركية بعد 11 سبتمبر، باعتبار ان لهذه الدولة العظمى الوحيدة في العالم الحق في استخدام القوة لتغيير انظمة في اطار ما تعتبره خطوات مانعة ضد هجمات محتملة في المستقبل حتى لو لم يكن هناك اي اثبات لذلك. هذه عقيدة استراتيجية جديدة، تجعل الولايات المتحدة تخول ذاتها التصرف كامبراطورية عالمية، تفرض ما يسمى بالسلام الاميركي في كل منطقة تسيطر عليها. وعليك ان تدرك ان حجم هذه الامبراطورية تجاوز حتى حجم الامبراطورية الرومانية في عصرها، من ناحية نسبية. لان مصروفاتها العسكرية تتجاوز نفقات الخمس عشرة دولة التي تليها مجتمعة، دون ان تتجاوز هذه النفقة نسبة 3.5 بالمئة من مجمل انتاجها القومي. وهي في حجم اقتصادها ومصروفاتها العسكرية لا تشابه اي دولة اخرى، لا دولة عادية ولا امبراطورية في التاريخ البشري، لا البريطانية في حينه ولا الرومانية التي انفردت بحكم العالم لفترة طويلة. الامر الثاني هو سبب اقتصادي، يهدف الى السيطرة على منابع النفط، علما ان احتياط النفط الاساسي في العالم يتواجد في منطقة الخليج، الاول في السعودية، ويليه بفارق نسبي، العراق ثم تليه كل الدول العربية الخليجية الاخرى، الامارات والكويت وايران وغيرها، بفارق كبير. اما الولايات المتحدة الاميركية وروسيا فتأتيان في مراتب متأخرة، ونفقات استخراج النفط فيهما تزداد باستمرار. وتعتبر السيطرة الاقتصادية، على ينابيع النفط، مكملة للسيطرة الاميركية الاستراتيجية. هنا يجب ان يكون واضحا ان الهدف هو ليس بناء الديمقراطية في العراق ولا في غيره من الدول وان الولايات المتحدة كانت معادية دائما لاي تحول ديمقراطي في المنطقة اذا لم يتلاءم مع مصالحها. ولكن تكاد الادارة الاميركية لا تخفي الاهداف الحقيقية الكامنة وراء الحملة الحالية على العراق. ونحن لا نستبعد ان يحصل العدوان رغم الاتفاق مع المفتشين الدوليين، ولذلك يجب ان يكون هناك موقف حاسم، دوليا وعربيا، لمنع هذا العدوان، ومن اجل تشكيل هذا الموقف الحاسم نحن في حالة سباق مع الوقت، وهذه قضية تفوق في اهميتها القضايا الاخرى. ـ اين يمكن تعيين الدور الاسرائيلي في هذه القضية؟ ـ الدور الاسرائيلي هو دور محرض أصلا على الحرب وعلى الهيمنة الاميركية الكاملة، حتى لو كانت في المستقبل ضد مصر او السعودية. اسرائيل ليس لديها اي مانع بتوجيه ضربة الى اي دولة عربية قوية، فبرأي الساسة الحاكمين في اسرائيل الآن، يعتبر كل اضعاف للعرب، بمثابة منح قوة لاسرائيل، ولذلك فهي تعتبر ان الحرب مهمة، وقد دعت اليها باستمرار، وحرضت عليها، وتعتبر نفسها الآن محقة. وهذا بشكل خاص بعد 11 سبتمبر، ولأن اسرائيل تعتبر هذه العملية التاريخية الجارية تؤكد من فرضياتها فيما يتعلق بالعلاقة مع العرب، وتزيدها قوة في تحول عقيدتها التي تقسم العالم الى ارهابيين وغير ارهابيين، الى العقيدة السائدة في السياسة الدولية بعد أن تبنتها الولايات المتحدة. وفي هذه الحالة، اذا كانت الاستراتيجية السياسية والامنية الاسرائيلية هي الاعتماد على القوة، والقوة وحدها، ولأن من يحكم اسرائيل هم اناس يؤمنون بانه لا يمكن ان يتحقق السلام ولا شبه السلام مع العرب ولا حتى التوصل الى تسوية، الا اذا قبل العرب بالهزيمة، فان ضربة اميركية للعراق تساهم، برأي الاسرائيليين، في هذا القبول العربي. لانه بعد ضربة من هذا النوع، اذا تمت بسهولة وبيسر نسبيين، فان هذا يعني ان العراق هو حجر دومينو يسقط وتسقط معه حجارة اخرى، ويصبح الاميركان أكثر استعدادا لاستكمال المهام فيما بعد وهذا يؤدي الى ضعف التيار الرافض والمتحدي للظلم والعدوان والمتمسك بمبادئ العدل، وبالتالي يسهل فيما بعد، فرض تسوية غير عادلة على اناس مهزومين. وانا اعتقد ان الاسرائيليين يفكرون بهذه الطريقة. ـ بشأن مؤامرة لاعادة العراق الى حكم الهاشميين، هل تعتقد ان الكشف عن هذه الخطة، الآن بالذات، يأتي في اطار هذه الهجمة؟ ـ في مسألة اعادة السلالة الهاشمية إلى العراق، من الواضح ان هناك اجتهادات كانت قائمة في فترة ادارة نتانياهو، وتتشابك حاليا مع الخط المسيطر والمهيمن حاليا في البنتاغون، وبالاساس ديك تشيني ورامسفيلد وولفويتز وريتشارد بيرل. هؤلاء اناس خطيرون لانهم يفكرون بعقائد واسعة استراتيجيا، ولا يفكرون بادارة ازمات عينية وانما جاءوا الى الادارة الاميركية بمشاريع كبيرة، وفسحت احداث 11 سبتمبر المجال امامهم لبدء الحديث عن هذه المشاريع المتعلقة باعادة ترتيب المنطقة عموما، بما في ذلك السعودية ومصر وغيرها. لذلك لا استبعد كون هؤلاء الناس يفكرون بهذا الشكل، ولكن ما من شك ان الواقع غالبا ما وجه صفعة لاصحاب مثل هذه الافكار الذين يستخفون عادة بما يعتبرونه تفاصيل، من نوع موقف الشعوب وطاقات الشعوب وقواها المنظمة ورغبتها بالعدل والحرية. ومن الواضح ان القيادة الاردنية ممثلة بالملك الاردني، تستسخف هذا الكلام وترفضه جملة وتفصيلا. كما انه من الواضح ان الحالة العراقية اعقد بكثير من ان تحل باعادة عجلة التاريخ الى الوراء فهنالك شعب عراقي ودولة وتاريخ ونخب عراقية قائمة والموضوع ليس موضوع سيناريوهات معدة سلفا. ـ في هذا الاطار الدولي ـ الاقليمي وبعد عامين من الانتفاضة، كيف ترى مستقبل القضية الفلسطينية؟ ـ هذا سؤال كبير، اولاً لانه يرتبط بمنع هذه الحرب، او بفرضها. وثانيا اذا فرضت الادارة الاميركية هذه الحرب فهل ستكون سهلة أو صعبة، لانها اذا كانت حربا صعبة فقد يتوصل الاميركيون إلى استنتاجات معكوسة، كاستنتاجاتهم في افغانستان، مثلاً، والتي كانت سهلة للغاية، كون الهجوم تم من خلال القصف الجوي وحده. هذا موضوع طويل، ولكن بالأساس، هنالك من يرتب منذ هذه اللحظة، كي تؤدي الحرب الى تقوية تيار عربي مستعد لقبول اي شيء يأتي من اميركا، بما في ذلك ما تم عرضه في كامب ديفيد، بل وأقل منه. ولذلك فان بلير وغيره يتحدثون الآن عن الدولة الفلسطينية، وشارون ايضا يتحدث عن الدولة الفلسطينية من خلال دخوله في سباق مع الزمن حول شروط هذه الدولة، فهو يريد ان يفرض حقائق على الأرض تجعل هذه الدولة تنحو باتجاه محدد، قبل ان يبدأ الاميركيون والبريطانيون التحدث عن الدولة وشروطها. ولذلك نجده يسابق الوقت لخلق هذه الشروط، لانه يدرك بأنه بعد هذه الحرب وفي إطار إعادة رسم حدود بنية المنطقة ستكون هناك محاولات لترتيب الموضوع الفلسطيني كي لا يبقى جرحا نازفا واغلاقه وفق الشروط الاميركية. وتحاول اسرائيل قدر الامكان أن تكون هذه الشروط أقرب الى شروطها. وطبعا يجب ان يكون المجتمع الفلسطيني وقواه الحية جاهزين لذلك وللنضال دفاعا عن الحل العادل بلغة يفهمها العالم، لأن القضية الفلسطينية ذات وزن اخلاقي ليس متوفرًا في قضايا اخرى، بحكم كونها آخر قضية كولونيالية في العالم. ـ يتحدثون عن إقامة دولة مؤقتة. ماذا يعني هذا المصطلح سياسيًا، ما هو شكل هذه الدولة؟ ـ لا يوجد أي مفهوم له سوى سعي اسرائيل الى فرض شروطها فيما يتعلق بقضية الدولة، لأن مؤقتة بمفاهيم 10 ـ 15 عاما يعني انها غير مؤقتة. ولا يمكن اعتبار فترة 15 عاما بمثابة فترة انتقالية، فهي كافية لانتهاء جيل شارون ونشوء جيل جديد، وكافية أيضا، لأن يتحول الصراع بين الدولتين الى صراع حول الحدود، لن يشغل العالم بعد 15 عامًا. إن شارون أذكى بكثير من غيره فهو لا يطلب من الفلسطينيين التنازل تاريخيا عن مطالبهم، وإنما يتحدث عن فترة 15 عاما ستجعل هذه المطالب تاريخية فعلاً، اي أنها ستصبح في طي النسيان. وهذا يعني عمليا ان برنامج اقامة دولة فلسطينية على 40 إلى 45% من الارض، في ظروف تسوية شاملة، ولكن مؤقتة لفترة 15 عاما، يعتبر محاولة لفرض الشروط الاسرائيلية بحزم أكبر وبحد أدنى بكثير مما طرح في الماضي. ـ إسرائيل واميركا تطالبان الفلسطينيين بإجراء حساب مع النفس في كل ما يتعلق بالانتفاضة الحالية. هل ترى مكانًا لإجراء مثل هذا الحساب وما هو رأيك في التوجه العسكري المسلح لهذه الانتفاضة؟ ـ هنالك مجال لاجراء مراجعة نقدية لاستراتيجية النضال، ولكن لا مجال لحساب النفس، بمعنى تحميل الذات الفلسطينية المسئولية عن اي شيء، لأن الفلسطينيين هم الواقعون تحت الاحتلال، ولذلك فإن من يجب أن يجري مراجعة وحسابا مع النفس هو الشعب الإسرائيلي والاحتلال الاسرائيلي ومن يدعمه خاصة الولايات المتحدة. لا شك أنه يمكن للفلسطينيين، من حين لآخر، اجراء مراجعة نقدية لوسائل النضال، لأن وسائل النضال ليست هدفا، وانما هي قضية تخضع للأهداف ولمدى تحقيق هذه الانجازات. وباعتقادي ان المجتمع الفلسطيني، بخروجه مؤخرا إلى الشارع بشكل من اشكال العصيان المدني وتسخيفه لمنع التجول، خطا خطوة كبيرة باتجاه صحيح ويمكنه، أيضا، مواصلة ذلك. القضية الفلسطينية قضية عادلة تستحق أن يتم النضال من اجلها بوسائل تفيدها من ناحية, وأن تعرض عالميًا بشكل عادل، أيضًا. لا شك أن العمل المسلح الفلسطيني ألحق اضرارا كبيرة بإسرائيل. ولا يمكننا إلا أن نرى ذلك، وهو ما تراه إسرائيل بنفسها، ولا يمكن حتى لمن يعارض العمليات المسلحة إلا أن يرى الضرر الذي الحقته هذه العمليات بالاقتصاد والأمن والاستقرار الإسرائيلي، وهو ما تعترف به اسرائيل. وهذا طبعا يغيظ اي دولة لأن هدف الدولة في النهاية هو تحقيق الأمن لمواطنيها، وإذا لم تفعل ذلك فهذا يعني انها فشلت. لكنه لا يمكن، حتى الان، ترجمة هذه الاضرار الى انجازات سياسية. والسؤال الذي يجب ان يسأل هو: هل العائق أمام ترجمة هذا الضرر إلى انجاز سياسي، بمعنى استنتاج المجتمع الإسرائيلي بأن شارون قد فشل، يكمن في طبيعة العمليات ذاتها، أو أن هناك عائقا خارجا عن العمليات؟ يجب أن يتم بحث ذلك ولكنه لا يعتبر مراجعة للنفس ولا حسابا للذات وانما هو رؤية نقدية لمجمل العمل الفلسطيني، ولكي يكون بالإمكان طرح مثل هذه الأسئلة يجب أن ينشأ شكل من الحوار الوطني المبني على الثقة المتبادلة بين القوى المختلفة، بحيث يمكّن ايضا من استخلاص العبر بشكل يفيد العمل الوطني وأهدافه. وأنا أعتقد أن المجتمع الفلسطيني أثبت الآن اهليته. فالمجتمع الفلسطيني ورغم كل ما مر به من محن لم يصدر عنه مطلب شعبي يدعو الى محاسبة أو مراجعة الذات، بل ان ما يبثه الشارع هو العكس. ولكن هناك نقاشا يجري بين النخب وبين أوساط واسعة في الشارع الوطني الفلسطيني، ومن الضروري لهذا النقاش أن يكون مشجعا شريطة تأطيره في اطار وطني تنتج عنه استراتيجيات، لأنه نقاش لا يصب ولا يخدم ولا يقولب ذاته ولا يؤطر في اطار حركة مقاومة ضد الاحتلال انما هو نقاش نظري، عبارة عن لغو. النقاش المفيد الذي تربطه علاقة بالواقع وبالفكر والذي يعتبر نقديًا فعلاً، هو النقاش الذي يتم في اطار خدمة هدف المقاومة في سبيل التحرر من الاحتلال. ـ مضى عامان على الانتفاضة وهبة اكتوبر 2000 في الداخل، و قيام لجنة اور التي تحقق في أحداث الوسط العربي. أي استنتاجات يمكنك استخلاصها من عمل لجنة اور، وهل كنا على مستوى الحدث في إحياء الذكرى الثانية للانتفاضة؟ ـ هذا موضوع طويل، لا مجال الآن للخوض بهذه التفاصيل ضمن سؤال واحد، وانما يحتاج للإجابة على عدة أسئلة. ولكن ما دمت قد طرحت السؤال بشكل عام، فستحصل أيضا على إجابة عامة. لم يكن من المفترض أن نتوقع اي شيء آخر من لجنة أور، فهي لجنة تعمل ضمن المؤسسة الإسرائيلية وبأدوات ومصطلحات المؤسسة الرسمية الإسرائيلية، واعني بمصطلحات من نوع الشغب وخرق القانون والقلاقل والتحريض وغيرها من كلمات القاموس الإسرائيلي وليس من قاموس حركة الاحتجاج والتفاعل والتضامن مع الشعب الفلسطيني. ولجنة اور هي ايضا لجنة تعمل في اطار القانون، وحسب مفهومها هي للأمن الإسرائيلي وللأمن الداخلي الاسرائيلي. وعلى هذا الأساس لم يكن بالامكان توقع شيء آخر منها، ومن توقع أخطأ. على كل حال، في كل مرة يحصل فيها اعتداء على العرب في الداخل وعلى مواطنتهم ويتم اقصاؤهم كغرباء بل وكأعداء في حالة حصول تناقض بين الديمقراطية والصهيونية، في كل مرة كهذه كان العرب في الداخل يطالبون بتشكيل لجنة تحقيق. لقد طالبوا بتشكيل لجنة تحقيق بعد مجزرة كفر قاسم وما زالوا يطرحون هذا المطلب، وطالبوا بتشكيل لجنة تحقيق بعد يوم الأرض، وهذه المرة طالبوا بلجنة تحقيق فاستجابت الحكومة لمطلبهم بعد أن رفضت في البداية، لأننا كنا عشية انتخابات، ولم يرغب باراك بخسارة الأصوات العربية، وقد قال ذلك بلسانه، وتعتبر لجنة اور الآن بمثابة اغلاق للحلقة. السؤال هو هل يجب ان يتم التحكيم في قضايا علاقتنا مع الشعب الفلسطيني وعلاقتنا مع انفسنا وقضية المساواة وحقنا في الاحتجاج كأقلية خارج مؤسسات الدولة عمليا، من قبل أحد أذرع المؤسسة الإسرائيلية أم لا، طبعا باعتقادي الجواب هو لا. ولكن ضمن العقد الاجتماعي الذي يمكننا من العمل السياسي داخل هذا البلد، فاننا عندما نستدعى الى اللجنة نقف امامها ونشهد لأننا لا نرفض القانون برمته في هذا البلد، بل ندافع عن المواطنة والمواطنة المتساوية، بيد ان ما يجري هو العكس، نحن نتمسك بالمساواة وهم يريدون اقصاءنا خارج اطار المواطنة. ولكن واضح ان النتائج لم ترضنا، حتى الآن، صحيح انها لم تصدر بعد، ولكن ما صدر حتى الآن لم يرضنا لأنه حملنا نحن الى حد كبير المسئولية، بموازاة مسئولية القيادة السياسية الاسرائيلية وقيادات الشرطة الاسرائيلية. وتعرف انني تلقيت انذارا مع الاخوين رائد صلاح وعبد المالك دهامشة. في المجمل العام، أنا لست راضيا عن تفاعلنا مع الحدث في احياء ذكرى الانتفاضة، ولكن عليك ان تتنبه الى امرين أساسيين: أولاً: هي ليست ذكرى ليتم احياؤها، فالانتفاضة مستمرة، والعدوان مستمر، وأنا معترض على كل فكرة تسمية المسألة احياء ذكرى الانتفاضة، لانها عملية مستمرة. والسؤال هو مدى مساهمتنا فيها، ومساهمتنا فيها ليست خاضعة فقط لموقفنا المعروف بالنسبة لضرورة التفاعل مع شعبنا العربي الفلسطيني، وقدرة جماهيرنا واستعدادها، خاصة وانها لا تحمل مشروعًا انفصاليًا، فهي جزء من هذا الكيان وستبقى جزءاً منه، باعتبارها السكان الاصليين في هذا البلد، وفي الوقت نفسه مواطنة في هذا البلد، وجماهيرنا لا تريد الانفصال، وبالتالي فإن أدوات النضال التي تتبعها هي ليست أدوات انفصالية، انت لا تستطيع أن تجرح وتقتل وتطالب بالمساواة في الوقت ذاته، وبالتالي فإن أدوات النضال هي المظاهرة والاحتجاج والاضراب وغيرها من الأدوات. هذه هي أدوات النضال الجماهيرية الواسعة، المرتكزة بالأساس على معنويات الجماهير. يمكنك أن تقرر تنظيم مظاهرة جماهيرية ولكنك لن تتمكن من تنفيذها اذا لم تتواجد الجماهير المستعدة للتظاهر والتضحية الجماهيرية، ويمكن لعملنا أن يكون جماهيريا بالأساس. هذا مرتبط إذن، بمعنويات الجماهير، وبالوضع الاقتصادي وبالمنطقة، والآن تجري هجمة شديدة من قبل السلطة وعملائها واعوانها في المجتمع العربي والمرتبطين مصلحياً بها، الذين رفعوا رؤوسهم مؤخرًا، لتحميل القيادة الوطنية مسئولية تراجع وتدهور ما يسمى بالعلاقة بين العرب واليهود في هذه الدولة وكأن هذه الدولة هي جنة عدن. وبالتالي نحن نخوض الآن معركة حول هوية الجماهير العربية السياسية، ونخوض معركة حول طبيعة القيادة السياسية العربية، فهل يلزم في النضال داخل اسرائيل قيادة وطنية ملتزمة أم قيادة اندماجية او انتهازية أو غيرها، وعلى هذا يجري الصراع الآن، نحن نخوض في هذه الفترة الصراع على مستقبل الجماهير العربية وقيادتها، وهو صراع أعنف مما تتصور لأنه تخوضه أمامنا، بالاضافة الى عناصر انتهازية في الوسط العربي تستقوي علينا بالنفس الاسرائيلي، وزارات بأكملها قررت أن تستخدم التوظيف والوظيفة ولقمة العيش كأداة في النضال ضد القوى الوطنية. ومن ناحية أخرى تسعى الى تخويف الناس والخط الوطني، بالمحاكمات وسن القوانين وتغيير مفاهيم الحقوق. ويمكن القول انها كشرت عن انيابها. والمطلوب في هذه المرحلة بالذات، التحلي بأعصاب قوية والصمود، وهو ما تحاول أن تفعله القوى الوطنية وفي مقدمتها القوى المنظمة وأعني التجمع الوطني الديمقراطي بفكره وعقله وبحزم وارادة افراده. القدس المحتلة ـ مكتب «البيان»:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات