الملف السياسي ـ خبراء استراتيجيون لـ «الملف»: حصار عرفات هدفه ضرب روح المقاومة الفلسطينية

الجمعة 27 رجب 1423 هـ الموافق 4 أكتوبر 2002 للمرة الثانية وخلال شهور قليلة يتعرض الرئيس الفلسطيني المنتخب ياسر عرفات للحصار من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، هذه المرة تم تدمير مقره تماما ولم يترك له إلا حجرات مكتبه فقط دون ماء أو كهرباء أو غير ذلك من الأمور المهمة والضرورية لمعيشته، ورغم أن مجلس الأمن وبعد جهود مضنية من المجموعة العربية في الأمم المتحدة قد أصدر قرارا بضرورة إنسحاب القوات الإسرائيلية المتمركز حول مقر عرفات وتركه يمارس حياته وعمله بصورة طبيعية فإن الكيان الصهيوني لايزال رافضا لهذا القرار متحديا للمرة الألف القرارات الشرعية الدولية، ومؤكدا أنه لن يرفع الحصار إلا بعد تسليم كل القيادات الفلسطينية بالداخل للقوات الإسرائيلية. «الملف السياسي» التقى د. محسن عوض الخبير بشئون الصراع العربي الإسرائيلي والخبير الاستراتيجي د. عمرو الشوبكي في محاولة لالقاء الضوء على حصار الرئيس عرفات وهل هو خطوة ليست منعزلة عن السياق العام الذي تمر به المنطقة سواء على الصعيد الفلسطيني أو الإقليمي أو الدولي، وأهداف شارون من وراء هذا الحصار وهل يسعى لإجراء تغييرات جذرية في المنطقة وتفريغ الأراضي الفلسطينية من القيادات الميدانية والسياسية، والتضامن الفلسطيني الذي أظهرته مظاهرات الشارع هناك مع الرئيس عرفات وهل هي بمثابة رسالة إلى شارون بأن لا مجال لإعادة صياغة القيادة الفلسطينية، والموقف العربي من الاحداث الحالية وحصار عرفات وهل يبدو باهتا. نتائج سلبية بداية يرى د. محسن عوض الخبير في شئون الصراع العربي الإسرائيلي أن خطورة الموقف الحالي تكمن ليس في حصار عرفات لأن هذا الموضوع غالبا سوف ينتهي دون المساس بحياة عرفات وببعض المكاسب الإسرائيلية وكما حدث في الحصار السابق له والذي كان من بين نتائجه السلبية للجانب الفلسطيني والإيجابية للجانب الإسرائيلي، إقرار مبدأ ترحيل وإبعاد القيادات والعناصر الفلسطينية النشطة وكما حدث مع الثلاثة عشر مبعدا الذين تم ابعادهم لدول أوروبية، أما الخطورة الحقيقية لما يجري من تطورات الآن هو أن تقدم إسرائيل على إرتكاب حماقة أخرى وكبرى ضد الفلسطينيين مستغلة الإنشغال بموضوع ضرب العراق، ربما تمثل في عمليات ترحيل إجباري جماعي لاعداد كبيرة من الفلسطينيين سواء إلى الأردن مثلا أو من الضفة لقطاع غزة وهو ما قد يفجر المنطقة ويصعب الأمور أكثر، أما حصار عرفات في حد ذاته فليس هو المشكلة التي تؤرق المتابعين لتطورات الأحداث على الساحة الفلسطينية. ويعتقد د. محسن عوض أن شارون لديه أجندة وخطة يريد تنفيذها على أرض الواقع الفلسطيني تتضمن هذه الاجندة القضاء نهائيا على إتفاقية أوسلو وأية إجراءات تم إتخاذها على ضوئها ومنذ ذلك الوجود الفلسطيني الرسمي المتمثل في السلطة الوطنية وقوات الأمن الفلسطينية وغيرها من الأمور، هو يريد العودة إلى نقطة الصفر وحتى يبدأ مفاوضات جديدة وفقا لشروطه وأجندته التي لا تتضمن إعطاء الفلسطينيين أيا من حقوقهم والاستمرار في استخدام منطق القوة الذي يجيده في القضاء على روح المقاومة لدى الجانب الفلسطيني بأن يركز على القيادات والعناصر النشطة والفاعلة وقد قامت قواته بالفعل خلال الشهور الماضية بتصفية العديد من هذه القيادات عن طريق عمليات الاغتيال كان أهمها إطلاق عدة صواريخ على الشهيد أبو علي مصطفى وهو جالس في مكتبه، فضلا عن محاولته تنفيذ المخطط الصهيوني الخاص بتهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى خارج أراضيهم. قيادات بديلة وحول التظاهرات الفلسطينية التي خرجت ومازالت من الجماهير في الأراضي المحتلة ومن مختلف الفصائل وهل هي بمثابة رسالة إلى إسرائيل وأمريكا مفادها رفض محاولتهما إعادة صياغة القيادة الفلسطينية يقول د. محسن عوض : لاشك أن كافة الفصائل الفلسطينية تدرك جيدا حجم الخطر الذي يتهدد القضية الفلسطينية في ظل وجود حكومة شارون، وفي ظل الإنحياز الأعمى الأمريكي له، وكذلك في ظل الحملة الأمريكية ضد الإرهاب والتي صنفت كل منظمات المقاومة الفلسطينية على أنها منظمات إرهابية، ومن هنا فكل هذه الفصائل حريصة على تأكيد رفضها لكل المحاولات الأمريكية الإسرائيلية الساعية لإعادة هيكلة السلطة الفلسطينية ومنها عرفات نفسه واختيار قيادات بديلة ليست مناوئة لها، الفصائل الفلسطينية قد يكون بينها وبين عرفات خلافات عديدة ولكن عندما يتعلق الأمر بضرب الصف الفلسطيني من الخارج تتكاتف هذه الفصائل وتخرج في تظاهرات وهو ما يعبر عن حجم الوعي الذي تتمتع به في الوقت الراهن، لذلك لم يكن مستغربا خروج الشارع الفلسطيني كله لإظهار تأييده لعرفات ورفض كل محاولات الإطاحة به وبقيادته، وإذا كان البعض من الإسرائيليين قد حاول التقليل من أهمية هذه التظاهرات، فإن آخرين منهم وهم الأكثر فهما للأمور قد أزعجتهم هذه التظاهرات لأنها تقوي من موقف عرفات وتأتي كأنها إستفتاء على شعبيته بين الفلسطينيين. وفيما يتعلق بالموقف العربي من حصار الرئيس عرفات يشير د. محسن عوض إلى أن ضرورة أن يؤدي العرب واجبهم تجاه الشعب الفلسطيني سواء الحكومات أو الشعوب، فلو حدث وتخلت الحكومات العربية عن عرفات فهذا خطأ كبير ترتكبه لأن كل الشواهد ترى بأن هناك مخططا لن يتوقف عند حد تصفية القضية الفلسطينية وإزاحة عرفات ولكنه يستمد ليطول آخرين إذا هم سمحوا بتحقيق المرحلة الأولى منه التي تتم حاليا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما أن الرأي العام العربي مطالب هو الآخر بالاستمرار في تقديم الدعم للشعب الفلسطيني بكل الطرق الممكنة وحتى لا يظن الإسرائيليون أن هناك فتورا قد حدث بالنسبة للتأييد الشعبي العربي للفلسطينيين. تقويض شرعية عرفات ومن جانبه يعتقد الخبير الاستراتيجي د.عمرو الشوبكي أن شارون يهدف من خلال الاستمرار في حصار عرفات إلى تقويض شرعيته بعد أن نجح تقريبا في تقويض شرعية السلطة الوطنية. شارون يريد هدم مؤسسة الرئاسة وخاصة إنها الوحيدة التي مازالت تظهر تماسكا أمام شارون هو يدرك أن الكثير من المساعدين المقربين من عرفات محتجزين حاليا معه في المقر لذلك فهو يحاول إتخاذ إجراءات ضدهم من قبيل ما حدث من قبل مع من غادروا إلى دول أوروبية، وبالتالي يفقد عرفات سندا كبيرا له وهذا كله بهدف تقويض شرعيته وضرب صمود مؤسسة الرئاسة، أما أن يمس شارون حياة عرفات فهذا لن يحدث للتداعيات الذي قد تنتج عن ذلك في إنتفاضة شعبية عربية وإستنكار دولي منتظر من ناحية، ومن ناحية أخرى هو لا يريد لعرفات أن يدخل التاريخ كشهيد قد قضى نحبه دون التخلي عن قضية شعبه، أي أن شارون يريد أن يقوض كل الأجهزة المتماسكة داخل السلطة، وخاصة الجهازين الأمني والسياسي حول عرفات وبعدها يتم زرع بديل آخر لتولي القيادة. ولا يوافق د. عمرو الشوبكي على أن رد الفعل الشعبي العربي أو الدولي جاء باهتا هذه المرة فيما يتعلق بموضوع حصار عرفات ويرى أن الأيام الماضية شهدت تظاهرة ضخمة في لندن سار فيها أكثر من 150 ألف شخص، كما نظم حزب الله تظاهرة ضمت نحو ربع مليون شخص وهي تظاهرة ضخمة بكل المقاييس في دولة مثل لبنان، كما خرج كل الفلسطينيين في تظاهرات تأييدا لعرفات، وفي دول عربية أخرى حدثت مظاهرات، أي أن رد الفعل ليس باهتا ولكنه تأثر هذه المرة بما يمكن أن يطلق عليه «التعود »، فقد تعرض لذلك من قبل وهناك اعتقاد لدى الجميع أن عرفات نفسه لن يمس وأن إستمرار حصاره له أهداف أخرى، أما بالنسبة لخروج الشارع الفلسطيني كله فهذا يرجع إلى شعور المواطن الفلسطيني أن روح المقاومة هي المقصودة من حصار عرفات، إسرائيل تريد أن تقضي على هذه الروح ومن هنا شعر الشعب الفلسطيني بالخطر وهب ليعلن تمسكه بالمقاومة كخيار وحيد حتى ينتزع كل حقوقه، ومن هنا كانت المظاهرات الضخمة التي ملأت الشارع الفلسطيني. وحول الموقف العربي الحالي حيال موضوع حصار عرفات يؤكد د. الشوبكي أن الموقف الرسمي العربي جاء أقل من المأمول بكثير، نعم هناك تعاطف مع عرفات في موقفه الصعب الحالي، ولكن دون دعم كامل أو احتضان كاف لمنطق المقاومة رغم أنه من المفروض أن يكون هناك احتضان أكثر لها والتأكيد على إستمرارها وحتى الحصول على الحقوق الفلسطينية ،كما يجب على الحكومات العربية ألا تضع قيودا على العمل الشعبي العربي لدعم الصمود الفلسطيني، وذلك بأن تتاح الفرصة كاملة للمنظمات العربية الأهلية للعمل بحرية تامة لتقديم الدعم للأشقاء في فلسطين. القاهرة ـ مكتب «البيان»:

تعليقات

تعليقات