الملف السياسي ـ عرفات بين حصارين، القضية الفلسطينية بين هشاشة الموقف العربي وسلبية المجتمع الدولي

الجمعة 27 رجب 1423 هـ الموافق 4 أكتوبر 2002 منذ الحصار الأول الذي فرضته السلطات الاسرائيلية على الرئيس عرفات قبل عدة أشهر كانت التخوفات المطروحة في هذا الشأن - من قبل نفر من المراقبين - هو أن يتم اختزال القضية الفلسطينية برمتها في قضية واحدة هي اطلاق سراح عرفات من هذا الأسر! واليوم ومع فرض الحصار الثاني يتأكد أن مثل هذه التخوفات كان لها ما يبررها فلا حديث للمعنيين في المنطقة العربية وخارجها إلا عن رفع الحصار المفروض على مقر الرئيس عرفات، واذا وضعنا في الاعتبار تواتر التهديدات الأميركية بضرب العراق وسعي الرئيس الأميركي بوش الابن الى تجييش الجيوش اقترابا من نقطة الصفر، ثم انشغال العالم أجمع بهذا الأمر، لأمكننا أن نفهم أن القضية الفلسطينية باتت تأخذ مكانها جانبا على الأجندة الدولية فضلا عن أنها - بالفعل - لم تعد تتمحور إلا حول شخص الرئيس عرفات ورفاقه من دون بقية الشعب الفلسطيني الذي يعاني آلام التجويع بعد أن هدمت السلطات الاسرائيلية معظم منشآته الانتاجية، وأوقفت كل ما يدور أو يتحرك داخل المخيمات التي تحولت - بشكل أو بآخر - الى سجون وزنزانات. ووسط ضجيج طبول الحرب ضد العراق، راجت مجددا في الأوساط الدولية مقولة كان رددها - وأصر عليها- برلسكوني رئيس وزراء ايطاليا قبل أكثر من شهرين يقول فيها: لو كنت في مكان الرئيس عرفات، لتركت موقعي لقيادة بديلة، ويكفيني شرفا أني أصبحت - والحالة هذه - رمزا للصمود والكفاح الفلسطيني. فها هي تذكر صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» أن احتفاظ واصرار عرفات بالبقاء في موقعه بات يكلف الفلسطينيين غاليا في إشارة الى أن تخليه عن مقعد الرئاسة سيكون أخف وطأة. ومما يزيد الطين بلّة أن أحدا ليس بوسعه إحداث أي تغيير في الأوضاع بالمنطقة غير الطرف الاسرائيلي وهو ما يعني تكريس «عدمية» القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، والمثال الصارخ على ذلك هو القرار الأخير (رقم 1435) الصادر عن مجلس الأمن بموافقة 14 دولة وامتناع الولايات المتحدة عن التصويت، والذي واجهته اسرائيل باستخفاف مضاعف، فذكر مسئول اسرائيلي كبير لمنظمة الأمم المتحدة أن تصدر ما تشاء من قرارات أو تطلب ما تريد، فلن نلتفت اليها، وسوف نمضي في طريقنا ونواصل عملياتنا حتى نحقق أهدافنا المحددة. وكان شيمون بيريز وزير الخارجية - كشف عن وجهه الثعباني الكريه بتصريحات تؤكد أن قرار مجلس الأمن الأخير سوف ينضم الى ما سبقه من قرارات دولية لتكون المحصلة النهائية صفرا. وبحسب تعليق لصحيفة «لوفيجارو» الفرنسية فإن خيوط الحركة جميعا في يد واحدة هي اليد الاسرائيلية، ولا قيمة لما نراه أمامنا من تحركات، صادرة من أطراف أخرى. وفي انتقادها للموقف الأوروبي المعبر عن ال15 دولة الأعضاء في الاتحاد تقول «لوفيجارو» لا أحد يسمع عن أوروبا، ترى أين ذهبت، وأرجعت الصحيفة هذا الغياب الى ما أسمته بعدم وجود سياسة أوروبية خارجية موحدة ثم انشقاق الدول الأوروبية حول الموقف من اسرائيل بسبب وجود علاقات ثنائية حميمة مع دول أوروبية كثيرة تمنعها من أن تأخذ موقفا قد تعتبره اسرائيل عدائيا. وذكرت لوفيجارو أن هذه المنشآت التي تستهدفها العمليات العسكرية الاسرائيلية لم تبن بغير المساعدات الأوروبية، وفي بداية الأزمة، ومع الحصار الأول لعرفات كانت ارتفعت أصوات أوروبية تنادي باعتزامها استصدار قرار من المفوضية الأوروبية يجبر اسرائيل على دفع تعويضات للأوروبيين والفلسطينيين على السواء مقابل هدمها للمنشآت ومراكز التدريب، والتأهيل الصحي والمهني، وبقية البنى التحتية، ولم تكد تمر بضعة أيام على هذه التصريحات حتى ابتلعت كل دولة أوروبية ما كان صدر عنها، ولم يعد أحد يحتج أو يعترض، وبات أمر الهدم عاديا، وأمر الصمت عليه أيضا! والمؤسف أن قضية الثأر الأميركي من العراق أصبحت تتصدر كافة المباحثات إقليميا ودوليا ولم يعد في عقل القيادة الأميركية مكان إلا لتصريحات من نوع ما أطلقه الرئيس بوش مؤخرا واصفا فيها حصار عرفات بأنه ليس مفيدا لتحقيق السلام. ولاشك أن القراءة المتأنية لما يحدث على الساحتين الاقليمية والعالمية، واصرار اسرائيل على المضي في سياسة الاذلال لعرفات وشعبه - ومن ورائهم الشعوب العربية من المحيط الى الخليج! تكشف ضمن ما تكشف هشاشة الموقف العربي وعجزه التام عن تحريك الأوضاع ولو قيد أنملة. الخطير في الأمر أن مجلة جون أفريك أشارت في تعليق لها الى أن بعض الدول في المنطقة العربية باتت تميل الى ما تروجه الأوساط الاعلامية الصهيونية ويتعلق بأن عرفات أصبح عقبة في طريق حلحلة القضية الفلسطينية، وضربت مثالا على ذلك ببعض المقالات التي صدرت في صحف عربية تحث عرفات على أن يترك المسيرة لكي يقودها جيل آخر جديد، ليس له نصيب في الموروث العدائي الاسرائيلي - الفلسطيني. وتشير المجلة التي تصدر بالفرنسية الى أن مثل هذا الأمر لن يكون سهلا على الرئيس عرفات الذي يفضل الشهادة على الاستسلام أو التسليم! الغريب أن فكرة اعتبار عرفات عقبة في طريق السلام مع اسرائيل بدأت تجد آذانا صاغية حتى داخل دهاليز البرلمان الأوروبي في استراسبورغ ففي مقالة لأحد البرلمانيين الأوروبيين نشرتها جريدة «لوسوار» البلجيكية رجح الكاتب فكرة أن يحتفظ عرفات بصورته التاريخية التي حفرت نفسها - بحق - في أذهان العالم، كقائد لنضال شعبه منذ عشرات السنين وقد يكون مناسبا - هكذا يقول البرلمان الأوروبي - تفصيل موقع قيادي شرفي مقابل اتاحة الفرصة لغيره من شباب القادة لكي يواصلوا المسيرة السلمية. وهكذا يتكشف - في التحليل النهائي الغربي - أن عرفات كان رمزا للتحرير بأسلوب الحرب، والعراك، وقد آن أوان ظهور رمز فلسطيني آخر ليقود عملية التحرير بأسلوب التفاوض السلمي. اللافت للنظر أن أحدا من الأطراف الدولية - لم يعد يقف طويلا أمام التعنت الاسرائيلي الذي جعل كل القرارات الدولية لا تساوي قيمة الحبر المكتوبة به - ولا أمام الهمجية الاسرائيلية التي تحصد أرواح الشهداء كل يوم، وكأن الموت بات حلالا ذلالا لأبناء فلسطين، وأصبح التركيز الآن على شخص عرفات إما باختزال القضية في شخصه فقط، أو بترويج فكرة تغييره. وفي كتاب صدر حديثا بعنوان «حروب أميركا ضد أوروبا» رجح المؤلف الكسندر ديل فال - وهو استراتيجي فرنسي كبير - كفة تغيير عرفات بقوله ان الاقتراحات التي كان قدمها ايهود باراك لياسر عرفات ولم يقبلها الأخير، لن يطرحها أحد بعد اليوم لأن سياسة شارون التي لا تقيم وزنا لأي شيء اقليميا ودوليا، قطعت الطريق نهائيا أمام عودة مثل هذه الأفكار التي كان تقدم بها باراك. ويذكر الكتاب أيضا أن باراك كان أفضل مفاوض اسرائيلي لكن عرفات لم يستغل هذه الفرصة وأشار الى أن باراك قال يوما: «إذا وضعت نفسي في مكان أي فلسطيني، فلن يكون أمامي غير الكفاح المسلح» والكسندر ديل فال يشير بذلك الى أن مساحات الاتفاق بين باراك وعرفات كانت كبيرة وممتدة، لكنها ضاعت من بين يدي عرفات، الذي وقع بالمقابل ضحية لتطرف اسلامي «راديكالي» تعبر عنه بعض فصائل انتفاضة الأقصى. د. سعيد اللاوندي ـ كاتب مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات