السبت 21 رجب 1423 هـ الموافق 28 سبتمبر 2002 «الحرب الشاملة المدروسة التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني لم تظهر نتائجها بعد إلا في حدودها العامة والمباشرة المتمثلة بالشلل التام الذي احدثه هذا العدوان الصهيوني على المجتمع الفلسطيني وقطاعاته كافة، بما فيها المرأة، باعتبارها الاساس الذي يمكن من خلاله كسر الارادة الواضحة للمجتمع الفلسطيني وتحويله إلى كتل بشرية منقادة ومستسلمة لجبروته، والمراة الفلسطينية تقع ضحية بشكل اكثر عنفا وتركيبا لدورها الهام والحيوي في المجتمع». هذا ما جاء في دراسة لريما كتانة نزال التي تشغل مناصب عدة اهمها عضو المجلس الوطني الفلسطيني، وعضو المجلس الاداري للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، ونائب رئيس التجمع الوطني لأسر شهداء فلسطين. وقالت كتانه ان العقوبات الجماعية سياسة إسرائيلية قديمة جديدة فقد واصلت إسرائيل ممارسة سياسة العقوبات الجماعية على الشعب الفلسطيني منذ قيامها باحتلالها الأراضي الفلسطينية في عام 1967 (الضفة الغربية وغزة) حيث فرضت الحصار والاغلاق الشامل والجزئي ونظام منع التجول كشكل من أشكال العقوبات الجماعية غير عابئة بما تخلفه هذه السياسة من آثار ونتائج مدمرة على المجتمع الفلسطيني بأسره وبما يترتب عليها من ردود فعل، وما تثيره من انعكاسات على الرأي العام الأقليمي والدولي. باشرت حكومة إسرائيل بفرض الحصار على جميع المناطق المحتلة بعد إنطلاقة إنتفاضة الإستقلال والأقصى مباشرة وفي الشهر الثاني منها، ويستهدف الحصار المفروض من ضمن ما يستهدف الى عزلة المدن عن محيطها من قرى وبلدات عن طريق إقامة الحواجز ونقاط التفتيش الثابتة والمتحركة مما أنشأ معازل سكانية فصلت من خلالها المدن عن بعضها البعض بشكل تعسفي، حيث يرتبط الريف الفلسطيني عضويا بالمدن، ويعتمد عليها بشكل كامل في مجال الخدمات الصحية والتعليمية والثقافية، وفي مجال البنى التحتية ترتبط القرى بشبكات الماء والكهرباء والمواصلات المنطلقة من المدن، بالمقابل فإن المدن الفلسطينية تعتمد في غذائها الزراعي والحيواني وفي العمالة بشكل كبير على الريف. وأشارت كتانة في دراستها إلى أن السياسة العدوانية الإسرائيلية المتمثلة بالحصار الخانق وفرض نظام منع التجول لعدة اشهر بشكل متواصل، مست جميع الفئات والقطاعات الاجتماعية بما فيها المرأة وجعلت الجميع موضوعيا في حالة مواجهة واشتباك مع الجيش الإسرائيلي، فالمعلمات سيواجهن حتما الحواجز لدى ذهابهن الى مدارسهن في الريف، وكذلك العاملات في طريقهن للعمل في المدن، والطالبات في طريقهن الى جامعاتهن ومدارسهن أو الطبيبات أو المزارعات، كلهن سيتعرضن لجنود الاحتلال في ذهابهن وإيابهن، مؤكدة أن هذه السياسة الاحتلالية جعلت الشعب الفلسطيني والنساء في قلبه في مواجهة مباشرة مع جيش الاحتلال على الحواجز ونقاط التفتيش المدعومة بالدبابات والمجنزرات والجرافات، ودون ادنى مبالغة اثر الاحتلال بحصاره المحكم والمتصاعد وباضراره المتعمد بمصالح المواطنين وحول العاملة والمعلمة والطبيبة والطالبة وحتى المرضى الى مناضلات، ومهنهن الى مهن نضالية من الطراز الأول تمارسها المواطنات في ذهابهن وإيابهن من والى المدن. وقد استشهدت (142) إمرأة، أي بواقع 7% من إجمالي عدد الشهداء وجرح ما نسبته 9.2% من النساء من إجمالي عدد الجرحى البالغ عددهم أربعون ألفا، وتم اعتقال ستون امرأة، ومعظم الشهيدات والجريحات سقطن أو أصبن على الحواجز أو على الطرق الالتفافية الترابية التي يستخدمها المواطنون لتلافي مواجهة قوات الاحتلال، التي تمنعهن من استخدام الطرق الرئيسية الاعتيادية وهم أصحاب الأرض الأصليين. وأكدت الدراسة أن الحصار المتواصل والمفروض كعقوبة جماعية مارسته قوة الاحتلال إعتبارا من سبتمبر لعام 2000، أتبعته بسلسلة من الاجتياحات والتوغلات وإعادة الاحتلال لكافة المدن ومعظم القرى الفلسطينية، ومن ثم قامت بفرض نظام منع التجول المتواصل منذ نهاية مارس 2002 على الشعب الفلسطيني بالضفة الفلسطينية المقدر عددهم بمليوني مواطن نصفهم من النساء وثلثهم من الأطفال. تأثير الحصار على المرأة وتحت عنوان «تأثير الحصار على الأوضاع الاقتصادية للمرأة» اشارت الدراسة إلى انه منذ بداية الانتفاضة أغلقت حكومة إسرائيل أبوابها أمام العمالة الفلسطينية، مما حرم أكثر من مئة ألف عامل وعاملة من فرص العمل داخل الخط الأخضر، وترافقت هذه السياسة مع عملية الحصار والتدمير المنهجي للبنية الاقتصادية الفلسطينية الأمر الذي فاقم من أزمة البطالة بشكل عام وفي صفوف النساء بشكل خاص، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار بأنها كانت مرتفعة قبل انطلاق الانتفاضة والمقدرة ما بين 8 ـ 17، 20.5% ما بين السنوات 1995 ـ 1997، علما بأن الأرقام أيضا لا تعبر تماما عن حجم البطالة أو العمالة لوجود ما يصطلح على تسميته بالقطاع غير المنظم أو غير الرسمي، وقد قدر حجم البطالة العامة في الاراضي الفلسطينية حسب تقرير المنسق الخاص للأمم المتحدة الذي اعلنه في 29/8/2002 (63.3%) في الضفة الفلسطينية أما في قطاع غزة فقدرت بـ (50%) دون تحديد حجم البطالة النسائية، والتقديرات تتجه الى أن البطالة في صفوف النساء أعلى من الرقم العام للبطالة قياسا بما كانت دائما عليه فيما سبق، وقد أفاد ذات التقرير بأن 55% من الأسر الفلسطينية تعيش تحت خط الفقر، و أن 77 ألف عامل قد فقدوا عملهم في مناطق السلطة الفلسطينية بسبب إغلاق العديد من المصانع والاستغناء عن عدد واسع من العمال والعاملات بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية او بسبب قصف وتدمير قوات الاحتلال للمنشآت الاقتصادية، ومن المؤكد أن هذا الرقم يشمل عددا كبيرا من العاملات تحديدا في مصانع النسيج والأغذية والادوية وغيرها. وأشارت الدراسة إلى انه بسبب الحصار فقدت مصادر الرزق وانخفض مستوى الدخل والمقدر حسب المنسق الخاص للأمم المتحدة في المناطق المتحدة (تيري رود لارسن) بدولارين لـ 70% من الأسر في غزة، ول55% من الأسر في الضفة الفلسطينية، وأفاد ذات التقرير بأن 20% من الأسر قد فقدت دخلها الشهري تماما، وأن 56% من الأسر قد فقدت نصف دخلها الشهري. ولدى رصد أثر فقدان مصدر الدخل أو انخفاضه أفاد المسح الذي أجرته دائرة الإحصاء المركزية بأن 61.7% من الأسر الفلسطينية في الضفة و65.9% في قطاع غزة تواجه صعوبة في الحصول على المواد الغذائية، وبأن 85.2% من الأسر قد واجهت صعوبة في الحصول عليه بسبب الحصار و56% من الأسر بسبب فقدان مصدر الدخل، ونلاحظ هنا الترابط الوثيق بين الحصار وفقدان مصدر الدخل، حيث أدى الحصار الى عدم قدرة العاملات من الوصول الى عملهن، كما أن العديد من المصانع الفلسطينية قد أغلقت أو قلصت عدد العاملات فيها بسبب الخسائر التي لحقت بالقطاع الاقتصادي. واضافت كتانة في دراستها إن وقوع 55 % من الأسر تحت طائلة الفقر الشديد كما تفيد المعطيات السابقة الذكر قاد الى التأثير على النمط الغذائي للأسر الفلسطينية بإتجاه تغييره نحو الاسوأ، سواء بالإستغناء عن التزود باللحوم أو الفواكه، فالوجبة الغذائية للعديد من الأسر اصبحت تقتصر على بعض الضروريات التي تمكن من استمرار الحياة، ووصل الأمر لدى بعض الأسر للإكتفاء بالشاي والخبز كوجبة رئيسية يوميا، وحسب معطيات دائرة الاحصاء المركزي فقد خفضت 68.5% من الأسر من استهلاكها للحوم وقامت 72.8% من الأسر بتخفيض كمية الفواكه المستهلكة شهريا، وقامت 58.6% بتخفيض كمية الحليب ومشتقاته من وجباتها، هذه النسب العالية من الأسر التي غيرت من نمط غذائها يدل أن جميع الأسر قد غيرت من أساليب استهلاكها الغذائي، وبالتأكيد فإن الأسر التي تترأسها النساء والبالغة عشية الانتفاضة 16% من الأسر قد تضررت الى حد بعيد والتقدير ان هذه النسبه قد ارتفعت بسبب استشهاد آلاف أرباب الأسر واعتقال وإعاقة عشرات الآلاف ومطاردة المئات. وبينت الدراسة ان نسبة عالية من الأسر الفلسطينية قامت بتغيير النمط الغذائي لها باتجاه تخفيض نوعيته وقيمته الغذائية تمشيا مع انخفاض دخل الأسرة والفقر المدقع الذي تفشى في أوساط الفلسطينين، ورغم ذلك فان الامور لم تقف عند هذا الحد بل تفاقمت بشكل مأساوي دفع ب 61.9% من الأسر الفلسطينية الى الإستدانة من أجل الحصول على الغذاء، وقامت 43.2% من الأسر ببيع مدخراتها، وهذه المدخرات تشتمل على مقتنيات النساء من ذهب وحلي كما أن 32.1% من الأسر تعتمد بشكل رئيسي على المساعدات الغذائية الانسانية المقدمة من جهات مختلفه، والتي لا يمكن أن تكون كافية لتقطعها من جهة، ولعدم كفايتها كما ونوعا من جهة أخرى، وهذا ما يؤكده المنسق العام للأمم المتحدة في المناطق المحتلة في تقريره الذي قال به :«بأن نسب الفقر قد أزعجتني لكنني غير متفاجئ بسبب القبضة الحديدية التي تمارسها إسرائيل». وأضاف: «أن المساعدات لا يمكن أن تسد الفجوة، ولكن بدونها سيكون الإنهيار، إذ أن المدنيين الفلسطينيين يزحفون أمام عيون العالم ليتمكنوا من العيش». ـ وأشارت الدراسة إلى ان الحرب الهمجية التي تشنها قوات الاحتلال على المدنيين هي حرب نفسية في جزء هام منها، تبثها عبر اعلامها ودسائسها، وما العقوبات الجماعية كسياسة فرض منع التجول المتواصل إلا جزء من الحرب النفسية المنهجية والمدروسة التي تشهد المناطق المحتلة آثارها، والتي تربطها حكومة اسرائيل في الاعلام بالهدوء والتوقف عن المقاومة، ومن جانب آخر فإن الأمهات والأسر ينتظرن بفارغ الصبر رفع منع التجول ليتسنى لهن التسوق أو لإرسال أبنائهن للمدارس وليتمكن أزواجهن من الذهاب للعمل، مؤكدة أن هذا يخلق تناقضا موضوعيا وجدلا ساخنا توضع من خلاله المقاومة في تناقض مع سير الحياة وعودة المدارس ورفع منع التجول، وأشارت إلى أن هذا الجدل اذا ما اختل توازنه، فقد ينقل اللوم وتحميل المسئولية لبعضنا البعض، ويتم تغييب السبب الحقيقي للمعاناة فإغلاق المدارس وتوقف سبل العيش الذي يتحمل مسئوليته استمرار الاحتلال الغاشم ولا أحد غيره. مشيرة إلى أن قصف المنازل المستمر وتدميرها والذي بلغ عددها (2465) بيتا ومنشأة مدنية في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة منها 1500 منزل دمرت بشكل كامل وآلاف المنازل دمرت جزئيا او انها هجرت بسبب تعرضها الدائم للقصف، احدث أثرا عميقا على نفسية النساء، فالبيت هو الأمان والحماية للأسرة وبديله هو التشرد واللجوء والضياع والفقر والانتقال من وضع اجتماعي واقتصادي الى آخر جديد، فانتقال العائلة الى الخيمة أو للسكن عند الأقارب أو الجيران أو حتى استئجار بيت جديد يشعر النساء بأن حياتهن وأسرهن تتجه الى المجهول، فهي أولا أمام استحقاقات عليها أن تحسمها لكي تساعد أسرتها على حسمها وتقبلها، بدءا من امتصاص الصدمة مرورا باستيعاب التغيير الذي طرأ والتكيف معه، وانتهاء بالتماسك والنظر مجددا الى المستقبل، وما يزيد من وطأة الوضع، ويجعل مواجهته صعبة وخطيرة انهيار وتدمير البنية التحتية الاجتماعية والنظام الاجتماعي الذي يعتبر الحل الطبيعي لو بقي دون تدمير من الاحتلال. وخلصت الدراسة أيضا إلى أن الحصار ومنع التجول حول المجتمع إلى رهينة، تمسك القوة حياته الطبيعية المتوقفة عن العمل والإنتاج والدراسة والتواصل الإنساني، يقوم من خلالها الاحتلال بالإفراج عن الرهائن لبعض الوقت للتسوق بما تيسر من مال، ليصبح سقف المطالب الإنسانية ينحصر ببضعة ساعات للتجول والتسوق بهدف تكييف إرادة الفلسطيني مع سقف السياسة الإحتلالية. هذه السياسة الاسرائيلية الخبيثة خلقت اضطرابا في المجتمع الفلسطيني يجب رؤيته والتعامل معه بمسئولية بعيدا عن رد الفعل ومعالم هذا الاضطراب تتمثل في النقاش والجدل حول اشكال النضال ومفهوم السلام ومفهوم الاصلاح والديمقراطية، والمرأة وأطرها هي جزء من هذا النقاش لأنها الأكثر تأثرا وتهميشا وبالتالي فهي صاحبة مصلحة في دفع النقاش على امتداده وبما يعزز من دورها ومشاركتها في صنع القرار وبما يتلاءم مع عطائها ونضالها. المرأة الفلسطينية وشعبها أمام امتحان إرادات، إرادة الاحتلال بكل ترسانته العسكرية المتطورة، مقابل إرادة الصمود والتحدي والتماسك والتمسك بالحل العادل، والقدرة الخلاقة لنساء فلسطين في مواجهة الأزمة، والوقت لصالحنا. عمان ـ مفلح عياش: