الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 يواجه العالم كله، وليس العالم العربي وحده، واقعا اميركيا جديدا. ولا يبدو ان العالم العربي وحده هو المستهدف، وان كان هو المستهدف الاكبر في الوقت الحالي. بقية العالم تدرك جيدا ان استهداف العالم العربي انما يمثل الجولة الأولى في خطة طويلة المدى تؤدي الى تنامي القوة الاميركية بشكل كاسح الامر الذي يعمق عصر الهيمنة الاميركية ويفرضها واقعا لا سبيل لمقاومته حتى من قبل الدول الكبرى مجتمعة، ولذلك تتعالى اصوات تلك الدول بأكثر مما تتعالى اصوات الدول العربية ضد العزيمة الاميركية الماضية لضرب العراق. ان ضرب العراق والاستيلاء الاميركي على ثرواته ربما كان هو النتاج الحقيقي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر التي رجت اميركا كما لم يرجها حادث من قبل، وحفزت قطاعا واسعا من المؤسسة السياسية الحاكمة والرأي العام باتجاه فرض الهيمنة والهيبة الاميركية على الجميع بلا استثناء ذلك ان السماح بتهاوي الهيبة الاميركية على اثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر امر لا تحتمل مغباته بحال، وقد يكون فاتحة لهجمات اخرى او فاتحة للاضمحلال الاميركي العام. ولذلك يتبارى على صعيد المؤسسة الحاكمة تياران في تصعيد ردود الفعل الاميركية على احداث سبتمبر. التيار الاول هو تيار المحافظين بالحزب الجمهوري الذي تأثرت سلطتهم في البيت الأبيض ايما تأثر بوقع هجمات سبتمبر ويتعرضون لمحاسبة عسيرة من الرأي العام على أدائهم، في الازمة التي لا تزال متفاعلة في الداخل الاميركي، اما التيار الثاني فهو التيار الديني الاصولي الذي كان يروج اصلا للخطر العربي الاسلامي على اسرائيل وأميركا، وهو تيار مهتم بأمن اسرائيل اكثر من اهتمامه بأمن اميركا ومعبأ بالكامل لاقتحام العالم الاسلامي بل العالم غير النصراني اجمع لنشر الرسالة الانجيلية في حناياه بأي وسيلة اقتضى الحال اتباعها، واذ جاءت احداث سبتمبر مهيئة لاتخاذ اقصى وسائل العنف ضد الغير، فهي فرصة لا يمكن تفويتها بحال. واذا كانت افغانستان قد سقطت ببساطة وفي وقت قياسي، فقد كان ذلك حافزا اضافيا لمواصلة المسيرة الاميركية لبسط الهيمنة على العالم الاسلامي وتسريع وتيرة تلك المسيرة، وتوجيهها احيانا غير وجهتها السابقة، ولذلك فقد تم خلق الذرائع والتعللات غير المنطقية ولا المستساغة بشأن الربط ما بين القاعدة ونظام بغداد، بهدف جعل بغداد المحطة الثانية في تلك المسيرة. لذلك فؤماحتلال العراق هدف مزدوج لمحافظي الحزب الجمهوري وأنصار اليمين الديني على السواء، الاوائل يمثلون جملة من اكبر قادة لوبي شركات البترول في أميركا، والعراق هو مستودع البترول الاكبر بعد المستودع السعودي يليه مستودع بحر قزوين الذي بات تحت السيطرة الاميركية على التقريب، لذلك يضع محافظو الحزب الجمهوري نصب أعينهم استغلال الاحداث الراهنة من اجل ان يبسطوا ايديهم على المستودع البترولي العراقي وهو امر يعني بعامل الترجيح اكمال السيطرة على سوق النفط وتكييف اسعاره بما يناسب الطلب الاميركي. وما يهم دهاقنة اليمين الديني الاميركي هو تحطيم القوة التسليحية العراقية التي يخشى منها على تبديد الحلم الانجيلي باكتمال المشروع الاسرائيلي الذي يمهد لنهاية الزمن الارضي. واذا كانت اكثر دول العالم لا تأخذ مشروعات اليمين الديني الاميركي مأخذ الجد، فإنها تأخذ ولاشك مشروعات وبرامج وخطط المحافظين مأخذ الجد الكامل، ولذلك تبارت معظم دول العالم في مقاومة المشروع الاميركي لضرب العراق، وتغيير نظام الحكم فيه، وهو الامر الذي يعني عمليا احتلاله وتوجيه اوضاعه لفترة طويلة قادمة، والاستفادة الى اقصى حد ممكن من امكاناته الاقتصادية، لمضاعفة امكانات القوة الاميركية، والسير بها الى مراق لا تدرك، وهو ما يفزع قوى دولية عديدة تتطلع الى تحقيق بعض الانفكاك عن القوة الاميركية، وادراك قدر من الاستقلالية، مع العمل على انجاز نظام دولي جديد يشهد نوعا من التوازن الخليق بكفكفة القوة الاميركية الانفرادية بساحة الفعل الدولي، ولكن كل احلامها تلك ستتطاير اذا ما تمكنت اميركا من وضع اقدامها في العراق ومكنتها تلك الخطوة من بسط سطوتها عسكريا وسياسيا واقتصاديا في اتجاهات اخرى الشعور الاعمق بالخطر هذا الخطر الذي ينبغي ان يكون العالم العربي اعمق شعورا به من الآخرين انما يتجلى للدول الكبرى على الخصوص لانه يؤدي مباشرة الى الخصم من قوتها والى تهميشها في عالم الفعل السياسي والاقتصادي، ولذلك كانت دول كروسيا والصين وفرنسا اشد الدول قلقا من تمادي حكومة اليمين الاميركي المحافظ في التصعيد وتضخيم الخطر العراقي، ودق طبول الحرب واستفزاز القيادة العراقية بارسال الاساطيل وحاملات الطائرات بهدف جرها جرا الى الحماقة والاصرار على رفض استقبال فرق التفتيش بما يهييء التبرير الكامل لاعلان الحرب على العراق وتحطيمه، ومن ثم احتلاله. وقد ظلت حكومات تلك الدول القلقة توالي مجهوداتها عبر الدبلوماسية السرية والعلنية لاثناء القيادة العراقية عن تصلبها غير المجدي واقناعها بقبول قرارات مجلس الامن القاضية بضرورة اجراء التفتيش، وذلك حتى استجابت القيادة العراقية اخيرا لمطلب فتح ابواب البلاد للتفتيش غير المشروط. ولا شك ان الدول العربية لا تملك ادراكا كافيا فيما يبدو بجسامة الخطر الذي سيستفحل على اثر ضرب العراق والسيطرة الاميركية عليه وهي السيطرة التي ستكون خصما مهولا على القوة العربية واضافة لا تقدر الى القوة الاسرائيلية الامر الذي يؤدي الى تدمير موازين القوى الاقليمية على ما فيها من تطفيف وخلل جسيم. لكن لحسن حظ العالم العربي فإن هنالك من يعي ذلك الخطر بشكل ادق وأفضل وهي جملة القوى التي تخشى ان يصيبها مزيد التمدد الاميركي بانكماش عظيم. ولذلك فما ان ارسل وزير الخارجية العراقي رسالة استجابة لشروط التفتيش للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان حتى اعلنت تلك الدول عن اغتباطها وتسابقت في سبيل تثبيت الموقف العراقي وتثمينه والتصدي به لمواجهة التشكيك الاميركي ـ كانت روسيا بحكم ان اي تطورات في وضع العراق تمسها من جميع النواحي هي الاسرع في استثمار الاعلان العراقي الاخير ولذلك عارض مندوبها في الأمم المتحدة قيام الولايات المتحدة بأي محاولة جديدة لاستفزاز العراق ودفعه للتراجع عن ذلك الاعلان. خطر الشروط الجديدة وقد سارع كولن باول في ذلك المسعى بالزعم ان خطوة العراق تفتقر الى المصداقية، وانها من قبيل التكتيك المراوغ الذي يبغي كسب الوقت، وربك حسابات الحرب واذا كان ذلك هو الافتراض الاميركي التلقائي تجاه الموقف العراقي، فيجوز تبعا لذلك توقع اقدام اميركا على استفزاز العراق بما يكفل توريطه في الحماقة المعهودة وذلك ما تحاول روسيا ان تواجهه وتحبطه على ساحة مجلس الامن حيث تتوجه همة المندوب الاميركي بمجلس الامن نحو استخراج شروط تأديبية جديدة على العراق من المنظور ان يرفضها العراق فيتأزم على اثرها الوضع بحيث لا يعالج الا باعلان الحرب. وتعتقد الصين انها ستكون محطة تالية في مجال الضغط الاميركي اذا ما تهيأ لاميركا بسط سيطرتها على العراق بعد سيطرتها على افغانستان. واذا ظل المراقبون يعتقدون ان المضايقات الاميركية التي طالت الصين لاكثر سنوات العقد الماضي قد خفت الآن، فإن ذلك ليس شعور السياسيين الصينيين الذين يعتقدون ان دور بلادهم قادم لا محالة على اثر استكمال اميركا لجولاتها الحالية في مجال احكام السيطرة على بعض الانحاء الاستراتيجية من العالم، ويومها لن تعدم ايجاد الذريعة التي تستخدمها ضد الصين، ولذلك فإن من مصلحة الصين ان يتنازل العراق الآن ويسمح بجولات التفتيش حتى لا تفترسه اليد الاميركية الباطشة فتحرم الصين من السوق العراقية الواعدة لاسيما في مجال تقنية السلاح، كما تحرمها من مدد بترولي ستحتاج الى التعامل معه باقدار متسعة الى اثر النضوب الوشيك للنفط الصيني. وشبيه بالتحدي الذي يواجه الصين ما يواجه فرنسا، حيث لشركاتها النفطية مصالح ضخمة بالعراق تخشى ان تزحزحها عنها الشركات النفطية الاميركية التي ستكون احد اكبر المستفيدين من شن الحرب على العراق ولذلك دعت فرنسا الى ان يغتنم المجتمع الدولي فرصة الاستجابة العراقية وألا يستفز العراق بشروط اضافية وألا تتباطأ المنظمة الدولية في ارسال فرق التفتيش الى هناك واذا كانت ثمة تشكيكات في النوايا التي وراء الاعلان العراقي فإن افضل وسيلة لاختبار تلك النوايا ان تسارع الامم المتحدة الى ارسال المفتشين لمعرفة رد فعل بغداد. هذه الدول الكبرى الثلاث تستطيع بحق الفيتو الذي نادرا ما تستخدمه، ان تحمي مصالحها بتعطيل اي قرار جديد يصدره مجلس الامن لتحقيق المرامي الاميركية تجاه العراق. ولكن ذلك لا يعفي العالم العربي من مسئولياته حيال العراق وتقديم النصح وتحذيره من مخاطر المرحلة وتغير الظروف والموازين الاقليمية والدولية لا سيما بعد 11 سبتمبر. ان اسوأ العواقب ستترتب على تملص العراق من موافقته الاخيرة على اجراء التفتيش على خبايا اسلحته، وهي خطوة يمكن توقع صدورها من الحكومة العراقية ولذلك فإن امام العالم العربي واجبا ماثلا في تشديد الضغط الجماعي على بغداد حتى لا تعطي الذريعة لاميركا واسرائيل لتنفيذ مخططاتهما بالمنطقة. بقلم: محمد وقيع الله ـ استاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة