الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 كشف العراق بموافقته على عودة المفتشين الدوليين اليه دون قيد أو شرط عن الوجه الحقيقى لأميركا، ورغبتها الملحة فى ضرب العراق وازاحة صدام حسين عن السلطة، حتى لو انتفت الأسباب المقبولة التى يمكن ان تتعلل بها اميركا او ترتكز عليها فى ضرب بلد عربي غنى بالنفط الذي تحتاجه اميركا، ولم تعد القضية الأن هى استجابة العراق للقرارات الشرعية من الأمم المتحدة او عدم استجابتها، بل اصبحت القضية هى عودة المفتشين بالشكل الذي ترغب به اميركا او بالشكل الشرعي الذي يرتضيه المجتمع الدولى والعراق، واصبحت الحرب الان حرب المفتشين الدوليين، وحول السيناريوهات المقبلة فى ظل قضية عودة المفتشين والتعنت الاميركي وموقف الدول العربية ازاء هذه القضية الشائكة التقى «الملف» بالدكتور مايك فان دير براورز استاذ العلاقات الدولية وخبير شئون الشرق الأوسط في هولندا: تاليا نص الحوار: ـ كيف يمكن تقييم الموقف الاميركي الآن فى ظل موافقة العراق على عودة المفتشين واصرار اميركا على استصدار قرار جديد من مجلس الأمن ليرافق عودتهم؟ ـ حتى نكون محايدين يجب ان نذكر ان مسألة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل فى العراق قد استغرقت سنوات طويلة اكثر مما ينبغي، وكان يجب ان تنتهي هذه المسألة منذ اعوام، كما ان هناك عدم ثقة متبادل بين العراق واميركا فى هذا الملف الطويل والشائك، فأميركا لا تصدق ان العراق لا يمتلك مثل هذه الأسلحة، والعراق لديه تأكيدات ان اهداف اميركا الحقيقية هى الاستيلاء على نفطه وهى تكمن وراء مسألة التفتيش عن الأسلحة او نزع هذه الأسلحة من حكومه بغداد، كما ان التجارب السابقة والتى انتهت فى ديسمبر عام 98 من عودة المفتشين وطردهم اكثر من مره قد اكدت فقدان الثقة، فاميركا تزعم ان العراق ضلل المفتشين وعوق عملهم والعراق يزعم ان المفتشين لم يكونوا سوى عملاء او جواسيس يعملون لصالح اميركا وينقلون اليها اسرارا ينبغي الا تتسرب. وهكذا نجد ان عدم الثقة هو المهيمن الأن والمحرك لمسألة عودة المفتشين من عدمه، فرغم ان بغداد تؤكد ترحيبها بعودتهم دون شروط الا انها فى ذات الوقت تطالب بعدم تدخل اميركا او المفتشين فى شئون العراق الداخلية او فى سيادته، كما ان اميركا تشترط صدور قرار جديد كاحتراز عقابى للعراق حال حدوث اى تصرف يعيق تحرك المفتشين او جمعهم للمعلومات واعداد التقارير. ولا يمكننا بكل الأحوال ان نرجح كفة على اخرى فى هذا الشأن ايهما المخطئ وايهما المحق، فكلا الجانبين له اسبابه التى تبدو مقنعة، ولكننا نرى فى التطور الأخير ان التشدد الاميركي تجاه العراق يرتكز فى المقام الأول على بعض المواقف السلبية العراقية ازاء المفتشين، واميركا التى اصيبت فى مقتل فى احداث سبتمبر تعتبر الأن العراق مسألة تحد فى اخضاعها لقرارات الشرعية الدولية حتى يمكن ان تستعيد بها اميركا جزءا ما من هيبتها وقوتها بين العالم والتى اهتزت باحداث سبتمبر، واكاد اجزم انه لولا ما حدث فى سبتمبر لما اتخذت اميركا هذا الموقف المتشدد بتهديها ضرب العراق، ولكان الصبر الاميركي اطول قدرا واهدأ تصرفا خاصة وان طرد المفتشين قد مر عليه اكثر من ثلاثة اعوام منذ ديسمبر 98. لذلك ارى ان العراق عليه الآن ان يدفع فاتورة لأميركا انطلاقا من رغبتها فى استرداد كرامتها العالمية بعد سبتمبر، وكان على العراق منذ البداية ان يدرك هذا، ولا يجعل اميركا تصل معه الى نقطة اللا عودة او المنطقة الخطرة التى لا تصلح فيها اى جهود سياسية مع انعدام الثقة. ـ وما هو موقف المنظمة الدولية والغرب والقوى الكبرى عموما من الموقف الأميركي؟ ـ القدرة الأمريكية على اتخاذ قرار منفرد امر اتضح بقوة في حربها على افغانستان، فقد رأينا ان المجتمع الدولى خاصة الغرب قد استفاد درسا سياسيا قاسيا، فأميركا لم تتحرك بموجب قرار من الأمم المتحدة، ولم تنتظر الحصول على صك الشرعية الدولية، واعلنت صراحة ان من ليس معها فهو عليها، وقد احجمت الدول الأوروبية فى البداية عن مساندتها حرصا على العلاقات الاوروبية الاسلامية، ولكن هذه الدول نفسها تراجعت عن احجامها سواء داخل اطار حلف شمال الأطلسى او بصورة منفردة، وبادرت دول اوروبية كبرى بارسال مساعدات عسكرية ولوجستية لأميركا، واصبح الأمر رغم انفرادية القرار من اميركا يجد دعما اوروبيا منه المستتر ومنه المعلن، فاوروبا وان عارضت السياسة الأميركية لا يمكنها ان تشذ عن قطيع المرعى الأميركى، فهناك مصالح كبيرة بين الجانبين، كما ان هناك بريطانيا التابع الأمين لأميركا والتى تثير دائما شقاقا وخلافا لمواقفها الداعمة لأميركا دون قيد او شرط، والبلدان الأوروبية تحاول ان توحد سياستها الخارجية حتى لا تسمح للضعف اوالخلافات بأن تنخر بها وتهدد كيان الوحدة، لذلك لا تجد حرجا فى الوقوف خلف بريطانيا وان رفضت فى قرارة نفسها السياسة البريطانية، وهى لا تريد ان تخسر اميركا. ومن هذه المنطلقات لوحظ فى الاجتماع الأخير لمجلس الأمن تحولاً فى المواقف الغربية الرافضة لضرب العراق، واصبحت اراء الغرب الأوروبى وروسيا اميل الى المطالب الأميركية وعلى رأسها امكانية استصدار قرار جديد من مجلس الأمن باتخاذ تدابير ضد العراق حال عرقلتها عمل المفتشين. اما موقف المنظمة الدولية فهى مغلوبة على امرها، فلا ينكر احد ان هناك هيمنة اميركية على قرارات الأمم المتحدة، ولا يمكن كذلك انكار قدرة اميركا فى التأثير على شركائها فى المجلس للوقوف وراء مطالبة، لذلك اتصور ان الأمم المتحدة قد تخضع لمطلب اميركا باخضاع عودة المفتشين لقرار جديد من مجلس الأمن يلزم العراق بتنفيذ كافة المطالب والشروط الأميركية لعودتهم والا اعتبر العراق دولة مارقة او دولة تخرق قرارات الشرعية الدولية مما سيعطى اميركا الرخصة لضربها وهى مستريحة تحت هذا الستار. ـ الى اي مدى يمكن رصد التحولات فى الدول العربية داخل الأمم المتحدة صوب العراق؟ ـ نلاحظ ان الدول العربية بدأ موقفها يتطابق مع موقف الدول الغربية بعد الضغوط التى مارستها اميركا داخل الأمم المتحدة فبعد ان كان هناك شبه اجماع برفض الضربة العسكرية تحت اى ظرف من الظروف والمطالبة بحل سياسي، وجدنا هناك تحولا في بعض الدول العربية، واصبحت هذه الدول على استعداد لدعم ومساعدة اميركا فى حاله تنفيذ الضربة تحت قرار من الأمم المتحدة او ظل الشرعية الدولية، وقد نجحت اميركا فى اقناع كثير من الدول العربية بان عدم تنفيذ العراق لقرارات الأمم المتحدة وعودة المفتشين، انما سيجر كارثة ووبالاً على المنطقة العربية، وسيتم معها ابتلاع القضية الفلسطينية التى وصلت الى منحدر خطير يجب وقف تقهقره بكل صورة من الصور، ومن هنا تزايدت الضغوط العربية على بغداد مما اضطرها للقبول بعودة المفتشين الدوليين. ـ وهل من المرتقب ان تختلف طبيعة عمل المفتشين حال عودتهم هذه المرة عما سبق فى العراق لاغلاق هذا الملف نهائيا؟ ـ اميركا منذ رحيل المفتشين الدوليين فى ديسمبر عام 98 لم تقف مكتوفة الأيدى تجاه العراق بل استمرت على قدم وساق عمليات مراقبة سرية عبر عملاء لأميركا داخل العراق، وتسريبات لمعلومات عبر معارضين عراقيين بجانب رصد وتصوير طائرات التجسس الأمريكية والاقمار الصناعية لمواقع محتمل ان يكون العراق يصنع بها بالفعل اسلحة نووية وكيماوية وبيولوجية، كما ان عودة المفتشين ستكون اقوى هذه المرة، فستكون مدعومة بخرائط محتملة لمواقع مشتبه فيها، واجهزة متطورة لتحليل التربة العراقية لرصد ما حدث بها من متغيرات منذ رحيل المفتشين العراقيين، فالمعامل او المناطق السرية التى تصنع بها هذه الأسلحة من المؤكد انه ستحدث بها متغيرات يمكن رصدها، كما ان المفتشين وبطلب من اميركا سيطالبون بدخول القصور الرئاسيه لتفتيشها، وهو الأمر الذي سبق وان رفضته بغداد وكان سببا فى فشل مهمة التفتيش الأخيرة، اذ توجد ثمانية قصور رئاسية، على المفتشين فحصها للاشتباه في وجود معامل ومخازن سرية كسراديب اسفل بعض هذه القصور. اما مسألة اغلاق الملف اذا ما تمت عمليات التفتيش، فهذا امر مشكوك فيه من الجهة الأميركية، فلن يعنى بالنسبة لأميركا خلو العراق من اسلحة الدمار الشامل او معامل تصنيعها انعدام قدرة العراق فيما بعد عن امتلاك مثل هذه الأسلحة، وهل ستضمن اميركا بعد ذلك ضمان الباب العراقى مغلقا امام استيراد المواد الخام من الخارج فيما بعد او شراء الخبرات الأجنبيه لتصنيع هذه الأسلحة، ان ما سيحدث عقب انتهاء التفتيش ـ اذا تم هذا التفتيش ـ سلسلة جديدة من التدخلات الأميركية، لأن اميركا لا يريحها وجود صدام حسين، لذلك لن تكون القضية نجاح المفتشين او فشلهم بقدر ما هى الآن رضا الادارة الأميركية عما سيحرزه فريق التفتيش من نتائج من عدمه، واكتفاؤها بتقارير المفتشين. اجرى الحوار ـ د. سعيد السبكي