الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 ربما كانت «أنموفيك».. أو لجنة التحقيق والرصد والتفتيش ـ عكس ما يأمل بعض الحالمين ـ حصان طروادة الذي يمتطيه بوش لدخول بغداد، ثم الانطلاق ـ بنزوعه الامبراطوري الجامح ـ لفرض هيمنة أميركية أشد احكاما على مقدرات العالم! لقد تصور العديد من المراقبين أن موافقة العراق على عودة مفتشي «أنموفيك» بغير شروط حيلة استراتيجية بارعة، يمكن أن تبطل ذرائع واشنطن في توجيه ضربة عسكرية قاصمة لبغداد، الا أن قراءة أكثر عمقا يمكن أن تقود الى نتيجة مغايرة تماما، لاسيما أن قرار العراق جاء في الدقيقة 59، ورغم تأخره كثيرا الا أنه كان متوقعا على أي حال، ولم يمثل قط مفاجأة كاملة. كان رد الفعل المباشر للبيت الأبيض، التوجه الى الكونغرس لمنح الرئيس بوش تفويضا بمهاجمة العراق خارج اطار الأمم المتحدة، وبالتوازي مع تلك الخطوة لم تدخر الادارة الأميركية وقتا أو جهدا باتجاه الضغط المتواصل لاصدار قرار جديد من مجلس الأمن حول العراق، يوضح ـ على حد قول كولن باول ـ بعبارات لا لبس فيها العواقب الوخيمة التي ستنجم عن عدم «تعاون» بغداد مع المفتشين، ولا يمكن النظر الى ما قاله باول، الا باعتباره انذارا نهائيا لمجلس الأمن بضرورة اتخاذ موقف صارم وحازم من العراق والا..! عسكرة التفتيش في هذا الاتجاه، تواصل واشنطن ـ باصرار ـ وبمساندة بريطانية قوية، محاولاتها في سبيل اقناع أعضاء مجلس الأمن بتشديد سلطات المفتشين، وبدأت في اعداد وصياغة مشروع قرار يحمل رؤيتها «الجديدة» التي تركز بالأساس على عسكرة «أنموفيك»، عبر دعم مفتشيها بنحو عشرة آلاف جندي لفرض عمليات التفتيش على العراق في المكان والزمان الذي تحدده اللجنة! بالاضافة الى الغاء بعض البنود ـ طبقا للمشروع ـ التي سبق أن تضمنتها مذكرة التفاهم بين العراق والأمم المتحدة عام 1998 بشأن احترام شرعية المخاوف المرتبطة بالأمن القومي والسيادة والكرامة العراقية. لاشك أن قرارا بهذا المعنى سوف يكون محل رفض العراق، التي أعلنت موافقتها على استقبال المفتشين طبقا للقرار السابق الذي ينظم عملها، وعلى ضوء مذكرة التفاهم التي صدرت عام 1998. هكذا، فان قرارا يمثل مرجعية مختلفة سوف يكون منطقيا أن تعترض بغداد عليه، من ثم تصبح في موقف الرافض ـ من جديد ـ لاستقبال المفتشين، أو بتعبير باول «تمارس ذات الرقصة.. مرة أخرى» الأمر الذي يعطي واشنطن ذريعة قوية بتوجيه ضربتها المؤجلة! أما اذا تراجعت بغداد ـ بسيناريو مكرر في الدقيقة 59 ـ وقررت القبول بدخول المفتشين على أساس القرار الجديد الذي يوسع صلاحياتهم ويدعمهم بمرافقة قوات عسكرية، فان ذلك يعني ـ عمليا ـ القبول بالمساس بسيادة العراق، والنيل من استقلاله وكرامته، الأمر الذي يهز بعنف صورة النظام الحاكم، ويحرم من تعاطف عربي واسلامي لاشك أنه لا يزال موضع اعتبار ـ بدرجة ما ـ في واشنطن، أو على الأقل لدى بعض دوائرها. من ثم فان عودة المفتشين تمثل ـ عكس ما تصوره البعض ـ خطوة على طريق تحقيق الهدف الأميركي! خاصة وأنه من المنطقي للغاية توقع اعتماد مفتشي «انموفيك» تكتيكات مغرضة خلال عملهم، الى درجة تستفز مشاعر العراقيين، فان لم يذعنوا تم توجيه الضربة العسكرية، وان قبلوا، فان المفتشين يكونوا قد نجحوا في تجريد العراق من أي أسلحة مدعمة ـ بشكل فعال ـ قدراته على المقاومة، وبالتالي يكون سقوطه تحت وطأة الضربة القادمة أكثر يسرا، وبأقل خسارة في صفوف القوات المهاجمة! تقاسم المصالح ثمة سؤال يفرض نفسه: هل يمكن الرهان على موافقة مجلس الأمن على قرار يعدل مرجعية عمل المفتشين؟ المؤشرات والتصريحات الصادرة عن العواصم المعنية تؤكد أن واشنطن سوف تنجح في النهاية عبر طرح صيغ مرنة لتقاسم المصالح والغنائم والمزايا، خاصة مع فرنسا وروسيا والصين، من خلال سلسلة من المساومات، وباستخدام سياسة العصا والجزرة سوف تؤدي الى الرضوخ لضغوط الولايات المتحدة، ما دام الثمن مناسبا، ولعل الأمر بحاجة فقط ـ على حد قول بوش ـ الى جهود «دبلوماسية مستمرة» تقود الى «توافق» الكبار داخل مجلس الأمن.. مع ضمان وحدته.. وبالطبع مصالح أعضائه، وفي هذا السياق يمكن تفسير مبادرة سكرتير عام الأمم المتحدة باعلانه التخلي عن ملف العراق لواشنطن وبغداد.. ومجلس الأمن.. ماذا يعني ذلك؟ وفي حالة فشل مساعي واشنطن ـ باعتبار ذلك مجرد احتمال قائم ـ في اصدار قرار جديد يؤطر عمل المفتشين وفق رؤيتها المتشددة والتي تراهن على أن فرضها كفيل بتوفير عناصر مناخ نموذجي للصدام مع بغداد، ومن ثم منح بوش ذريعة للحرب، على طبق من ذهب، وازاء هذا الاحتمال، فان كولن باول أعلنها صراحة «ان الولايات المتحدة سوف تجد الوسائل اللازمة لوقف عودة المفتشين اذا لم يصدر قرار قوي من مجلس الأمن بتفويض جديد يمنحهم الحق في افساد ذلك، وخرجت فرق التفتيش مرة أخرى، فان العراق يجب أن يفهم أنه لا مجال للمناورة». ان مغزى كلمات باول واضح تماما: الحرب ضد العراق خيار وحيد للامبراطورية الرومانية طبعة القرن 21.. سواء ذهب المفتشون أم لم يذهبوا، نجحوا في مهمتهم أم فشلوا، الأمر لا يتعلق سوى باختلاف توقيت «ساعة الصفر» واطلاق الرصاصة الأولى في الحرب التي سوف تفرض ادارة بوش من خلالها استراتيجيتها الجديدة على العالم، ولن تسمح لأي طرف دولي ـ حتى الفاعلين الكبار ـ بالاعتراض عليها، لأن ذلك يعني اهتزاز مركز الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة دون منافس، وهو الأمر الذي لن يقبله بوش ولا صقور ادارته، ومن يحيط بهم من ملوك النفط والسلام. الأسلحة.. مجرد بند حتى اذا ذهب المرء الى نهاية الشوط، بافتراض احراز المفتشين لكل أهدافهم في مجال الكشف عن، وتدمير جميع أسلحة الدمار الشامل، علاوة على الصواريخ طويلة المدى، فانه لا يجب أن تنسى بغداد أن بوش عند عرضه للقضية العراقية على منبر الأمم المتحدة، وضع خمسة شروط طلب من بغداد قبولها وتنفيذها دون أي جدل أو مناقشة! ولم تكن أسلحة الدمار الشامل الا البند الأول فقط في قائمة الشروط! ورغم أن العديد من التقارير تؤكد أن عمليات التفتيش نجحت خلال الفترة من 91 الى 1998 في تدمير أكثر من 90% من أسلحة العراق، واعلان وكالة الطاقة الذرية أن العراق غير قادر الآن على انتاج القنبلة النووية، الا أن صقور ادارة بوش ما زالت على زعمها بخطورة العراق على العالم وأمنه وسلامه! ورغم مسح الأقمار الصناعية القادرة على تصوير ما في أعماق الارض، فان صقور أميركا ما زالوا على اصرارهم بأن أسلحة العراق مدفونة في أماكن لم يتم التوصل اليها بعد!! معنى ذلك أن «انموفيك» مهما نشطت واجتهدت، فلن تنزع فتيل اشتعال الحرب، ربما أجلت الضربة، لكنها قادمة لا محالة، لأن كل شرط من الشروط الأربعة الأخرى سوف يمثل ذريعة، بل ذرائع تفتح الثغرة تلو الثغرة أمام آلة الحرب الأميركية! هدف الولايات المتحدة ليس مرتبطا بكشف العراق عن أسلحة الدمار الشامل وتدميرها، وتفعيل فرق التفتيش، بل بحزمة من الأهداف بدءا بالنفط، مرورا ببسط النفوذ على المنطقة، وصولا الى الانطلاق بحصان طروادة من العراق الى فرض الهيمنة الأميركية على العالم أجمع، أو بتعبير الزعيم الافريقي نيلسون مانديلا أن هدف بوش «اسعاد شركات النفط والسلاح الأميركية» مؤكدا على أن «بلدا واحدا يريد اذلال العالم»! ومع تقاطع الأهداف الاقتصادية مع الغايات الاستراتيجية، فان استهداف بوش ضرب العراق، يعد استثمارا فائق الربحية، بالنظر الى ظروف الأزمة الاقتصادية الراهنة التي تطبق على الولايات المتحدة، وادارة بوش ليست على استعداد لاحداث تغييرات بنيوية شاملة على الصعيد الاقتصادي، لاعتبارات عديدة سياسية وانتخابية وأيديولوجية و... البديل يتمثل في وضع اليد على الدول الغنية بالنفط في العالم، واستخدام القوة العسكرية اذا لزم الأمر، وبالسيطرة على العراق فان مناطق انتاج النفط في الشرق الأوسط وبحر قزوين ستمكن واشنطن من التحكم في الأسعار وآليات التدفق، بل وتدمير منظمة أوبك! فضلا عن ذلك، فان الوجود العسكري الأميركي في المنطقة سوف يكون فاعلا على المستوى الاقليمي، وعلى صعيدين: ـ تشديد الحصار على ايران، وعزل سوريا والضغط عليها، ثم قطع الطريق على احتمال تشكيل محور عراقي/ سوري/ ايراني. ـ تفعيل خطط بلقنة المنطقة العربية، وتقسيم دول النفط، وتحرير اسرائيل من أعباء مخاطر الشمال والشرق والتفرغ لمواجهة مصر والجناح الغربي للعالم العربي، لتسهيل تمرير خطة الوطن الفلسطيني البديل في الأردن. أما على المستوى الدولي، فان وجود قاعدة أميركية في تلك البقعة سوف يؤدي الى عدة نتائج غاية في الخطورة أهمها: ـ القضاء على أي أحلام أوروبية بامكانية التطلع لمنافسة القوة الأميركية في مرحلتها الامبراطورية، من خلال سيطرة واشنطن المطلقة على كل مصادر النفط، ومن ثم تأجيل الحديث عن تشكيل نظام دولي متعدد الأقطاب في المنظور المتوسط على الأقل. ـ احكام الحصار على روسيا، واضاعة فرصتها في اقتسام الكعكة العراقية بعد ابرام موسكو وبغداد صفقات ضخمة تقدر ب40 مليار دولار. ألا يمثل ذلك كله جائزة هائلة تجعل اصرار بوش على توجيه ضربته للعراق غير قابل للتحول مهما فعلت بغداد، أو نجحت «أنموفيك» في مهمتها؟ كل ما في الأمر أن عودة المفتشين ستؤدي الى تأخير الضربة، ولا يعني ذلك أن واشنطن لن تستثمر عملية التأجيل في مزيد من الحشد العسكري والدبلوماسي لضمان تحقيق أقصى عائد ممكن. من ثم فان عودة المفتشين لا تعني ـ من وجهة نظر بوش وصقور ادارته المخالفين مع ملوك النفط والسلاح ـ حلا لمشكلته المزعومة مع النظام الحاكم في بغداد، لأن العراق بما يمثله من موقع وثروات طبيعية وبشرية هائلة هو القضية، وليس وجود صدام حسين في سدة الحكم من عدمه، واذا كان النفط هدفا ثمينا، فان ثمة أهداف أخرى لا تقل في اغرائها، وسوف يظل لعاب بوش يسيل حتى يحققها. ان آلة الحرب الأميركية تحركت بالفعل، ولن يكبحها وجود المفتشين، بل ربما كان اختراق صفوفهم وتجنيد بعضهم للقيام بمهام مخابراتية هدفا آنيا للقيادة العسكرية الأميركية، أو باغراء بعض المفتشين بممارسة أقصى استفزاز غير محتمل للعراقيين، عندئذ فان «أنموفيك» سوف تكون حصان طروادة مثاليا، ليس فقط فيما يتعلق بضرب العراق والسيطرة عليه، ولكن في الانطلاق من بغداد الى مزيد من فرض الهيمنة الأميركية على العالم، وتحقيق الحلم الامبراطوري لبوش وصقوره! بقلم: علاء عبدالوهاب ـ كاتب مصري