الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 يبدو ان قضية التفتيش الدولي عن الاسلحة المحظورة في العراق باتت الشغل الشاغل للولايات المتحدة ، وكأن هذه الدولة التي قدر لها ان تحتل المكانة الدولية الاولى في عالم اليوم لم تعد معنية بكل ما يعانيه المجتمع الدولي من آلام وما تواجهه شعوب المعمورة من كوارث ومآس حيث لم يبق إلا الأسلحة العراقية ذات التدمير الشامل المزعومة لتنبري لها الولايات المتحدة راعية الحق والانصاف وداعية حقوق الانسان ورسولة السلام لتخلص البشرية من هذه الشرور العراقية! في «ملفنا السياسي» اليوم نفتح الباب لنستعرض اراء عدد من المحللين والسياسيين والاكاديميين والمسئولين العراقيين لنرى كيف يتصدون لهذه القضية الشائكة التي تقرع لها واشنطن طبول الحرب وتجيش بسببها العالم كله ضد بغداد. مالك منصور رئيس قسم الدراسات الدولية في صحيفة الثورة العراقية الناطقة بلسان حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم يتحدث عن الازمات التي حاولت الولايات المتحدة اثارتها من خلال لجان التفتيش الدولية في فترة عملها السابقة في العراق ، ملتقطا قضية عامل (X V ) الذي اثيرت حوله ضجة كبرى في العام 1998 ليقول : منذ ان باشرت الجنة الخاصة اعمالها في يونيو من عام 1991 وحتى الوقت الذي تركت فيه العراق بتوجيه من واشنطن من دون استشارة الامم المتحدة في اواسط ديسمبر عام 1998، اعتمدت اسلوب المماطلة والتسويف وافتعال الازمات وفبركة الاكاذيب. وكانت في جميع تصرفاتها تتعمد ابقاء ملفات الاسلحة مفتوحة وذلك بتأخير العمل وإطالته لزمن ليس فيه أي افق يشير الى امكانية غلق ملفات الاسلحة برغم انجاز العمل فيها. وفي كل مرة كانت اللجنة الخاصة تجد ان احد ملفات الاسلحة وصل الى نهايته وان التصرف المهني النزيه وغير المغرض يتطلب اعلان غلق الملف المعني وابلاغ مجلس الامن بهذه النتيجة ، تلجأ الى اسلوب المماطلة وتدعي وجود نقاط معلقة. وبعد جهد طويل وإضاعة الوقت يتم توضيح وحل ما عدته اللجنة سبباً لعدم غلق الملف لتبدأ من جديد بطرح ما تسميه النقاط المعلقة وتقدم اسئلة بشأن امور ثانوية وتافهة. وهكذا تتواصل دوامة المماطلة والتسويف ويظل الوقت يمر من دون الوصول الى اية نتيجة حاسمة برغم انجاز العمل والتأكد من حقيقة خلو العراق من اية اسلحة محظورة او أي من عناصر ومكونات صنعها. ونشير على سبيل المثال الى الازمة التي افتعلتها لجنة الجواسيس الخاصة بشأن ما يسمى في حينه (X V) كوسيلة لابقاء الملف الكيمياوي مفتوحاً برغم انجاز العمل فيه والانتهاء من توضيح ومعالجة اخر النقاط والمواضيع المعلقة بشأنه. فقد لفقت كذبة مصممة لابقاء الملف الكيمياوي مفتوحاً واطالة عمل الجواسيس لاطول مدة ممكنة زعمت فيها ظهور اثار تحلل عامل (X V) على قطع من بقايا الرؤوس الحربية التي سبق وان دمرها الجانب العراقي في صيف عام 1991 والتي قامت مختبرات الجيش الأميركي بتحليلها. وبعد ان رفض العراق نتائج تحليل المختبرات الأميركية جرى في يوليو من عام 1998 تحليل (40) عينة في المختبرات السويسرية و(43) عينة جرى تحليلها في المختبرات الأميركية و(39) عينة في مختبرات فرنسية اثبت جميع هذه التحليلات عدم تلوثها بأي مواد كيمياوية تتصل بالحرب الكيمياوية. وبذلك كشف العمل المهني المحايد وغير المغرض الذي تم بعيداً عن تدخل جواسيس اللجنة الخاصة عن مصداقية المعلومات التي قدمها العراق وفي المقابل ضلوع لجنة الجواسيس الخاصة بفضيحة كشفت ارتباطاتها بأجهزة المخابرات الأميركية والصهيونية. ويمضي الكاتب الصحفي العراقي قائلا : ليس هذا كل شئ. فالجانب الاخر من الفضيحة التي كشفت عن السلوك اللامنهي والمنحاز للجنة الجواسيس الخاصة وخضوعها لارادة وتوجيهات المخابرات المركزية الأميركية والموساد الصهيوني والمصمم لاطالة العمل وابقاء الملفات التي تم انجاز العمل فيها، تمثل بقيام جواسيس هذه اللجنة بتهريب مادة (X V) الى العراق لغرض استخدامها في تلويث عينات الصواريخ التي كانت سترسل الى الخارج لتحليلها ثم ليصار الى تمرير الكذبة المدبرة بأن العراق قد انتج هذه المادة واستخدمها كسلاح؟؟!! وعندما تكشفت الفضيحة اضطر رئيس لجنة الجواسيس الخاصة ريتشارد بتلر الى الاعتراف في عام 1999 بان عينات (X V) تركت في مقر اللجنة الخاصة في بغداد . ولكن في اطار المسعى المثير للريبة وبضغوط أميركية قوية للتغطية على الفضيحة واخفاء الاهداف الحقيقية الكامنة وراء تهريب عينات (X V ) الى العراق والاحتفاظ بها في مركز بغداد للرقابة ، حيث قام فريق خاص من خبراء الامم المتحدة في 27/7/1999 بتدمير عينات العامل الكيماوي المذكور وبذلك اسدل الستار عن الفضيحة وادواتها من عناصر اللجنة الخاصة. ـ اختار سامي مهدي رئيس تحرير صحيفة الثورة العراقية ان يحدثنا عن وجه اخر من وجوه اللعبة في اللجنة الخاصة قائلا : حين شكلت اللجنة الخاصة (اونسكوم) نصب لها رئيس يدعى رولف ايكيوس ، ولكن الرئيس الفعلي للجنة لم يكن ايكيوس نفسه ، بل شخص اخر اميركي الجنسية يعمل مساعداً له هو جارلس دوليفر. وحين انهيت مهمة ايكيوس بعد افتضاح امره ، وعين ريتشارد بتلر في منصبه ، ظل المساعد جارلس دوليفر هو الرئيس الفعلي. وهنا نتساءل لماذا لم يتغير دوليفر وبقي نائباً لرئيس اللجنة الخاصة اونسكوم على مدى 7سنوات ؟لأن اللجنة لم تكن لجنة دولية الا بالاسم ، اما في الواقع فهي لجنة اميركية بغض النظر عن جنسيات المفتشين العاملين فيها. ورئيسها الفعلي لم يكن سويدياً او استرالياً بل أميركي، هو هذا الذي يعمل بصفة مساعد لرئيس اللجنة : دوليفر .اما الرؤساء الرسميون فهم رؤساء شكليون استخدموا واجهة للتضليل و (وجه قباحة) كما يقول التعبير الشعبي العراقي. ومنذ ان تم تشكيل لجنة (انموفيك) اصبح دوليفر في شبه بطالة، فعينه رؤساءه (باحثا زائراً) في مركز الدراسات الستراتيجية والدولية. في الرابع من اكتوبر الماضي ، أي بعد احداث 11 سبتمبر بأربعة وعشرين يوما ، جيء بدوليفر هذا ليقدم (شهادة) عن العراق امام لجنة العلاقات الدولية لمجلس النواب الأميركي. ولكن اية شهادة ؟ شهادة اميركية ، من ملفات اميركية. الى هيئة اميركية ، وهذا يعني انها كلها اكاذيب ومغالطات. لقد اعتمدت هذه الشهادة على منهج تقليدي اتبعته الادارات الأميركية المتعاقبة مع العراق ، وهذا المنهج هو منهج الكذب والتضليل، ويعمل هذا المنهج في اتجاهين : الاول هو التشكيك بموقف العراق من التزاماته حيال مجلس الامن الدولي الذي تهيمن عليه اميركا نفسها ، والاتجاه الثاني هو التخويف من العراق وقدراته ونياته لتسويغ السياسة الأميركية العدوانية حياله ، ولكسب التأييد لهذه السياسة على الصعيد الدولي. فمن يقرأ شهادة دوليفر هذه يجدها حافلة بالمغالطات والتلفيقات والاكاذيب، التي اصبحت تقليدية هي الاخرى، تكرر في كل مرة يراد فيها بحث موضوع الحصار على العراق في مجلس الامن او عندما يكون هناك مشروع جديد تريد اميركا تقديمه الى المجلس عن طريقها او عن طريق احد اتباعها التقليديين وخاصة بريطانيا. ومفاد هذه المغالطات والتلفيقات والاكاذيب ان العراق لم يقدم كل ما لديه من معلومات عن برامجه التسليحية ، وانه لا يزال يخفي بعض المعلومات ، وربما بعض الاسلحة ، وانه مايزال يمتلك (سر المعرفة الفكري) لهذا السلاح او ذاك وانه قد يكون يعمل على تطوير بعض الاسلحة. وعلى اساس ترويج هذه المغالطات والتلفيقات والاكاذيب التي تشكك بسلامة موقف العراق من التزاماته حيال مجلس الامن تبدأ عملية التخويف منه. فالعراق يهدد جيرانه (والعراق) يطمح للهيمنة على المنطقة) والعراق (خطر على العالم وعند ذلك يأتي بيت القصيد كما تقول العرب ، عند ذلك تقول اميركا لابد من احتواء العراق ولابد من من اخضاعه للتفتيش واعادة فرق الجواسيس الى ارضه ، ولابد من استمرار الحصار المفروض عليه وقتل المزيد من اطفاله ، ولابد من توجيه ضربة اليه من حين الى اخر وايقاع المزيد من الدمار بمرافقه ومنشأته ، وهذه هي خلاصة شهادة دوليفر. غير ان المغالطات والتلفيقات والاكاذيب الأميركية لا تقوم على اية اسانيد او ادلة ملموسة بل على مزاعم هم نسجوها،وافتراضات هم افترضوها، وادعاءات هم ادعوها، وصاروا يطلبون من الاخرين التصديق والتأييد. ولكن ثمة (شاهد من اهلها) كما يقول المثل فضح كل هذه المغالطات والتلفيقات والاكاذيب ، وهذا الشاهد هو سكوت ريتر، وريتر هذا كما تعرفون ، مواطن اميركي، كان ضابط استخبارات في البحرية الأميركية، وقد انتدبته حكومته الى العمل في لجان التفتيش ، وكان كما تذكرون القائد الميداني لهذه الفرق مدة سنوات ، فهو اكثر خبرة ومعرفة من الجميع بحقائق برامج العراق التسليحية وبعمل لجان التفتيش والنتائج التي توصلت اليها، اكثر خبرة ومعرفة من ايكيوس وبتلر ومن دوليفر نفسه الذي كان يقبع في نيويورك ويوجه الدمى من هناك، فهؤلاء انفسهم كانوا يعتمدون على تقارير ريتر اصلا. ريتر هذا كما تعلمون صحا ضميره فقدم اعترافات خطيرة لم يطلبها منه العراق ولم يدعه اليها ، وقد نشر اعترافاته في كتاب اسماه «نهاية اللعبة» (وصنع منها) فيلما تسجيلياً موقعياً ورددها في العديد من المقابلات التلفزيونية والصحفية داخل اميركا وخارجها ، وخلاصة اعترافات ريتر هي الاتي : ـ ان العراق اصبح خاليا من اسلحة الدمار الشامل. ـ ان العراق ليس لديه ما يهدد به احد من (الجيران). ـ ان التفتيش لم يعد له ما يبرره. ـ ان فرق التفتيش قد خرجت عن حدود المهمة الدولية المكلفة بها، وقامت بمهمات تجسسية وجمع معلومات تمس امن العراق الوطني في الصميم. ـ ان المعلومات التي جمعتها هذه الفرق كانت تسلم الى المخابرات الاميركية والموساد الصهيوني ، وانه هو (ريتر) الذي قام بتسليمها بعلم بتلر. ـ ان اميركا تعمدت اطالة امد التفتيش ، واستخدام ذريعة اخفاء المعلومات او الاسلحة بهدف اطالة امد الحصار المفروض على العراق. هذه اهم الحقائق التي اعترف بها ريتر، واخر اعتراف أدلى به كان حين بدأت العناصر الصهيونية في الادارة الاميركية مثل (فولفتز) والكونغرس الاميركي مثل ليبرمان والمسخرين من قبل هذه العناصر مثل ولسي تلوك اسم العراق في موضوع (هجوم الجمرة الخبيثة). فقد نشر مقالا في صحيفة (الغارديان) البريطانية بعد ادلاء دوليفر بشهادته المزورة بأيام ، ومما قاله في هذا المقال ان اتهام العراق بالتورط في موضوع هجوم الجمرة الخبيثة (امر لا اساس له من الصحة) واوضح ان العراق قد تعرض لأشد عمليات التفتيش والمراقبة دقة على مدى التأريخ، وان كل المرافق العراقية التي استخدمت او يمكن ان تستخدم في انتاج اسلحة بيولوجية قد دمرت تماماً. وان المفتشين لم يعثروا على اي دليل يشير الى امتلاك العراق للجرثومة المسببة لهذا المرض. اعترافات ريتر هي ما يعبر عن الحقيقة ، وليست شهادة دوليفر المزيفة ، ولا ادعاءات بتلر، لأن ريتر ، كما قلنا، كان القائد الميداني للفرق التي فتشت مئات المواقع وقامت بزيارتها الاف الزيارات المفاجئة وغير المفاجئة، ولكنهم يكثفون الآن حملتهم الصهيونية المعادية للعراق. انها مسرحية سخيفة ، ولكنها خبيثة ، يعاد عرضها من حين لآخر ، والهدف هو دائما ابقاء الحصار مفروضا على العراق وتسويغ سياسة العدوان عليه . ولكنهم فشلوا مرات وسيفشلون هذه المرة وكل مرة . ثانيا : فرق التفتيش من طردها؟ يردد المسئولون الاميركان ، ومعهم وسائل أعلامهم ومنذ أواخر عام 1998، ان العراق (طرد) اللجنة الخاصة من العراق وتم تكريس مئات التعليقات الصحفية والسياسية للتأكيد على مسألة (طرد) العراق للجان التفتيش التابعة للأمم المتحدة ، ومن المثير للاستغراب، ان تغيير الحقائق والكذب على الرأي العام يصل الى هذه الدرجة ، خاصة وان ما تقوله وسائل الاعلام الاميركية، لم يصف قضية غامضة ، او يتابع تفاصيل شبح غائر في الظلمة ، بل يتحدث عن قصة معروفة للعالم اجمع ، ولكن من الواضح، ان سياسة قلب الحقائق ، وتكرار الكذب على وفق مبدأ غوبلز اثناء الحرب العالمية الثانية هو المنهج الذي تعتمده اميركا في تناولها لقضية وجود المفتشين في العراق ومسألة خروجهم منه. والقصة التي تعرف تفاصيلها أروقة البيت الابيض ومعها جميع وسائل الاعلام الاميركية وسواها، ان العراق لم يطرد فرق التفتيش ، وانما صدرت اوامر فورية من رئيسها التنفيذي ريتشارد بتلر صبيحة يوم السابع عشر من ديسمبر عام 1998 بسحب اعضاء الفريق وعلى وجه السرعة ، وبثت ذلك الخبر الى جميع انحاء العالم وكالات الانباء الاميركية قبل غيرها ، وحزموا حقائبهم بإرادة الرئيس السابق للجنة الخاصة ريتشارد بتلر والبيت الابيض ، وصعدوا الحافلات التي تقلهم من مركز اقامتهم في فندق القناة بجانب الرصافة في العاصمة العراقية بغداد ، وانطلقت بهم الحافلات باتجاه الاردن ، وقبل ان يصلوا العاصمة عمان ، كانت الصواريخ الاميركية تقصف بغداد والمدن العراقية الاخرى بعدوانية غير مسوغة واستمر العدوان على العراق ، وكما يعلم الجميع اربعة ايام ومع بدء شهر رمضان المبارك ثالثا: لماذا سعت الولايات المتحدة لتدمير اللجنة الخاصة ؟ سؤال غريب فعلا : لماذا سعت الولايات المتحدة الى تدمير اللجنة الخاصة بعد ان دمرت سمعتها اولا؟ ان الذي حصل ، والذي يمكن رصده بدقة متناهية، ان الادارة الاميركية دفعت اللجنة الخاصة لافتعال ازمات حادة مع العراق ، وكانت ازمة المواقع الرئاسية من اهمها، وهي الازمة التي تمكن السكرتير العام للأمم المتحدة في فبراير عام 1998 من ايجاد حل لها ، وبعد عشرة اشهر من ذلك التاريخ دفعت تلك اللجنة الى افتعال مجموعة مشاكل مع العراق ، ثم جاء قرار الرئيس الاميركي بيل كلينتون للاعتداء على العراق في ديسمبر 1998، معتمداً على تقارير تلك اللجنة التي رفعت الى الحكومة الاميركية ، واطلع عليها البيت الابيض قبل ان يطلع عليها الامين العام للأمم المتحدة، والملاحظ وهذه نقطة نعتقد انها في غاية الاهمية، ان وسائل الاعلام الاميركية ، وبدلاً من ان تمجد أعمال اللجنة الخاصة بدأت بنشر وتسريب معلومات تشير الى وجود جواسيس داخل هذه اللجنة ، وان مهمة هؤلاء اعطاء معلومات الى اعداء العراق الرئيسيين وهم كل من اسرائيل واميركا وبريطانيا، وكانت صحيفة «الواشنطن بوست» قد تزعمت تلك الحملة ، ومعها شبكة CNN وسواهما. وهنا نتساءل: هل سعت الولايات المتحدة الى تشويه سمعة هذه اللجنة ، وكشف اخطارها على العراق وقيادته وما سبب توقيت ذلك ؟ باختصار نقول: ان الولايات المتحدة كانت ترى المسألة من الزوايا التالية : اولاً: انها وصلت الى قناعة تامة ، بأن تلك اللجان قد انجزت مهامها الفعلية، وان بقاءها لسنة او سنتين لن يضيف شيئاً . ثانياً: بدأت العديد من الضغوط الدولية تتحدث عن المدة التي ستمضيها اللجنة الخاصة ، وكانت الادارة الاميركية ، قد فشلت في تقديم ادلة مقنعة على وجود برامج تسليحية عراقية لم تصل اليها تلك اللجان ، وهنا اصبح وجود فرق التفتيش يمثل عبئاً كبيراً على السياسة الاميركية الرامية الى استمرار الحصار وإلحاق المزيد من الاذى بشعبه ومواصلة تدمير بنيته التحتية . ثالثاً: قدرت الادارة الاميركية ان بقاء اللجنة لسنة اضافية أي مع نهاية عام 1999 سيكون اقصى وقت يمكن المناورة خلاله، مما يعني ان وجودها بعد ذلك التاريخ لم يعد مقنعاً خاصة وان العراق قد سحب البساط من تحتها بعد ان سمح في فبراير 1998 بزيارة المواقع الرئاسية ، وأبطل بذلك العديد من الحجج الاميركية. وبهذا يمكن القول ان الادارة الاميركية كانت حريصة على خلق المشاكل، وكشف حقيقة تلك اللجان ، لأن بقاءها في العراق لمدة اطول يمثل عبئاً شديداً عليها وسط انتقادات الرأي العام وتساؤلات دول العالم عن السقف الزمني الذي ستبقى به تلك اللجان في الدوران داخل حلقة مفرغة صنعتها الادارة الاميركية لتحقيق اهداف اخرى، تتعلق باستمرار الحصار ، وتدمير ما يمكن تدميره من بنية العراق، واعطاء زخم آخر لاسرائيل لتنفيذ سياستها العدائية والاجرامية ضد الشعب الفلسطيني. رابعا: لجان دولية ام لجان تجسس اميركية واسرائيلية؟ يذكر المفتش الأميركي سكوت ريتر في كتابه «نهاية اللعبة» القصة التالية : في 1/9/1997 كان علي تقديم بتلر المدير التنفيذي الجديد لليونسكوم الى سفير (اسرائيل) لدى الامم المتحدة الذي رحب بنا ومعه عقيد امن ومدير الاستخبارات العسكرية اللواء ايالون. وكان الغرض من الزيارة ان يتعرف بتلر على مستوى العلاقة الخاصة بين اليونسكوم و (اسرائيل) والتي كانت قائمة منذ أكتوبر عام 1994. ولا شك ان هذا الاعتراف، اضافة الى التفاصيل العديدة التي تحدث بها ريتر والتي اكد من خلالها ، ان لجان التفتيش استخدمت اجهزة تنصت متطورة جداً لرصد ومراقبة امن القيادة في العراق . كما ان تلك اللجان كانت تستعين بدول عديدة لفك رموز التشفير في المكالمات السرية. يقول اللواء حسام محمد امين مدير عام دائرة الرقابة الوطنية العراقية المكلفة بالتنسيق مع اللجنة الخاصة استخدمت الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 1991 اللجنة الخاصة كأداة لاستمرار الاذى والحصار تجاه الشعب العراقي واختلاق المشكلات بين العراق والامم المتحدة والتآمر ضد القيادة العراقية من خلال اعمال التجسس والنشاط الاستخباري المعادي الذي كانت تمارسه . لقد اشتمل النشاط التجسسي الذي قامت به اللجنة الخاصة مجالات عديدة ومتنوعة تقع كلها خارج مهام وتفويض اللجنة وكما يلي : جمع معلومات عن الجيش العراقي. جمع معلومات عن الحرس الجمهوري والحرس الخاص والامن الخاص. جمع معلومات عن القدرات الصناعية والاقتصادية. جمع معلومات عن القادة والآمرين لوحدات القوات المسلحة العراقية. جمع معلومات عن المواقع الرئاسية والمواقع الحساسة. و كان الجانب العراقي يعمل دائماً على مكافحة محاولات التجسس التي تقوم بها اللجنة الخاصة وكان يحاول انجاز ذلك دون اثارة مشكلات بهدف التعجيل من رفع الحصار وعدم استغلال هذا الموقف بشكل سيئ من قبل اللجنة الخاصة . ومع ذلك فان اللجنة الخاصة غالباً ما كانت تعطي الانطباع في تقاريرها عن ان العراق غير متعاون بسبب موقف العراق من تجاوزاتها هذه دون ان توضح هذه الحقيقة . كان العراق دوماً يشكو من هذه التصرفات والانشطة المعادية ويحصل على تعهدات تحريرية باحترام امنه الوطني إلاّ ان تلك التعهدات تبقى حبراً على ورق بسبب عدم التزام اللجنة الخاصة بها. وقد تفاقمت هذه المشكلة في السنوات الاخيرة من وجود اللجنة الخاصة في العراق مما دفعه الى ان يرفع شكواه الى الامين العام للامم المتحدة عبر رسالة طارق عزيز نائب رئيس الوزراء في اكتوبر 1998 الذي بدوره احالها الى مجلس الامن الدولي على اعتبار انها خارج صلاحياته وانها من صلاحية مجلس الامن . لكن مجلس الامن لم يتخذ أي اجراء بهذا الصدد. المجال العسكري قام اعضاء اللجنة الخاصة بنشاطات تجسسية في المجال العسكري نذكر منها: 1 بتاريخ 29/8/1997 قام اثنان من طاقم الطائرات السمتية بتصوير مواقع عسكرية في معسكر الرشيد في العاصمة بغداد كلاً بكاميرته الشخصية مستغلاً مروره بالمعسكر. 2 ـ بتاريخ 28/7/1998 قام عضو فريق الصواريخ «242» بتصوير قطار يحمل معدات عسكرية خلال مروره بالقرب من المنطقة التي كان يعمل بها الفريق. 3ـ بتاريخ 10/8/1998 قام عضو مجموعة الصواريخ للرقابة بالتقاط صور فوتغرافية مستخدماً كاميرته الشخصية لاحد الصواريخ في احد المواقع. التجسس في جانب الامن الوطني ان ما يؤكد ان اللجنة الخاصة كانت تعمل لحساب الولايات المتحدة التي غايتها اطالة امد الحصار على العراق ومحاولة النيل من سيادته هي طريقة عملها وتنظيمها والدعم الكبير الذي كانت تتلقاه من الولايات المتحدة ، ويظهر ذلك جلياً من خلال التحصينات التي قامت بها اللجنة الخاصة في مقرها في فندق القناة ببغداد، واحاطة المعلومات بالسرية التامة حتى مع بعض منتسبيها الذين هم من جنسيات لا ترغب بعض الجهات التي تدعم اللجنة الخاصة بهدفها السيئ بأن يحصلوا عليها. لقد قامت اللجنة الخاصة بتحصين مقرها بأسوار حديدية واسلاك شائكة على جميع المنافذ الخارجية والداخلية واحاطته بمنظومة كاميرات ومتحسسات للمراقبة حيث يبدو للمشاهد ان هذا المكان وكأنه مركز مخابرات. كما ان الحصانات الجائرة التي يتمتع بها موظفو اللجنة الخاصة مكنت اللجنة من ادخال اجهزة ومعدات استطلاع وتنصت لاسلكية موضوعة في صناديق محكمة الغلق لا يمكن للسلطات العراقية المختصة تفتيشها. لقد استغلت اللجنة الخاصة هذه الحصانات بشكل واسع وسيئ الغرض منذ عام 1991، ولدى الجانب العراقي الكثير من الامثلة على ذلك. التجسس في جانب الاستطلاع والتصوير الجوي استخدمت اللجنة الخاصة ومنذ بدء فعالياتها في العراق عام 1991 وسائل جوية لأغراض الاستطلاع الجوي (طائرات مروحية ، طائرات ثابتة الجناح مثل طائرة التجسس الأميركي U2 ) وقد بلغ عدد المواقع التي استطلعها )31( فريق استطلاع جوي بالطائرات المروحية بحدود )1906( مواقع وبساعات طيران بلغت )2785( ساعة اما طائرة التجسس الأميركية (U2 ) فقد بلغ عدد طلعاتها التجسسية )434( طلعة وبعدد ساعات طيران داخل اجواء العراق )1799( ساعة طيران . ومن خلال الارقام اعلاه تبين حجم الاهداف التي تقوم بها اللجنة الخاصة باستطلاعها مستغلة قرارات مجلس الامن لغرض جمع معلومات استخبارية عن هذه الاهداف والتي تمتد من شمال العراق الى جنوبه. وقد شارك في فرق التفتيش مفتشون من جنسيات مختلفة وكانت نسبة المشاركين من حملة الجنسية الأميركية والبريطانية يمثلون النسبة الاعلى وغالباً ما يكونوا هم المسئولين عن قيادة هذه الفرق. وشهد شاهد من اهلها..!! سكوت ريتر. كلنا يتذكره ذلك المفتش الاميركي الذي كان ضابطا في قوات مشاة البحرية الاميركية المارينز وعمل سنوات طويلة في فرق التفتيش الدولية عن الاسلحة العراقية ، وعندما يذكر سكوت ريتر فاننا نتذكر معه : - التطرف في التفتيش الميداني تحت حجج ومزاعم غير صحيحة ضد العراق . - الازمات والمواجهات التي كانت تفتعلها اللجنة الخاصة مع العراق . - نظرية الاخفاء التي كان ريتر يقف وراء الترويج لها. وكذلك فان جنسيته الأميركية تذكرنا بهيمنة الولايات المتحدة على اللجنة الخاصة واستخدامها لها باعتبارها أداة أميركية لتحقيق اهداف لا علاقة بها بنزع السلاح . في هذه الايام يعترف سكوت ريتر كبير مفتشي اللجنة الخاصة ان العراق لم يعد يمتلك اي نوع من اسلحة الدمار الشامل ولم يعد بمقدوره انتاج الاسلحة المحظورة. ففي مقال نشرته صحيفة «ذي ستيتسمان» الباكستانية قال ريتر ان فرق التفتيش انهت مهماتها في العراق خلال خمس سنوات من بداية عملها في عام 1992 مشيرا انه كشاهد عيان فان نحو 90- 95% من اسلحة العراق المحظورة قد جرى التخلص منها وهذا مؤشر على عدم امتلاك العراق الان لأي من اسلحة الدمار الشامل. واضاف ان رئيس الادارة الاميركية جورج بوش وكبار المسئولين فيها دأبوا على فبركة التصريحات والقصص بخصوص امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل ، مؤكدا ان هذه التصريحات مجرد كلام فارغ لا اساس له من الصحة يراد به تأليب الرأي العام ضد العراق لأغراض سياسية صرفة وقد اخفقوا تماما في تقديم اي دليل بدعم ادعاءاتهم الكاذبة ضد العراق. وتعليقا على هذا الاعتراف الخطير لأحد الذين كانوا اهلها يقول هاني وهيب رئيس تحرير صحيفة «الجمهورية» العراقية الرسمية ان هذا الكلام الواضح الصريح لم يقُلْه مسئول رسمي في العراق او وسائل الاعلام فيه، ولا حتى مواطن عراقي، وانما قاله بالحرف الواحد وأكثر الأميركي سكوت ريتر كبير مفتشي ما سمي باللجنة الخاصة.. وشهادته هذه لا تقبل الدحض والتأويل...، فلقد شهد شاهد من أهلها حقاً فهو من البيت الأبيض. كما هو من كبار اهل «اللجنة الخاصة» المقبورة فهو شاهد عيان ، كما قال، لأنه كبير المفتشين ـ وقد رآه العراقيون والعالم اجمع من على شاشات التلفاز في سني ممارسته أعمال التفتيش الاستفزازية التي دامت سبع سنين ونصف السنة من دون طائل الا اختلاق الأزمات وشن العدوانات على العراق وتقديم المعلومات الاستخبارية عن المنشآت الاقتصادية والمواقع الحيوية في العراق للمخابرات الاميركية وجهاز الموساد الصهيوني.. كما افاد سكوت ريتر نفسه غير مرة. بغداد ـ كمال عبدالله: