الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 الجدال المحتدم حول عودة المفتشين الدوليين عن أسلحة الدمار الشامل إلى العراق أكبر بكثير من أن يكون خلافاً حول الجوانب الفنية أو حتى السياسية لتطبيق قرارات مجلس الأمن المتصلة بالعراق. إنه جدال يعكس، في حقيقة الأمر، تناقضات في المصالح والمواقف - تتفاوت في عمقها وحدتها - بين الولايات المتحدة وأقرب حلفائها بريطانيا وإسرائيل من جهة، والدول العربية وأغلب القوى الإقليمية والدولية من جهة أخرى. ومنذ أعلنت الولايات المتحدة أن العراق يقف على رأس «محور الشر» أتخذت واشنطن من رفض بغداد لعودة المفتشين الدوليين حجة تتذرع بها لضرورة شن حرب عليها، لدرء خطر تطويرها لأسلحة الدمار الشامل وإمكانية تزويدها للإرهابيين بتلك الأسلحة، حسب الزعم الأميركي. وبغض النظر عن وجاهة أو بطلان أسباب العراق لرفض مواصلة التعاون مع المفتشين، وفي مقدمتها اتهامه لهم بالتجسس، وعدم تخفيف العقوبات الدولية المفروضة عليه بقدر تقدمه في اتجاه نزع أسلحة الدمار الشامل، فإن الولايات المتحدة استندت إلى تفسير أحادي الجانب للقرارات الدولية (وخاصة قرار مجلس الأمن رقم 1284) كذريعة أساسية لضرب العراق. واعتبرت أنها ليست بحاجة إلى قرار دولي جديد حتى من أجل القيام بغزو شامل لأراضيه، والإطاحة بنظام الحكم فيه ! وظل أركان الإدارة الأميركية يرددون أن موافقة بغداد على عودة المفتشين الدوليين (بدون قيد أو شرط) هي السبيل الوحيد الممكن لتفادي ضربة عسكرية آتية لا محالة.. ولكن حينما بدا أن العراق على وشك القبول بعودة المفتشين الدوليين بدون قيد أو شرط، فإن واشنطن بدأت في الحديث عن ضرورة صدور قرار جديد عن مجلس الأمن ينظم ما تسميه )بالتفتيش الفعال) الذي ترى أنه يتحقق من خلال وجود قوات مسلحة دولية ترافق وحدات منها فرق المفتشين لدى دخولها أي موقع! وتشتبك مع أي طرف عراقي ترى أنه يعوق عمل فرق التفتيش !! ويعني هذا أن يجد العراق نفسه خاضعا لاحتلال قوات مسلحة دولية يحق لها اقتحام أي موقع في أراضيه، بما في ذلك معسكرات الجيش ومباني الوزارات والقصور الرئاسية !! وإطلاق النار على من ترى أنه يعوق عملها أو عمل فرق التفتيش !! فإذا تجرأ هذا الطرف على الدفاع عن نفسه فإن المجتمع الدولي ـ وفي مقدمته الولايات المتحدة بالطبع ـ سيكون عليه أن يهب لرد «الاعتداء» المزعوم على القوات الدولية، وسيكون هناك مبرر «شرعي « لتشكيل تحالف دولي يقوم بغزو العراق، تحت قيادة أميركية!! وحينما وافق العراق، بالفعل، على عودة المفتشين في إطار القرار (1284) لجأت الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا إلى طرح هذه الأفكار العدوانية المريضة، في إطار قرار جديد تجرى المشاورات حوله الآن في كواليس المجلس .. ويقوم المندوب البريطاني بصورة خاصة بجهود محمومة لإقناع الدول غير دائمة العضوية به. الشرعية هي .. نحن! مع تصاعد الاستعدادات العدوانية الأميركية لضرب العراق بدأت تعلو أصوات المعارضة للعدوان في عواصم العالم، الأمر الذي كان له انعكاساته الواضحة داخل أميركا، خاصة وأن طبول الحرب التي يدقها بوش وأركان إدارته ليست منقطعة الصلة بانتخابات التجديد النصفي القادمة للكونجرس في أوائل نوفمبر المقبل. لذلك كان طبيعيا أن ينظر الديمقراطيون بحذر إلى خطط الرئيس بوش الحربية. بل إن هذه الخطط قد اثارت الحذر كذلك لدى الاتجاهات الأقل ميلا للتطرف في الحزب الجمهوري. وحدهما أرييل شارون وتوني بلير سارعا بإعلان تأييدها لضرب العراق. إلا أن بلير واجه حملة معارضة واسعة النطاق لموقفه داخل بريطانيا، سواء في صفوف حزب العمال أو المحافظين،وغيرهما من القوى السياسية. وحتى كوفي عنان أمين عام الأمم المتحدة، المعروف بتساوقه مع السياسة الأميركية ومواقفه المترددة، أضطر لمعارضة الولايات المتحدة. وأعلن بوضوح أن توجيه أية ضربة للعراق ينبغي أن يكون في إطار المنظمة الدولية،وتنفيذا لقرار من مجلس الأمن. وإزاء المعارضة الدولية والداخلية الواسعة اضطرت إدارة بوش للتوجه إلى الأمم المتحدة، آخذة في الاعتبار أيضا نصيحة حليفها الوثيق رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي جمعته قمة بالرئيس بوش أوائل شهر سبتمبر الجاري. وقدمت الإدارة الأميركية توجه بوش إلى الأمم المتحدة لطرح موقف بلاده من الازمة العراقية كما لو كان )تنازلا) من جانب واشنطن وإصغاء لصوت المجتمع الدولي .. وواضح أن هدف إدارة بوش هو محاولة إضفاء ولو قدر من الشرعية الدولية على موقفها. إلا أن الشروط الجديدة التي طرحها الرئيس الأميركي في خطابه أمام الجمعية العامة لكي تمتنع بلاده عن ضرب العراق، أوضحت استخفافه بالمنظمة الدولية وقراراتها السابقة. والأدهى من ذلك أن بوش وجه إنذارا للأمم المتحدة بأنه إذا لم يصدر عن مجلس الأمن قرار جديد يتضمن هذه الشروط، وفي القلب منها ما يتصل «بالتفتيش الفعال» .. وإذا لم يقبل العراق بهذا القرار الجديد وهذه الشروط، فإن الولايات المتحدة سوف تتصرف بصورة منفردة !! معلنا أن الاستجابة الدولية والعراقية ينبغي أن تحدث خلال أيام أو أسابيع على الأكثر !! وفي الوقت نفسه كان نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يعلنان، بدون أي لبس، أن مسألة التفتيش ليست هي القضية الرئيسية، سواء كان التفتيش على أساس القرار (1284 ) أو مشروع القرار الجديد المقترح .. بل إن القضية الرئيسية هي ضرورة الإطاحة بصدام حسين.. الذي اقترح عليه رامسفيلد اللجوء السياسي إلى دولة يتم الإتفاق عليها! وإذا كان هذا هو موقف بوش وأركان إدارته فلماذا توجه إلى الأمم المتحدة ؟ الإجابة واضحة.. لتخفيف الضغط الداخلي على الإدارة والحكومات القليلة التي يمكن أن تتحالف معها، ولتوسيع هذا التحالف بقدر الإمكان. الأهداف الحقيقية معروف أن برنامج العراق لإنتاج أسلحة الدمار الشامل تلقى ضربة قاصمة على مدى السنوات الماضية نتيجة لبرامج التفتيش المكثفة،وما ترتب عليها من تدمير لهذه الأسلحة والأساس المادي اللازم لصنعها. كما أن العراق يفتقر تماما إلى أدوات حمل هذه الأسلحة من صواريخ وطائرات. والعالم كله يعرف هذه الحقيقة .. وواشنطن تعرفها أكثر من الجميع. فماذا تريدأميركا حقا من العراق ؟ الإجابة : إنه النفط .. أولاً وقبل كل شئ . لقد أصبحت الولايات المتحدة، منذ حرب الخليج الثانية، تملك وجودا عسكريا مباشرا في منطقة الخليج العربي، أغنى مناطق العالم بإنتاج واحتياطي الذهب الأسود . وإستكمال بسط النفوذ الأميركي في المنطقة من خلال إخضاع العراق وإيران لاحقا مسألة بالغة الأهمية لضمان سيطرة أميركا على إمدادات النفط في العالم. ولا ينبغي أبدا أن ننسى حقيقة أن العراق يملك ثاني احتياطي نفطي في العالم بعد السعودية 212 بليون برميل من الاحتياطي المؤكد.. أي أنه يملك منفردا أكثر من كل احتياطيات منطقة بحر قزوين، فضلا عن سهولة إستخراج ونقل نفطه مقارنة بتلك المنطقة . كما أن إنتاج العراق يمكن بسهولة أن يصل إلى (6 ملايين برميل يوميا) الأمر الذي يجعله قادرا على قلب كل الموازين في سوق النفط العالمية إذا كان فيه نظام موال للولايات المتحدة. لقد حققت أميركا اختراقا بالغ الأهمية في منطقة آسيا الوسطى وبحر قزوين، من خلال الحرب في أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر المشئومة. والهيمنة على القوس الاستراتيجي الغني بالنفط الممتد من آسيا الوسطى حتى الخليج، مرورا بمنطقة بحر قزوين، تعطي ميزة إستراتيجية هائلة للولايات المتحدة في سعيها لتكريس وترسيخ هيمنتها على العالم. .. وفضلا عن ذلك فإنها تفتح الباب على مصراعيه لوضع حد للمتاعب التي تعتبر أميركا أن (الأوبيك) تسببها لها ولغيرها من المستهلكين، نتيجة لتحديد حصص الإنتاج ومحاولات التحكم في الأسواق، بغض النظر عن كون العوائد الفعلية لدول )الأوبيك) قد انخفضت بشدة مقارنة بسنوات مضت. فهذا أمر لا يؤرق أميركا كثيرا. ومن يتشكك في صواب هذا التحليل نحيله إلى حديث صحفي لمسئول أميركي رفيع المستوى هو «لورانس ليندساي» المستشار الاقتصادي للرئيس الأميركي، نشرته صحيفة أميركية معروفة هي «واشنطن تايمز« ونقلته (دار الأهرام) 19 سبتمبر 2002. وفيما نعتبره )زلة لسان) من ليندساي في وقت غير مناسب، يقول المستشار الاقتصادي لبوش بوضوح تام إن البترول هو الهدف الرئيسي لأي هجوم عسكري أميركي على العراق. ويضيف: «إن التأثيرات السلبية والتكلفة الاقتصادية لأي عمل عسكري ضد العراق، في ظل أي سيناريو، ستكون بسيطة للغاية مقارنة بالمزايا الاقتصادية في حالة نجاح الحرب. فتغيير النظام العراقي سيؤدي لزيادة إنتاج البترول عالميا، مما يساعد على خفض الأسعار». آه.. هنا مربط الفرس إذن، وليست القضية قضية أسلحة دمار شامل، وتفتيش فعال أو غير فعال، وديمقراطية وحقوق إنسان، وما إلى ذلك من شعارات نبيلة!! فصدام حسين نفسه، بكل صفات نظامه نفسها، كان صديقا للولايات المتحدة، في ظروف سابقة معروفة، حتى إقدامه على ارتكاب خطيئة غزو الكويت. مشكلة اقتسام الكعكة وإذا كان الأمر كذلك فإن من الطبيعي أن تنظر القوى الدولية الكبرى للقضية على هذا النحو العملي، وبدون أوهام من تلك التي تروج لها الإدارة الأميركية، فكل دولة أو قوة كبرى تنظر من زاوية مصالحها الخاصة لرغبة الولايات المتحدة في الهيمنة على العراق، وما لهذه الهيمنة من أثر على مصالح هذه الدولة أو القوة في العراق نفسه، أو مالها من إنعكاسات على علاقات القوى الدولية عموما والهيمنة الأميركية المتزايدة على العالم . وهكذا نجد أن روسيا ـ التي تتعرض مصالحها للضربات الأميركية المتتالية في آسيا الوسطى والقوقاز.. خاصة منذ بداية الحرب الأفغانية ـ تجد في الهيمنة الأميركية على العراق مزيدا من تقليص نفوذها الدولي والإقليمي، وتهديدا لمصالحها السياسية والاقتصادية في ذلك البلد. ومعروف أن لروسيا ديونا لدى العراق تقدر بنحو عشرة مليارات دولار . كما أن للشركات الروسية عقودا بنحو أربعين (40) مليار دولار مع العراق في مجال التنقيب عن البترول وإعادة الإعمار ، وهي عقود تنتظر نهاية الحصار لكي يمكن وضعها موضع التنفيذ.. وبديهي أن كل ذلك سيكون في مهب الرياح في حالة غزوأميركا للعراق . وفضلا عن ذلك فإن إيران ستكون تحت حصار أشد إحكاما الأمر الذي يعرض مصالح روسيا فيها هي الأخرى للخطر. لذلك كله نجد روسيا أشد القوى الدولية معارضة للغزو الأميركي المحتمل للعراق، أو للخطوات التي من شأنها فتح الباب أمامه من قبيل «التفتيش الفعال» بالمعنى الذي تطرحه الولايات المتحدة. وتقترح موسكو في المقابل لجانا دولية ذات تشكيل واسع لمراقبة عمل لجان التفتيش، ورصد التقدم فيه .. كما تقترح صيغا لتخفيف العقوبات عن العراق بقدر تقدمها في نزع أسلحة الدمار الشامل . ولا نستبعد أن تستخدم روسيا «الفيتو» ضد المشروع الأميركي ـ البريطاني السابق ذكره، إذا لم توافق أميركا على تخفيف صيغته إلى حد كبير، أو لم تقدم لها تنازلات مقابلة في التعامل بحسم مع جورجيا المجاورة التي يتخذها المقاتلون الشيشان مأوى لهم، والتي تحتمي بعلاقتها المتنامية مع الولايات المتحدة . وبديهي أن روسيا ستطالب في جميع الأحوال بضمان جزء من )كعكة) النفط وإعادة الإعمار بعد الحرب . وإن كان من الضروري أن نشير إلى أن تجربة موسكو مع واشنطن غير ملهمة، سواء في آسيا الوسطى أو القوقاز. الصين بدورها تنظر بحذر كبير إلى المخططات الأميركية بشأن العراق، بإعتبارها تمثل تعزيزا لاشك فيه لمكاسب الولايات المتحدة الأخيرة في وسط آسيا، والتي حملت الوجود العسكري الأميركي إلى حدود الصين الغربية. لذلك فإنها، على الأرجح، ستمارس ضغوطا لتخفيف صيغة القرار الأميركي، ووضع العقبات بقدر استطاعتها أمام الهيمنة الأميركية على العراق،وإن لم نتصور أن بكين يمكن أن تمضى لحد إستخدام « الفيتو « وفي المقابل فمن المؤكد أنها ستطالب أميركا بغض البصر عن تصعيدها للقمع ضد حركة «الأويجور» في إقليم «شينجيانج» الغربي. والأمر المؤكد أيضا أن الاتحاد الأوروبي ينظر بعين القلق إلى إزدياد النزعة العدوانية الأميركية واتساع نطاق هيمنة الولايات المتحدة .وإذا كنا نستثنى بريطانيا التي تمثل )حصان طروادة) لأمريكا في القارة العجوز، والتي ترضى «بنصيب ما» تمنحه إياها واشنطن مكافأة لها على تبعيتها الدائمة .. إلا أن الدولتين الكبريين الأخريين في الاتحاد الأوروبي ـ نعني ألمانيا وفرنسا ـ تنظران بغير ارتياح لإنفراد أمريكا الموغل في الأنانية بمكاسب «النظام العالمي الجديد» ،سواء من حيث تزايد التغلغل الأميركي في وسط وشرق أوروبا (المجال الحيوي لتوسع ألمانيا الموحدة) أو في الجمهوريات السوفييتية السابقة . كما تنظر الدولتان بكثير من عدم الرضى ـ أو حتى بشئ من العداء ـ للحرب الاقتصادية التي لا تفتأأميركا تشنها على أوروبا من وقت لآخر، وعلى نزعات واشنطن الحمائية في المجال التجاري، فضلا عن )عدوانيتها) التجارية والثقافية . ولعل هذا هو ما يفسر صعود أسهم المستشار «شرويدر» الانتخابية بسبب موقفه القوي ضد مخططات أميركا لغزو العراق، الأمر الذي يشير إلى نفور شعبي عام في ألمانيا تجاه السياسة الأميركية . علما بأن أميركا تسعى لتحميل دافعى الضرائب في كل هذه الدول الغنية والمتقدمة تكلفة حروب تنفرد هي وشركاتها بثمارها في نهاية الأمر!! وإذا كانت فرنسا قد بدأت تتراجع عن معارضتها لمشروع قرار «التفتيش الفعال»، وتبدي استعدادها لبحثه، فإن من المتوقع أن تمارس ضغوطا لتخفيف حدته. كما أن من المؤكد أن هناك مباحثات جدية في الكواليس لضمان ولو نصيب محدود من «الكعكة العراقية» لباريس، خصوصا وأن الأخيرة لها علاقات طيبة ومصالح اقتصادية واسعة نسبيا مع النظام العراقي، من المستبعد أن تقدمها لقمة سائغة لأميركا دون مقابل،وخاصة في مجال النفط وعقود التصدير. بقلم : د. محمد فراج أبو النور ـ كاتب مصري