الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 يتعرض العالم العربي في هذه الايام إلى حرب ضروس، تشنها الولايات المتحدة في غير مكان من هذا العالم، بهدف احكام سيطرتها على العالم والتحكم في اقتصاده وسياسته، فعوضا عما يحدث الآن في روسيا وجورجيا، والسودان، وفلسطين، وافغانستان، تقوم الولايات المتحدة الاميركية بتجييش نفسها في هذه الفترة لعدوان عسكري على العراق، وذلك ضمن حرب ما «العولمة المتوحشة» التي تشنها اميركا ضد كل من يقف في وجهها، وتشعر بأنه يشكل خطرا عليها وعلى مصالحها. على صعيد الوطن العربي يجمع المفكرون والخبراء والمحللون السياسيون أن ضرب العراق قادم لا محالة، حتى بعد التزام العراق بعودة المفتشين، فهذا مخطط استراتيجي امريكي، تم اعتماده قبل فترة من الزمن وبغض النظر عن التفاصيل، وقد حان الآن موعد تنفيذه. وبحسب ذات المحللين فإن العراق هو المرحلة الثالثة بعد فلسطين وافغانستان، وربما يتطور الأمر ليشمل بعض الدول العربية الاخرى، واعادة رسم للخارطة العربية من جديد. «الملف السياسي» اثار هذه القضية في ملتقى للمفكرين والمثقفين العرب في العاصمة الأردنية عمان، الذين اجمعوا بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل مرحلة جديدة وجدت في 11 سبتمبر سببا مباشرا للاعلان عن البدء بتنفيذها، وان الأمة العربية قاطبة تتعرض لخطر حقيقي يتهدد وجودها وكيانها لما يحدث في فلسطين والعراق وغيرهما، في الوقت الذي يذهب معظم المحللين الى أن النظام العربي يشهد حالة موات سياسي، ومهدد بالفوضى العارمة إذا استمرت الولايات المتحدة في تنفيذ مخططها العدواني. الدكتور احمد صدقي الدجاني المفكر الفلسطيني المعروف عضو المجلس الوطني الفلسطيني والذي صدر له 60 كتابا في التاريخ وفي علم دراسة المستقبل قال لـ «الملف» حول السياسة الامريكية الراهنة بان المهم على صعيد الفكر العربي أن نقراها قراءة دقيقة، فنحن نعيش حربا ضروسا، واصفا الحرب التي اعلنتها واشنطن على ما تصفه بالارهاب بأنها حرب العولميين المتوحشين والعولمية المتوحشة ضد كل المقاومين للعولمة في عالمنا باسره، وبخاصة في دائرتنا الحضارية العربية الإسلامية. يقول د. الدجاني: هذه الحرب جرى التخطيط لها في مراكز البحث الاميركية منذ اكثر من خمس سنوات، وان اهدافها محددة واضحة وهي أن تستمر الولايات المتحدة في موقعها قطبا واحدا على الصعيد العالمي، فمن اجل هذا الاستمرار هي تريد أن تمسك بكل مواقع ثروة النفط في عالمنا، وتريد ثانيا أن تسكت كل مقاومة فعالة ضد ذلك، وتريد ثالثا أن تحتل مواقع استراتيجية في العالم تمنع نهوض قوى أخرى قد تهددها مستقبلا مثل الصين ومنطقتنا العربية الإسلامية وروسيا أيضا، ولتقييد اوروبا وتستمر في جعلها قمرا في فلكها. ويتابع المفكر العربي الفلسطيني إن هذه الحرب جرى التخطيط لها أيضا بمعرفة التحالف الصناعي العسكري الذي لا يزال يحكم الولايات المتحدة الأمريكية، والذي جاء بالادارة الجمهورية الاخيرة. وقد حذر من هذه التحالف كل من ايزنهاور في اواخر عهده علما بان هذا التحالف هو من جاء بايزنهاور، بالإضافة إلى المفكر الأمريكي بول كينيدي، هذه الحرب جرى التخطيط لها وتمت مباشرتها، وبحسب رأي الدجاني فقد بدأت الحرب فعليا وبشكل دقيق في مطلع شهر فبراير عام 2001 في جبهة فلسطين، أي قبل 11 سبتمبر بسبعة أشهر. اما الجبهة الثانية فقد فتحت بقوة بعد 11 سبتمبر باعلان رسمي يوم السابع من اكتوبر عام 2001 بخطاب الرئيس بوش بشكل واضح وصريح حيث دخلت المرحلة الأولى ثم أعلن في شهر مارس الماضي دخول المرحلة الثانية، وكان الهدف افغانستان وقد تابعنا احداثها. وهناك جبهة أخرى مؤهلة للاندلاع، خصوصا وان الادارة الاميركية جاهرت لهذا وان العالم باسره في الوقت الراهن يعيش التلويح بها وهي العدوان على العراق. يقول الدجاني: نحن نعيش يوميا أبعاد هذه الحرب القادمة، وهذا ما يدل عليه رد فعل الإدارة الاميركية على موافقة العراق بعودة المفتشين الدوليين فالرئيس بوش مصمم على ان يأخذ من الكونغرس الموافقة على خطته، وبعد هذه الموافقة فلن يكون هناك أي عقبة للمضي في الحرب سواء وافقت الأمم المتحدة عليها ام لا. ويضيف الدجاني: إن ضرب العراق مقترن بمخططات موضوعة وتم الحديث عنها، وجرى الحديث عن محاولة رسم خريطة للمنطقة جديدة تذكرنا بسايكس بيكو 1916، ويقول نحن نعلم أن الادارة الاميركية حاولت اثر زلزال الخليج الثاني أن تعمل هذا الرسم للمنطقة، لكن في إطار نظام يحكم المنطقة اطلقوا عليه اسم «نظام الشرق الاوسط» وجعلوا القيادة فيه للقاعدة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية، وجرت محاولة تطبيقه، فتعسر التطبيق، ونجحت مقاومتنا الفكرية ثم السياسية في شله. من جهته قال الباحث والناقد العراقي ماجد السامرائي في هذا الاطار ان الهجمة الاميركية على العراق موجهة الى الامة ككل والى انسان هذه الامة، مشيرا إلى أن هناك نهضة وتقدما على مستوى الانسان العربي، وبالمقابل هناك تراجع على مستوى الانظمة العربية، أما دور الولايات المتحدة في هذا الاطار فانها تحاول عقد تحالفات مع الانظمة التي يمكن ان تنضوي تحت لوائها وتحارب الشعوب.. تحارب نهضة الشعوب والانسان العربي الذي يعمل على صياغة مستقبله بعيدا عن حالة التبعية التي اغرقته فيها الحقبة الاستعمارية السابقة، والهجمة الاميركية تستهدف بؤرة ومنطقة اساسية في هذه الامة. قيل اميركيا ـ يضيف السامرائي ـ انهم يريدون اعادة العراق الى المرحلة ما قبل الصناعية البدائية، وهذا التحدي انتج تحديا اخر على مستوى الانسان العراقي، هذا الانسان لم يستسلم لهذه الارادة الاميركية بل حاول ان يثبت قدرته العلمية وصناعة مستقبله فاعاد بناء ما دمر، هذه الحالة اثارت قلق الولايات المتحدة واي دولة استعمارية تريد السيطرة على دولة او امة أخرى تقلق من هذا الشعور، فهناك محاولة لاعادة العدوان على العراق، وهذه المرة ليس بهدف ضرب البنية التحتية فقط وانما تقوم بتغيير كل شيء والهيمنة على كل شيء وايجاد نظام بديل اخر غير النظام القائم وهو تدخل في السيادة الوطنية. ويتابع المفكر العراقي أن هذه المسألة خطيرة جدا، فالامة العربية من خلال العراق مستهدفة في عقلها وهي مسألة يجب التوقف عندها مطولا، داعيا المفكرين العرب الى التأمل في الخطاب العدواني الاميركي، الذي يوجه اتهامه إلى العراق والمقصود به الامة العربية ككل. وأضاف: ادعو الى تحليل مفردات هذا الخطاب والى اين ترمي، فهي تعني اعادة الامة الى مسألتين: مسألة سايكس بيكو جديدة لتقسيم المنطقة مجددا بما يخدم مصلحة وامن اسرائيل أما المسألة الاخرى فضمان مصلحة اميركا بالهيمنة التامة على نفط المنطقة وبالتالي التحكم في اوروبا لان من يهدد مستقبل اميركا اقتصاديا هي اوروبا واليابان والكتلة الاسيوية. وعلى الصعيد ذاته رأى الدكتور احمد برقاوي رئيس قسم الفلسفة في جامعة دمشق أن مفهوم الأزمة من الصعب أن يعبر عن الحالة الراهنة بين العراق والولايات المتحدة الاميركية وحلفائها وما شابه حلفاءها لان القضية اعمق من ذلك. ويضيف إن المشكلة ليست عودة المفتشين أو عدم عودتهم، فهذه مبررات مباشرة لما هو اعمق تماما فيما يؤكد أن الكويت لم تكن يوما السبب المباشر في ضرب العراق، مشيرا إلى أن على المفكرين والمثقفين العرب البحث عما وراء المبررات الظاهرة لفهم الحدث. ويدعو البرقاوي إلى عدم تصديق ما يقال شفاهيا، لان واشنطن ستضع كل الدول أمام خيارين اما أن تكونوا معنا أو ضدنا فإما أن تؤيدونا أو تؤيدوا العراق، والعراق ليس له علاقة بأحداث 11 سبتمبر ولا بالارهاب، لكن اخترعوه خصما لانه بالاساس هو فعلا على هذا النحو، إضافة إلى انه يبدو أن الميل لضرب العراق وإنهاء النظام السياسي فيه خطوة نحو ترتيب المنطقة، فاذا ما انتهوا من العراق سيتوجهون الى غيره من الدول العربية، وبالتالي هناك سايكس بيكو جديد للمنطقة ومهيأ اميركا وبريطانيا بشكل خاص مع بعض العلاقات بهذا المشروع بأطراف عربية لا تظهر نفسها، ولكنها في حقيقة الأمر مع اعادة ذلك، ومن ثم يسار إلى ايجاد تسوية للقضية الفلسطينية على الطريقة الاميركية الإسرائيلية، فيضمنوا استمرار استقرار المنطقة اميركيا، لان اميركا من اهدافها الأساسية في المنطقة أن تظل إسرائيل قوية في هذه المنطقة والمحافظة على تدفق النفط والمحافظة على صداقة اميركا للدول الحليفة والقضاء على كل حركة راديكالية قومية أو إسلامية للحيلولة دون ظهورها وهذا لن يتحقق إلا باعادة ترتيب للمنطقة فالمشروع الأميركي ضد العراق هو مشروع اميركي ضد المنطقة ككل، فيجب الانتباه إلى هذه القضية. الدكتور طلال عتريسي الرئيس السابق لمركز الدراسات الاستراتيجية في لبنان والاستاذ في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية قال من جهته ان الاستراتيجية الاميركية من اخطر الاستراتيجيات، والاستراتيجية الاميركية التي قامت خلال الحرب الباردة قامت على عقيدة الردع النووي، الآن هناك انتقال إلى مبدأ جديد «مبدأ بوش» وهو العمل الاستباقي، ويعني امتلك القوة واستخدمها قبل أن يستخدمها الخصم المفترض، ومن هنا نفهم الحديث عن العراق، فالكلام الآن عن العراق انه يمتلك اسلحة دمار شامل يمكن أن يستخدمها في المستقبل فيجب ضرب العراق، ايران تطور سلاحا نوويا يمكن أن تستخدمه فيجب أن نضربها الآن، والخطاب الإسرائيلي يركز على هذه المسألة، وهذا الأمر يمكن أن يسحب على دول أخرى كثيرة، يمكن استخدام منطق آخر ان دولة ما تدعم الإرهاب وتؤوي منظمات ارهابية ليشكل ذلك مبررا لضرب هذه الدولة. واشار عتريسي الى أن الولايات المتحدة تعتبر قبول العراق بعودة المفتشين مناورة، ويعتبرون ايضا أنه قادر على اعادة تصنيع الاسلحة بقدراته العلمية، فهم يريدون القضاء على قدراته العلمية. واكد الدكتور عتريسي ان الاحتمال بضرب العراق موجود ومفتوح، فهناك احتمال بتورط الولايات المتحدة والا يسقط النظام وفشل الولايات المتحدة في ايجاد نظام بديل وفي رأيي تقسيم العراق غير وارد لرفض العراقيين لذلك والدول المحيطة. أما الكاتب والمحلل السياسي الاردني حسني عايش فقد اكد ان الحكومة الاميركية الحالية هي حكومة يمين مسيحي متصهين ومتطرف وحكومة نفط ومصالح وان اولوياتها خدمة اسرائيل بالقضاء على دولة محورية كالعراق وتفتيتها، اضافة الى صرف انتباه الشعب الاميركي عن الفضائح المالية المزكمة للانوف على حد قوله المتعلقة ببوش وعصبته، فمعظمهم متورط بفضائح اميركية وهذه الحرب تهدف الى انقاذهم. واضاف عايش ان العراق يقوم على محيط من النفط وتريد الولايات المتحدة السيطرة عليه، منوها ان ضرب العراق قادم لا محالة والقضية مسألة وقت فقط. عمان ـ مفلح عياش: