الجمعة 13 رجب 1423 هـ الموافق 20 سبتمبر 2002 شكلت احداث الحادي عشر من سبتمبر منعطفاً حاسماً ليس في تاريخ الولايات المتحدة فحسب بل في مجمل اوضاع العالم والسياسة الدولية، لا بسبب حجم التدمير الذي اصاب الرموز الاقتصادية والسياسية في نيويورك وواشنطن وكذلك حجم الضحايا من اميركيين وغيرهم بل لأنها كشفت عن مشهد خطير ومخيف في السياسة الاميركية والممارسة العملية لهذه السياسة في الداخل والخارج ضد العرب والاسلام والمسلمين، وفي الوقت نفسه الى احداث تحول خطير في السياسة الاميركية ازاء العالم لا سيما حيال الجغرافيا التي اطلق عليها صموئيل هانتنغتون عام 1993 (حدود الدم) وهي تبدأ من كوسوفو مروراً بالقوقاز وآسيا الوسطى والهضبة الايرانية والشرق الاوسط وصولاً الى اندونيسيا، هذه الجغرافيا الاسلامية التي يعدها هانتنغتون تفصل بين الوحدات الحضارية: الاوروبية ـ الاميركية، الكونفوشوسية، اليابانية.. الخ، وعليه فإن احداث الحادي عشر من سبتمبر في دلالاتها وتداعياتها تضاف الى سلسلة الاحداث الكبرى في التاريخ الى درجة ان البعض ذهب الى حد تشبيه هذه الاحداث بالحرب العالمية الثالثة التي دامت ساعة واحدة، ومرد هذا التشبيه انها كانت الحرب الاكثر كلفة من حيث الخسائر المباشرة والاكثر تأثيراً لجهة التداعيات المباشرة والمستقبلية، فالعالم بعد الحادي عشر من سبتمبر مختلف عما قبله في القيم والعلاقات والعناوين والمفاهيم والآليات والأهم من كل هذا ما ترتب على ذلك من سياسة اميركية ترى ان مجمل ما حصل شكل فرصة ذهبية لاعادة صوغ العالم من جديد. وهو الامر الذي يعني حسب الاستراتيجيين الاميركيين الانتقال من مرحلة الاحادية القطبية التي تشكلت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج الثانية الى مرحلة عولمة الأمن في العالم ربما تمهيداً لفرض العولمة التكنوحضارية والتي يتجنب القادة الاميركيون التحدث عنها صراحة. فور وقوع احداث الحادي عشر من سبتمبر قفزت منطقة الشرق الاوسط الى واجهة التصريحات الاميركية كجيوبوليتيكيا مصدرة للارهاب ومهددة للامن القومي الاميركي، ولم تنتظر الادارة الاميركية كثيراً لمعرفة الفاعلين، بل ذهبت في عدة اتجاهات لفرض قبضتها على العالم اكثر فأكثر، فقد ضغطت على مجلس الامن الدولي لاصدار قرار يتعلق بمكافحة الارهاب، فكان القرار رقم 1373 بهذا الخصوص دون تعريف محدد للارهاب وبموجب هذا القرار اصدرت الادارة الاميركية قوائم بالجملة ضد شركات واشخاص ومنظمات ومن ثم اعلان ما اسمته بدول محور الشر «ايران، العراق، كوريا الشمالية» وهي في مجملها دول وشركات ومنظمات معادية للسياسة الاميركية هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن هذه الادارة جعلت من حلف الناتو مطية لتحقيق اهدافها الامنية، فللمرة الاولى منذ انشاء الحلف جرى استخدام المادة الخامسة من ميثاقه والتي تعد الاعتداء على دولة عضو فيه اعتداء على الدول الاخرى الاعضاء، الامر الذي يعني في النهاية حسم مسألة مشاركة دول الاعضاء في الحلف في اي حرب تقوم بها الولايات المتحدة تحت شعار مكافحة الارهاب حتى لو ابدت هذه الدول معارضة اعلامية او دبلوماسية في مرحلة ما، ومن جهة ثالثة فإن الاعلان بأن الحرب على الارهاب ستكون طويلة ومعقدة يندرج في اطار تحقيق اهداف سياسية معلنة، في مقدمتها خلق اطار من الضغط الامني والاعلامي على الدول لتغيير سياساتها الخارجية والداخلية في المجالات الاقتصادية والامنية والاجتماعية والثقافية بما ينسجم واهداف السياسة الاميركية من جهة، ومن جهة اخرى اجبار الحكومات في هذه الدول على التعاون في مواجهة الشبكات والمنظمات والاحزاب التي تعارض سياسة الادارة الاميركية وحلفائها سواء كانت هذه الاحزاب والمنظمات «اسلامية اصولية أو يسارية متطرفة». لقد ادت احداث الحادي عشر من سبتمبر الى سقوط العقيدة الاميركية العسكرية التقليدية والتي بدأت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت بعد انهيار الحرب الباردة وتحولت هذه العقيدة الى ايديولوجية تقوم على تفكيك العلاقات بين الدول والشبكات والشركات والمنظمات وربط عملية التفكيك هذه باجراء تحول في القيم الحضارية والمفاهيم الاجتماعية والثقافية لدى الشعوب، وفي المقدمة منها الشعوب العربية والاسلامية التي اضحت في موقع «العدو» بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وما الحرب التي جرت في افغانستان وكذلك الحرب الاسرائيلية المتواصلة على الشعب الفلسطيني والتحضير لعدوان عسكري ضخم على العراق والضغوط المتواصلة على سوريا ولبنان ومصر والسعودية.. إلا سلسلة من التجليات لعولمة الامن في العالم تحت شعار مكافحة الارهاب ولعل اخطر ما في هذه المسألة، هو امتطاء مجموعات الضغط الصهيونية وكذلك الجماعات اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة هذا الشعار «مكافحة الارهاب» اطاراً لمجموعة من الاسقاطات السياسية فيما يتعلق بالصراع العربي ـ الاسرائيلي والقضايا العربية، وقد عرفت الحكومة الاسرائيلية المتطرفة بزعامة ارييل شارون كيف تستغل هذه الاسقاطات وتعمل على وضع القضية الفلسطينية والنضال الفلسطيني في مواجهة الاحتلال والعدوان في خانة الارهاب الى درجة ان شارون ذهب الى حد تشبيه ياسر عرفات باسامة بن لادن ورام الله بقندهار، وبالتالي الربط بين الحرب الاميركية في افغانستان على طالبان والقاعدة بحربه العدوانية التدميرية على الشعب الفلسطيني تحت نفس العنوان، لقد اتجه شارون بعد الحادي عشر من سبتمبر الى دمج اهدافه ومشاريعه مع الاهداف والمشاريع الاميركية تحت شعار «مكافحة الارهاب» ولا يخفى على احد ان شارون نجح في احداث انقلاب في سياسة الادارة الاميركية بخصوص الوضع في الاراضي العربية المحتلة، فمن جهة استعاد الثقة مع هذه الادارة التي كانت تؤيد قبل هذا التاريخ خصم شارون بنيامين نتانياهو على زعامة الليكود، ومن جهة ثانية انقلبت هذه الادارة على عدو شارون اللدود الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، فقاطعته وأيدت حصاره في مقره برام الله واليوم تطالب بتغييره شرطا للحوار مع الفلسطينيين بعد ان كانت الادارة الأميركية تعده رجل السلام في اوسلو. لقد ادت احداث الحادي عشر من سبتمبر الى حدوث تداعيات خطيرة على الصعيد العربي والعلاقات العربية ـ الاميركية وكذلك النظرة الاميركية المفاهيمية الى هذه العلاقة والقيم التي تنظمها وتحددها، فمن جهة اضحت اميركا بنظام القيم الذي كانت تنادي به من خلال تقليص الحريات والقفز فوق القوانين وحتى الاعتداء على العرب والمسلمين داخل الولايات المتحدة باسم الأمن، ومن ثم بروز نزعة عنصرية في التعامل مع الاسلام كحضارة من خلال مقارنته بالتخلف والعنصرية والعنف والتعصب وبالتالي وضعه ضمنا في خانة «العدو» ولا يمكن ادراج بوش صفة «الصليبية» على حربه الجارية باسم مكافحة الارهاب سواء في هذا الاطار، وتحمل هذه النزعة العنصرية في مضمونها الطلب من الدول والشعوب العربية والاسلامية تغيير الكثير من المفاهيم والقيم الاجتماعية والثقافية التي تراها واشنطن انها لا تنسجم وخطابها بعد الحادي عشر من سبتمبر، كما تحمل هذه النزعة امكانية المساس بالدول وممارسة الضغط لفرض حلول معينة على صراعات اقليمية ودولية قائمة منذ عقود. ولعل من أهم تداعيات السياسة الاميركية الجديدة هذه على العرب وقضاياهم يلي: ـ اطلاق يد شارون في الاراضي الفلسطينية المحتلة واحداث اكبر قدر ممكن من التدمير بغية اجبار الفلسطينيين على القبول بشروط شارون في مجال التسوية ونزع ما حققوه في ظل أوسلو من واقع تنظيمي يملك وسائل مقاومة الاحتلال. ـ اطلاق مشروع القضاء على النظام العراقي من خلال عمل عسكري ضخم ضد العراق حيث تجري الاستعدادات له على قدم وساق ويمكن توقع ذلك في اي وقت، ويعرف الجميع ان الهدف من العمل العسكري المنشود اسرائيليا ليس النظام بحد ذاته بقدر ما هو العراق سيادة وثروات وقدرات والانطلاق من مرحلة ما بعد الضربة الى احداث سلسلة من التغييرات والتحولات في المنطقة. ـ مشروع الغاء المقاومة في لبنان (حزب الله) وسوريا تحت شعار الارهاب وقانون محاسبة سوريا المعروض في الكونغرس، طبعا كل هذا يجري بضغط من منظمات الضغط الصهيونية والاميركية بهدف دفع الطرف العربي الى القبول بالتسوية وفقا للشروط الاسرائيلية. ـ ممارسة الضغوط المباشرة وغير المباشرة على مصر والسعودية وباقي الدول العربية، تارة باسم حقوق الانسان واخرى باسم مكافحة الاصولية والتشدد وثالثة باسم تحديث القيم والمناهج الدراسية والثقافية. بهدف ايجاد انفجارات داخلية من جهة وابعاد هذه الدول عن دورها المنشود في الوقوف مع القضايا العربية من جهة ثانية، وعدم اتخاذ مواقف قد تعيق اهداف السياسة الأميركية من جهة ثالثة، وفي المحصلة احداث تحولات في بنية هذه الدول ومجتمعاتها للقبول بالاستراتيجية الأميركية الجديدة بما تحمل من مفاهيم وقيم. العرب بعد الحادي عشر من سبتمبر اضحوا في دائرة الاستهداف المباشر للحرب الطويلة والمعقدة التي اعلنها بوش باسم مكافحة الارهاب واذا لم تجمع الدول العربية والاسلامية على توحيد موقفها واتخاذ موقف واضح وصريح من هذه الحرب فان التداعيات المقبلة ستكون كارثية عليهم نظرا الى ما جرى في افغانستان وفلسطين وما قد يجري في العراق او حتى اي دولة اخرى عربية او اسلامية، فالعدو المستهدف من الحرب المعلنة هو (نحن) بما نحن عليه. بقلم: خورشيد دلي ـ كاتب سوري الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |