الجمعة 13 رجب 1423 هـ الموافق 20 سبتمبر 2002 لاشك في أن العلاقات العربية الأميركية دخلت مرحلة جديدة في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، والتداعيات الناتجة عنها سواء على المستوى الداخلي أو الاقليمي أو الدولي، بالنسبة لطرفي هذه العلاقات، فقد أبرزت هذه التداعيات مدى تضارب المصالح العربية الأميركية، ومدى الاختلاف في الرؤى والمواقف بين الجانبين، حتى بالنسبة للدول العربية التي لها علاقات تاريخية قوية مع الولايات المتحدة حتى أن احدى هذه الدول على وجه التحديد، تعرضت لانتقادات غير مسبوقة من جانب وسائل الاعلام الأميركية وبعض المسئولين في الادارة الأميركية والكونجرس. والواقع أن هذه الانتقادات الحادة ترجع الى محاولة أجهزة الادارة الأميركية تعليق فشلها في الكشف المبكر عن هذه الأحداث على الدول العربية، وذلك بالرغم من أنها تمتلك امكانيات غير مسبوقة لأي دولة في العالم للقيام بهذا الدور، وفي جانب آخر في أن هذه الانتقادات ترجع الى المواقف العربية بشأن ما تسميه الادارة الأميركية بالحرب ضد الارهاب، حيث تفرق الدول العربية بين الارهاب وحق الشعوب المحتلة أراضيها في مقاومة دولة الاحتلال وحقها في تقرير المصير، في حين لا تفرق الادارة الأميركية بين الأمرين وتخلط بين العنف المشروع الذي تجسده حركات المقاومة والعنف غير المشروع الذي تجسده العمليات الارهابية، كما يمكن أن نضيف عاملا آخر يدفع نحو المزيد من الانتقادات الأميركية للدول العربية والمتمثل في سيطرة القوى الصهيونية على وسائل الاعلام الأميركية، اضافة الى القوة المؤثرة للوبي الصهيوني على الادارة الأميركية والكونجرس. هذه العوامل التي دفعت الى هذه الانتقادات أوضحت حقيقة الواقع الجديد للعلاقات العربية الأميركية، وهو واقع يحمل العديد من المتغيرات، سواء على مستوى المصالح، أو التحالفات أو السياسات وهي أمور لابد من التعامل معها بجدية وموضوعية اذا ما أردنا اعادة بناء العلاقات العربية الأميركية على أسس سليمة خلال المرحلة المقبلة، وهي مسألة ليست سهلة وإنما هي بالغة الصعوبة والتعقيد، خاصة وأنها تتم في ظل ظروف وأوضاع غير ملائمة أو مواتية للدول العربية، فثمة انكشاف واضح في توازن القوى، وثمة اتجاه واضح للسيطرة والهيمنة على شئون العالم والمنطقة العربية على وجه التحديد من جانب الادارة الأميركية المتحالفة مع اسرائيل العدو التقليدي للدول العربية، والذي يسعى الى تطويع الارادة العربية كي تستسلم لمطالبه وترعى مصالحه، بل ويدفع الادارة الأميركية نحو اعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة واعادة رسم خريطتها بما يتوافق والدور الذي تسعى اسرائيل الى القيام به وهو دور القوة الاقليمية العظمى المهيمنة على كافة التفاعلات في المنطقة. ولاشك في أن هناك مخاطر جسيمة يحملها المستقبل بالنسبة للدول العربية كافة، اذا ما سار السيناريو الأميركي الصهيوني للمنطقة في المسار المخطط له. والسؤال الآن حول كيفية تعامل العرب مع هذا الوضع القائم ومدى القدرة العربية على اعاقة هذا السيناريو أو تعديله أو فرض سيناريو آخر جديد يحقق التوازن والاستقرار للمنطقة ويكفل الحفاظ على المصالح العربية وتحقيقها، بل ويحافظ على الكيان الذاتي العربي الذي صار محلا للتهديد بصورة غير مسبوقة. وثمة أمور يتعين على صانع القرار العربي تحديدها منذ البداية ومنها هل الجوانب الاستراتيجية للعلاقات العربية الأميركية في وضعها الجديد القائم الآن تتطلب اعادة بناء مواقف جديدة على المستوى العربي بصدد القضايا والمسائل التي تدخل في نطاق هذه العلاقات؟ وهل تفرض مثل هذه الأمور وفي ظل المعطيات القائمة الآن الاتجاه بمسار هذه العلاقات نحو المزيد من الارتباط والتبعية للسياسة الأميركية في المنطقة وما هي أعباء وتكاليف مثل هذا الاتجاه؟ وإن كان مسار التبعية غير ملائم ومرفوض فما هي البدائل الأخرى المتاحة والممكنة لمسار هذه العلاقات وما هي أعباؤها وتكاليفها فمن المعروف أن لكل بديل في عالم السياسة ثمن لابد من دفعه عند تبنيه. من ناحية أخرى لابد من المصارحة والمكاشفة حول أسلوب التعامل العربي مع الولايات المتحدة واطار ادارة العلاقات العربية الأميركية بمعنى هل يتم في اطار ثنائي منفرد أم يتم في نطاق جماعي عربي مشترك. هذه أمور لابد من حسمها على مستوى صانع القرار العربي، ومن الواضح أن الاتجاه العام السائد حتى كتابة هذه السطور هو الاطار الثنائي، وهو اطار يتيح للولايات المتحدة قنوات غير محدودة لممارسة المزيد من الضغوط على الدول العربية بحيث تكيف هذه الدول مواقفها بما يتواءم والسيناريو الأميركي الاسرائيلي المرسوم والذي يجري تنفيذه على قدم وساق لاعادة رسم خريطة المنطقة بما يتواءم وهذا السيناريو. وبالرغم من هذا فإننا نرى أن ثمة بدائل أخرى يمكن للعرب اذا ما أرادوا أن يأخذوا بها للتعامل مع هذا السيناريو الأميركي الاسرائيلي ومنها ما يلي: أولا: بديل الاعاقة ونقصد به توفير كافة الوسائل والسبل لاعاقة تنفيذ هذا السيناريو، وأهم هذه السبل هو محاولة الضغط على الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن من أجل استخدام الفيتو لمنع صدور قرار يقدم التغطية الشرعية الدولية لما تريد الولايات المتحدة القيام به ضد العراق، وفي هذا المجال يمكن التركيز على الصين بوصفها الدولة التي تتعارض مصالحها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وقد تكون الاداة الاقتصادية هي الاداة الملائمة في هذا المجال، من خلال اعطاء الصين بعض المزايا الاقتصادية في المعاملات العربية، كذلك لابد من اقناع القيادة العراقية بضرورة تبني مواقف تؤدي الى تفويت الفرصة على الولايات المتحدة للقيام بعمل عسكري كبير ضد العراق، كما أن هذا لابد وأن ينطوي على تحرك اعلامي عربي قوي في كافة دول العالم خاصة الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي من أجل ايضاح الرؤية العربية للرأي العام في هذه الدول، وهذا البديل يفرض على الدول العربية أن تتناسى خلافاتها ومشاكلها لأن المسألة ليست انقاذ العراق أو الشعب العراقي وإنما المسألة أكبر من هذا بكثير، فإذا كان العراق هو موضع التهديد المباشر فإن دولا عربية أخرى سوف تكون في ذات الموضوع بعد ذلك. ثانيا: بديل تغيير المسار وهو يقوم على امكانية تغيير مسار السيناريو الأميركي الاسرائيلي الى وجهة أخرى ملائمة نسبيا للمصالح العربية وأقل تكلفة وضررا من تحقيقه وفقا للرؤية الأميركية الاسرائيلية، ومن هذا الصدد يمكن الاشارة الى بعض الوسائل الملائمة لتحقيق هذا البديل ومنها: أ ـ اعادة بناء التحالفات العربية بدول الجوار الجغرافي خاصة ايران وتركيا. ب ـ طرح خطط التطوير الاقتصادي وما يرتبط بها من مشروعات اقتصادية عربية على الشركات العالمية، خاصة الأميركية والأوروبية من أجل ابراز المزايا التي يمكن أن تتيحها المنطقة العربية لهذه الشركات اذا ما استقرت الأوضاع في المنطقة، خاصة وأن هذه الشركات لها قوة تأثير كبيرة في هذه الدول، والتلويح بإمكانية يمكن تقديمها للشركات الصينية وغيرها من الشركات الآسيوية، الأمر الذي يزيد من تنافس الشركات العالمية في المنطقة. ج- توسيع نطاق التفاعلات العربية مع قوى المجتمع المدني في كافة دول العالم وعلى وجه الخصوص في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان حيث أن هذا يساعد على بلورة رأي عام مؤيد للرؤية العربية في هذه الدول. وبالطبع لابد وأن يسبق هذا توافق عربي حول هذه الأمور خاصة فيما يتعلق بالتحالفات الاقليمية العربية، وطرح مشروعات اقتصادية عربية مشتركة عملاقة لمد خطوط سكك حديدية أو إنشاء طرق أو ربط للشبكات الكهربائية أو تحلية المياه وغيرها. ثالثا: طرح سيناريو عربي بديل نتحدث كثيرا عن المخططات الخارجية لاعادة رسم خريطة المنطقة العربية ونتجاهل أمرا مهما وهو مدى قدرتنا الذاتية على رسم خريطة المنطقة من جديد، بمعنى هل يستطيع العرب اعادة رسم هذه الخريطة بما يتوافق ومصالحهم ؟ والاجابة أن قدرا محدودا من التنسيق والعمل العربي المشترك الجاد والمنظم في عام 1973 اتاح الفرصة للعرب لرسم خريطة القوة في المنطقة بما يتوافق مع مصالحهم، فلماذا نتجاهل مثل هذا السيناريو؟! والواقع أن هذا السيناريو يحمل العديد من الأفكار التي قد يرى البعض أنها تدخل في حيز اليوتوبيا أو المستحيلات، إلا أن هذا لا يمنعنا من طرحها، فمعظم السياسات تبدأ بفكرة بل أن اسرائيل ذاتها بدأت بفكرة كانت تبدو مستحيلة التحقيق وقت أن تم طرحها. ومن هذا الاطار نتساءل أليس من الممكن اعادة رسم خريطة المنطقة من خلال توحيد بعض الدول العربية المتقاربة جغرافيا على الأقل في صيغة فيدرالية، أو أقرب الى الفيدرالية؟ أليس من الممكن اقامة مؤسسات عربية مشتركة في المجالات الاقتصادية الحيوية كشركات قابضة تتبعها شركات أخرى موزعة على الدول العربية الأخرى. إن دراسة تاريخ الأمم تؤكد أن ازدياد حدة المخاطر التي تتعرض لها كان من أهم الدوافع المحركة لتوحدها، والأمة العربية تواجه اليوم مخاطر تهدد وجودها واستمرارها على أراضيها وأوطانها، أليست هذه المخاطر بمثابة الدافع المحرك للتوحد، واعادة بناء العمل العربي المشترك على أسس جديدة قوية ومتينة. إنها لحظة تاريخية تتطلب عملا وحدويا قويا يتلاءم مع حجم ونوعية التحديات والتهديدات التي تواجه أمتنا، في زمن صعب لا يعترف بالوجود إلا للأقوياء. إن البعض قد يرى أن هذا السيناريو يتطلب المزيد من الوقت والتدرج وغير ذلك من الأفكار، إلا أن الأمم الحية تستطيع أن تتجاوز العقبات التي تعوق توحدها خاصة في لحظات الخطر والتهديد، فأمام هذه المخاطر تكون أي تكلفة للتوحد أقل بالنسبة للمخاطر القادمة، واذا كان لنا أن نقدم في ختام هذا المقال رؤية علمية لتعامل العرب مع الموقف القائم الآن خاصة في ادارة العلاقات العربية الأميركية، فإن هذه الرؤية تقوم على تكوين مركب من البدائل السابق الاشارة اليها، ونقطة البدء يجب أن تتركز على السعي الجاد لاعاقة السيناريو الأميركي، يعقبها مرحلة السعي الى تغيير مسار هذا السيناريو وصولا الى طرح سيناريو عربي بديل لترتيب الأوضاع واعادة رسم خريطة المنطقة. بقلم: . د محمد سعد أبوعامود ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |