الجمعة 13 رجب 1423 هـ الموافق 20 سبتمبر 2002 رغم اتّساع حجم القضايا المتشابكة الآن بين البلاد العربية والولايات المتحدة، فإن المنطقة العربية تعاني من غياب التصنيف الواضح والسليم لطبيعة العلاقة مع أميركا، أي هل أميركا هي خصم للعرب.. عدوّ للعرب.. أم أنها دولة صديقة للبلاد العربية؟! فأهمّية تحديد نوع العلاقة هذه ترتبط بكيفيّة التعامل مع الحالة الأميركية الراهنة، التي أصبحت في سياستها تجاه المنطقة العربية أشبه بكابوس، ينام العرب عليه ويستيقظون كل يومٍ على تفاعلاته السلبية. لكن، أميركا أيضاً تعيش حالة رعبٍ يومي وهواجس خوفٍ من عربٍ يتحرّكون في الخفاء هنا أو هناك من أجل زعزعة الأمن الأميركي وضرب المصالح الأميركية. هذه هي المعادلة السلبية القائمة الآن على الخوف المتبادل من الآخر بين العرب وأميركا، وهي معادلة لا تفرز سوى المزيد من السلبيات ومزيد من مشاعر التباعد والحقد وسوء فهمٍ للآخر. حتماً في حالة المعادلة السلبية هذه سيكون المتضرّر العرب وأميركا معاً، وستكون إسرائيل هي المستفيد الأكبر من تداعيات، تجمع في باطنها تراكماتٍ سياسة خارجية أميركية منحازة لإسرائيل وظالمة لعدّة شعوبٍ عربية، مع ممارساتٍ عنف مسلح حدثت وتحدث من بعض الجماعات العربية (وبأسماء إسلامية) ضد أميركيين ومصالح أميركية، إضافةً إلى الآثار الكبيرة التي تركتها الأعمال الإرهابية في نيويورك وواشنطن على سوء العلاقة بين العرب وأميركا وعلى العرب والمسلمين في كلّ مكان. ولعل من المهمّ الإشارة إلى أن نظرة المنطقة العربية إلى الولايات المتحدة كانت، في النصف الأول من القرن العشرين، نظرةً إيجابية وفيها الكثير من التقدير العربي للنموذج الأميركي في التحرّر والحرّية. فالعرب لم يضعوا أميركا آنذاك في خانة الأعداء والخصوم لمجرّد أنها دولة غربية أو أنّها على تحالفٍ مع المستعمرين للمنطقة في تلك الحقبة (خاصة فرنسا وبريطانيا)، بل فضلاً عن ذلك كان هناك الكثير من التقدير العربي لموقف أميركا عام 1956، حينما قامت الولايات المتحدة بالضغط على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل للانسحاب من سيناء عقب العدوان الثلاثي على مصر. ثم جاءت الحقبة الثانية في التاريخ الحديث للعلاقات العربية الأميركية، وهي الفترة التي بدأت مع نهاية الخمسينات واستمرت حتى أواسط السبعينيات، وكانت فيها واشنطن في قمة حربها الباردة مع المعسكر السوفييتي وكلّ من يتحالف معه. أيضاً، كانت واشنطن في ذروة موقفها السلبي من مصر عبد الناصر ومن مشاريعه ومواقفه كلّها مقابل دعمٍ مفتوح ومطلق منها للدور الإسرائيلي في المنطقة وللعدوان الإسرائيلي عام 1967. رغم ذلك، فإن المنطقة العربية لم تشهد آنذاك حالةً من سوء العلاقة بين أميركا والعرب شبيهة بما هو حاصل الآن، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. كانت أميركا، في نظر العرب أيام مصر عبد الناصر، خصماً يدعم عدوّاً هو إسرائيل. وكانت ظروف الحرب الباردة هي التي تحكم التعامل مع أميركا ممّا أوجد حينذاك دولاً عربية صديقة للمعسكر الشرقي مقابل أخرى عربية صديقة للمعسكر الغربي. وبشكلٍ عام، فإن العلاقات كان يضبَطها إما إطار التحالف أو الخلاف بين حكومات، ولم يكن هناك، خارج إطار العمل الرسمي، جماعات مؤثرة على هذه العلاقات كما هو الحال اليوم مع جماعات القاعدة أو غيرها. إن التصنيف الرسمي العربي للعلاقة مع أميركا تراوح بين النظرة لها كخصمٍ يساند عدوّاً أو كدولةٍ صديقة. هكذا كان الأمر في الخمسينيات والستينيات، ثم تباين هذا التصنيف في السبعينيات والثمانينيات وفي التسعينات أيضاً. لكن بعد أحداث 11 سبتمبر، فإن حالة العداء هي السائدة على مستوى الشعوب رغم عدم وضوح الرؤية على مستوى الحكومات. ولأن العلاقة بين الدول لا تقوم على المشاعر، بل على المصالح والرؤى الاستراتيجية، فإن المنطقة العربية بحاجةٍ إلى مزيدٍ من التحليل والدراسة لظاهرة العلاقات العربية الأميركية في مطلع هذا القرن الجديد. ربما يكون مفيداً الانطلاق من أن أميركا هي ليست فقط دولةً كبرى بل الدولة الأعظم المهيمنة على العالم اليوم. وكمثل حال كافة الدول الكبرى والإمبراطوريات على مرّ التاريخ، فإن أميركا تسعى الآن (كما سعت طوال القرن الماضي) لتكون القوة الوحيدة المهيمنة على العالم، ونجحت في توظيف عدّة حروب وأزماتٍ دولية لصالح مشروعها التسلّطي على مقدّرات العالم، واستفادت أميركا من ثغرات وخطايا الآخرين لكي تحقّق نجاحاً فيما ترنو إليه. فالمعسكر الشيوعي سقط بحكم خطايا الذات ولم يسقط نتيجة حرب أميركا ضدّه. سقط المعسكر الشيوعي لأنه قام على سياساتٍ سلبية تجاه الانتماءات القومية والمشاعر الدينية، وعلى أنظمة حكم ديكتاتورية، ولم يسقط المعسكر الشيوعي لأن أميركا الرأسمالية نجحت في إسقاطه. أيضاً، استفادت أميركا من حروب أوروبا الداخلية، ومن ممارساتٍ عدوانية قامت بها ألمانيا وإيطاليا، إبان النازية والفاشستية، ضد بلدان أوروبية أخرى، ومن خطايا الحقبة الاستعمارية البريطانية الفرنسية في دول العالم الثالث، ولم تصنع أميركا هذه الحروب في أوروبا ولا معارك التحرّر ضد المستعمر البريطاني أو الفرنسي أو الإيطالي، فكانت واشنطن هي وريثة إمبراطورياتٍ قديمة، وتحولت لندن وباريس وروما إلى عواصم من الدرجة الثانية أو الثالثة بعد عهودٍ من الهيمنة على بقاع عديدة في العالم. فإذا انطلقنا من واقع أن أميركا هي الآن قائدة الإمبراطورية العالمية الجديدة، فإن السؤال المنطقي هو كيفيّة التعامل مع هذا الواقع الجديد على العرب والعالم ككلّ حيث أن هناك دولةً كبرى تتحكّم في اتجاهات العالم بأسره؟! لعلّ افتراض أن أميركا هي دولة صديقة للعرب لا يحمل مصداقيةً الآن في ظل الدعم الأميركي الكبير لدولة شارون وممارساته العدوانية على الشعب الفلسطيني، وفي ظل التهديدات الأميركية لأكثر من بلدٍ عربي ولأسباب مختلفة. لكن لا أجد مصلحة عربية الآن في تصنيف أميركا دولة عدوّة تتوجب المواجهة معها الآن في المجالات كلّها. أعتقد أن النظرة لأميركا يجب أن تحكمها جملة من الاعتبارات التي تتراوح بين الأمر الواقع القائم على الكرة الأرضية الآن، أي أميركا الدولة العظمى، وبين ما طرأ على هذا الواقع من فلتان في التعامل مع أميركا عربياً وإسلامياً، بحيث أصبحت حوادث 11 سبتمبر 2001 هي بوصلة العلاقات العربية/الأميركية أكثر من مسألة المصالح والرؤى الاستراتيجية. فما بين الحذر الأميركي المبرر، وبين الهلع الشديد المصطنَع من كل ما هو عربي أو إسلامي، تعيش أميركا رؤيةً سلبية جداً للمنطقة العربية التي خرجت منها هذه الجماعات التي أعلنت مسئوليتها عن أحداث 11 سبتمبر. إن أي عملٍ إنساني ناجح يتطلّب تحديد مسائل ثلاث: ما المنطلق، ما الهدف، وما الأساليب الناجحة الكفيلة بالانتقال من الواقع (المنطلق) وصولاً إلى الهدف المنشود. فهل أجابت المنطقة العربية على هذه المسائل الثلاث لجهة العلاقات مع أميركا في ضوء نتائج أحداث 11 سبتمبر؟ هناك، على الطرف الأميركي، إجابات واضحة جداً: الانطلاق من سلبيات 11 سبتمبر تجاه العرب والمسلمين عموماً، ثم محاولة توظيف الإدارة الأميركية الحالية لما حدث في نيويورك وواشنطن من أجل بسط الهيمنة الأميركية على عموم العالم وبناء نظام أميركي جديد للعالم. قد تكون أجزاء من الحالة الأميركية القائمة الآن، هي سمات مؤقتة ترتبط بطبيعة الإدارة الحالية التي ما زال أمامها حوالي العامين من الحكم وصنع القرار الأميركي، لكن ما هو غير مؤقت بتوقيت عمر الإدارة الحالية، هي المصالح الأميركية في العالم مع السعي الأميركي لإبقاء واشنطن هي صانعة القرار للعالم كلّه. لقد قال ذلك بوضوح الرئيس الأميركي الديمقراطي السابق بيل كلينتون حينما أعلن في مطلع عام 2000 بأن القرن العشرين كان قرناً أميركياً، وأن على أميركا جعل القرن الحادي والعشرين قرناً أميركياً أيضاً). وكما أستفادت أميركا من ثغرات أنظمة وخطايا حكومات وحروب داخلية في أوروبا ولدى المعسكر الشيوعي، فانها أستفادت أيضاً - وتستفيد - من ثغرات وخطايا وحروب أهلية حدثت وتحدث في المنطقة العربية ولدى بلدان العالم الإسلامي. لا شك أن أميركا تغيرت كثيراً (في الداخل كما في صورتها الخارجية) بعد حوادث 11 سبتمبر، وأصبح المجتمع الأميركي قائماً على الخوف من عدوّ مجهول له سمات عربية وتسميات إسلامية، وأصبحت أميركا من الناحية الأمنية شبيهة بدول في العالم الثالث من حيث التقييد على بعض الحرّيات العامة ومحاولات فرض حكم الأجهزة والحزب الواحد، إضافةً طبعاً إلى حالة الجهلوقراطية التي تعم الأميركيين عن العرب والمسلمين ومعظم الشئون الدولية ممّا يتيح الفرصة أمام وسائل الإعلام الأميركية والجهات الرسمية لملء هذا الفراغ الفكري والسياسي والثقافي بكلّ ما يخدم سياسات من هم وراء هذه الوسائل الإعلامية أو مصالح هذه الجهات. ومن الواضح أن عقدة الخوف عند الأميركيين قد أوجدت داخل أميركا حالة من الغبن لدى أبناء الجالية العربية والإسلامية، حيث أن هذه الجالية هي الآن محلّ اتّهام حتى تثبت براءتها وذلك عكس الحالة القانونية الأميركية التي تنطلق من أن كلّ مواطن متهم هو بريء حتى تثبت إدانته. الأمر نفسه ينطبق على الدول العربية والإسلامية، التي هي أيضاً متهمةً بالإدانة إلى حين إثبات براءتها أمام محكمة حكومة واشنطن!. وأجد أننا نعيش، بعد سنةٍ على حوادث نيويورك وواشنطن، انتصاراً لمزيجٍ من السلبيات العربية والسلبيات الأميركية، وانهزاماً كبيراً لأيّ سعيٍ إيجابي من أجل تحسين العلاقات الأميركية العربية. فقد نجحت جماعات القاعدة التي أعلنت مسئوليتها عن 11 سبتمبر، في إحداث شرخٍ كبير بين شعوب البلدان العربية والإسلامية وبين شعوب الدول الغربية، خاصّة الشعب الأميركي. نجحت أيضاً هذه الجماعات في زرع الخوف والهلع لدى كل طرفٍ من الطرف الآخر. كذلك نجحت الإدارة الأميركية الحالية في توظيف أحداث 11 سبتمبر لصالح مشروعها السياسي والأمني الداخلي إضافةً إلى خدمة مشاريعها السياسية والأمنية في العالم. فالإدارة الأميركية الحالية تستفيد كثيراً من تركيز الأنظار على موضوع العراق، خاصّةً في الجانب السياسي الأميركي الداخلي قبل الانتخابات النصفية القادمة في مطلع شهر نوفمبر. فلو لم تكن المسألة العراقية تشغل الرأي العام الأميركي والإعلام الأميركي والسياسيين الأميركيين، فإن التساؤلات كانت ستدور حول موضوعاتٍ تتضرّر الإدارة الحالية من طرحها: مثل موضوع المسئولية الأمنية والسياسية عن حوادث نيويورك وواشنطن، حيث السؤال المنطقي هو: إنْ لم تعرف الأجهزة الأمنية الأميركية بما كانت تخطّط له القاعدة فهذا حتماً يستوجب محاسبتها.. وإن هي فعلاً قد علمت بشيءٍ ما، وأعلمت به الإدارة السياسية الأميركية، فلِمَ لم يحصل استباق وردع لهذه الأعمال الإرهابية قبل وقوعها؟! أيضاً، لو لم يكن الموضوع العراقي هو البارز الآن، لكانت التساؤلات ستدور حول الفضائح المالية للشركات الأميركية الكبرى حيث ظهر تورّط أسماء شخصياتٍ مهمّة في الإدارة الحالية في تفاصيل هذه الفضائح !! أيضاً، فإن التركيز على موضوع العراق وعلى خطر الإرهاب المحتمل، يبرّر استمرار حالة الطوارئ التي أعلنها الرئيس بوش بعد حوادث نيويورك وواشنطن، وبالتالي استخدام هذه الإجراءات الأمنية والسياسية والاقتصادية لصالح أجندة الإدارة الحالية وقوى الضغط المؤثرة التي تقف وراءها. عودة إلى السؤال المهم حول كيفية تصنيف العلاقات العربية مع أميركا في ظلّ واقع الحال القائم اليوم. أعتقد أن مدخل الإجابة في المنطقة العربية هو تصحيح واقع حال العرب من حيث تصحيح التوازن المفقود بين العرب وأميركا. فالعرب هم أمة منقسمة على نفسها، محكومة بأوضاع دستورية واقتصادية وسياسية بحاجة كلّها لإعادة النظر بها وفق رؤى فكرية تستند إلى الهوية الحضارية لهذه الأمة، وإلى الانتماء الثقافي العربي المشترك، وإلى مضامين الحرّية والعدالة والبناء الدستوري السليم القائم على المساواة بين المواطنين. الأمة العربية بحاجة - كما هي أميركا أيضاً- إلى فرزٍ واضح بين أساليب المقاومة المشروعة ضد الاحتلال، وبين ممارساتٍ إرهابية تحدث بأسماء عربية وإسلامية، وتفيد في عواقب أعمالها أعداء العرب والمسلمين. الأمة العربية بحاجة - كما هي أميركا- إلى تصحيحٍ في الأصل وليس فقط لإصلاحات على صورة الذات لدى الآخر.. بقلم: صبحي غندور ـ مديرمركز الحوارالعربي في واشنطن الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |