الجمعة 13 رجب 1423 هـ الموافق 20 سبتمبر 2002 أكد مالك شبل المفكر والباحث الجزائري ان الحملات السياسية الاعلامية الغربية ضد الانظمة العربية تستهدف زعزعتها والعمل على خلخلتها من الداخل. وقال في حديث لـ «الملف السياسي» ان قيام الولايات المتحدة بضرب العراق سيضاعف الموجة المعادية لأميركا في المنطقة ويخلق حالة عدم استقرار. يذكر ان مالك شبل الباحث في العلوم الإنسانية والأنثروبولوجي الجزائري ألف 17 كتابا باللغة الفرنسية أبرزها الرعية في الإسلام الصادر عن دار سوي والتحليل النفسي لحكايات ألف ليلة وليلة عن دار بايو ومحمد.. رسول الله عن دار كاسترمان وقاموس الرموز الإسلامية عن دار البان ميشيل ومقدمة للقرآن الكريم عن دار بايو إضافة إلى الكتب الأخرى. وهويعمل مستشارا لعدد من دور النشر الفرنسية. في هذا الحوار يوضح لنا مالك شبل أين تكمن قوة العرب وأين يكمن ضعفهم. ـ ما هي طبيعة الحملات السياسية والإعلامية ضد بعض الدول العربية؟ ـ تتميز الحملات السياسية والإعلامية في اتجاهها العام بإستراتيجية العمل من أجل زعزعة هذه الأنظمة العربية على الصعيد السياسي عبر خلخلة صورتها الداخلية.وعندما يتم زعزعة هذه الأنظمة يكون من السهل فرض الإملاءات عليها. وهذه الحملات مبنية على كشف الجوانب السلبية فيها والمبالغة فيها لصالح هذه الحملات من أجل التقليل من مقاومة هذه البلدان العربية المستهدفة. وهناك أمثلة متعددة على ذلك: نرى كيف تم استخدام الطالبان في محاربة السوفييت وعندما لم يعد بحاجة إليهم وصفوهم بالعنف والتطرف وغير ذلك. ولعلنا نتذكر كيف أطلقت الولايات المتحدة حملتها على العراق من خلال تصوير جيشه على أنه الجيش السادس في العالم ولم يكن هذا صحيحا أبدا وذلك من أجل تبرير ضربتهم الجبانة ضد العراق. وكذلك السودان عندما واجهت حكومته المسيحيين الجنوبيين حاول الغرب أن يصور هذا البلد على أنه من البلدان الخطيرة والإسلامية المتطرفة. وعندما أرادوا أن يضربوا معمر القذافي صوروه بطريقة كاريكاتيرية على أنه رجل خطير ومعاد للأميركيين وللإسرائيليين.هذا هوالغرب يقوم بالحملة الإعلامية وتهيئة الرأي العالم قبل القيام بتنفيذ مخطاطته. ـ هل تعتقد بوجود واقع أميركي جديد؟ ـ نعم أولا هناك مفهوم أميركي جديد عن أنفسهم.وقد تغير العصر بالنسبة لهم منذ الـ 11 من سبتمبر عام 2001 ولسبب بسيط أنهم شعروا بأنه يمكن أن يضربوا على أراضيهم ولم يكن هذا التصور موجودا فيما قبل. والواقع الجديد يتجسد في وعيهم بأنهم ليسوا الوحيدين على الأرض وثمة كراهية ضدهم في العالم. ـ وهل تمارس الولايات المتحدة نوعا من الإرهاب على الدول العربية وما هي تأثيراته؟ ـ المسألة أعقد من ذلك لأن الأميركيين يضمرون حربا عنيفة ضد بعض الدول العربية ولكن ليس بطريقة مختفية لأن الإرهاب يتم من خلال أعمال خفية ولكن نطلق على ذلك الحرب أوممارسة توازنات القوة أوالظلم وغير ذلك. وهي حرب الأقوى ضد الأضعف. ولكن طالما ظلت الولايات المتحدة تعتمد على البترول العربي فإنها لن تقوم بأعمال ضد بعضها. ولكن لوقاموا بتغيير النظام العراقي ووضع حكومة عميلة مثلما وضعوا أيديهم على البترول في القوقاز وأفغانستان وعندما لم يعودوا بحاجة إلى بترول المملكة العربية السعودية فأن هذا البلد يصبح غير موجود بالنسبة لهم. ـ ما هورأيك بالتهديدات بضرب العراق وعلاقته بالتسريبات حول تغيير خارطة المنطقة؟ ـ أعتقد بأن الأميركيين حققوا نجاحا سهلا في أفغانستان دون أن يقدموا خسائر تذكر في الجنود وهذا ما جعلهم يمضون إلى الأمام ويتوهمون بأنهم قادرون على فعل الشيء ذاته في العراق. وإذا ما وجهت الولايات المتحدة ضربة عسكرية ضد العراق فأنها لن تكون حربا برية بل حربا جوية وهوما نطلق عليه الاشتباك عن بعد.والحرب المتوقعة على العراق ستكون مثل الحرب في أفغانستان. وهذه الحرب لن تكون مكلفة بالنسبة للأميركيين لأن الأسلحة التي يلقونها على أفغانستان هي من السلاح القديم الذي لا يمكن استخدامه أما بالنسبة للأسلحة الجديدة فيقوم الأميركيون بتجريبها على الشعوب الأخرى.إذا ما ضربوا العراق فستقوم الشعوب العربية بالإنتفاض ضد المصالح الأميركية. وبعدها ستتصاعد على ما أعتقد الموجة المعادية للأميركيين إلى حد ضرب سفاراتها ومصالحها في الخارج. والتحضير لتوجيه ضربة للعراق يعتبر شيئا خارج القانون تماما وهو يحدث للمرة الأولى في التاريخ. ونلاحظ أن بلدا عملاقا مثل الولايات المتحدة يبرمج ويقرر إعلان حرب ضد بلد عربي مستقل. ـ وهل يمكن أن يتقسم العراق؟ ـ هذا هوالهدف الذي رسمته الإدارة الأميركية.ويمكن أن يقسم إلى ثلاثة أقسام الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب والسنة في بغداد. وهي الخارطة الجديدة التي تريد الولايات المتحدة تنفيذها على أرض الواقع.وهوهدف مثالي بالنسبة للأميركيين. ـ هل تعتقد أن الولايات المتحدة فشلت في الحد من الإرهاب؟ ـ فشلت الولايات المتحدة فشلا ذريعا في هذا المجال.ومن التوجه في ضرب القاعدة حصرا أصبحت الولايات المتحدة متعصبة واستخدمت مفهوم الإرهاب والدين في خدمة أغراضها السياسية وضاعت المقاييس لديها. أعتقد بأن الإرهاب يبقى مستمرا وسيزداد بغزارة لأن الولايات المتحدة ومعها بريطانيا بدأت تتخلى عن مبادئها وقيمها التي تعتمد عليها حضارتها وعلى الخصوص ما يتعلق بمفاهيم العدالة وحقوق الإنسان. استعمال القوة يصبح فاعلا لتقوية الحركات الإسلامية المتطرفة. وفي الحقيقة أن الولايات المتحدة من خلال تخطيطها لضرب بعض الدول ومن ضمنها العراق على وجه الخصوص تسعى للعثور على طريق سهل لاستغلال الطاقة الموجودة في البلدان العربية والإسلامية منها العراق وكازاخستان وأفغانستان والباكستان. وهوالبعد الفلسفي للحرب في أميركا: أين توجد الطاقة الضخمة في العالم ومنها الطاقة البترولية. ـ ما هي الأهداف الإستراتيجية الصهيونية ودورها في توجيه السياسة الأميركية تجاه المنطقة؟ ـ هذه هي النقطة الأكثر غموضا في الجيوبوليتيك العالمي في الوقت الحاضر. وفي الوقت نفسه من النقاط الأكثر إثارة وقلقا. ولا نعرف إلى أي مدى ستشارك إسرائيل في توجيه السياسة الأميركية. وبصراحة قلنا أشياء كثيرة بهذا الصدد.والمشكلة القائمة أن الإسرائيليين يخفون جيدا لعبتهم.وبطبيعة الحال لا يمكن أبدا أن ننكر التأثير الصهيوني. ويمكن أن نرى ذلك عبر تشكيل الكونغرس الأميركي. كما يجب رؤية الحملات الإعلامية التي تسمم الرأي العام في موضوع زعزعة البلدان الأخرى.ومن المعروف أن ثلاثة بلدان مرتبطة الواحدة مع الأخرى وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل. بل وأكثر من ذلك فأن إسرائيل أصبحت جسرا بالنسبة لهم. ولديهم جسور أخرى في المنطقة مثل تركيا وبعض الدول العربية إذا ما أرادوا مهاجمة العراق. ومما لا شك فيه أن إسرائيل ستزود الولايات المتحدة بالخبراء والمعلومات الاستخبارية والوسائل الأخرى. ـ هل تمتلك الدول العربية إمكانيات مواجهة الحملة الأميركية؟ ـ نعم افتراضيا لأنهم غير متفقين حتى في ظروف الأزمة.أعتقد أن الضعف الوحيد عند العرب هو ليس في أنهم لا يمتلكون العلماء ولا الديمقراطية ولا الغنى بل لأنهم غير متحدين فقط.وسيبقون على الدوام تحت رحمة الأميركيين وغيرهم. ولا يمكنهم حتى استخدام سلاحهم الوحيد الذي هوالبترول. ومن أجل استخدام سلاح البترول يجب أن تتحد عشر دول في منظمة الأوبك من أجل التأثير على ميزان القوى والطاقة. وهناك دول مستعدة لتعويض النقص العربي في تزويد البترول مثل فنزويلا ونيجيريا وروسيا. العالم العربي الإسلامي يتمتع بطاقة كبيرة واستثنائية وهي طاقة الإيمان وهذه طاقة ضخمة قادرة على إقلاق الغرب.من جهة أخرى فأن المفكرين الجدد في العالم العربي لهم تفكير جديد ويفكرون بأسلوب غير معروف لحد الآن في أوروبا. وبهذا أقصد أن لدينا قوة مادية وقوة معنوية في آن واحد ولكن هذه القوى مكبوتة.ويجب الكشف عن هذه القوة. ـ ذلك يعني أن للعرب طاقة محتملة في التصدي والمواجهة لكل هذه التحديات إذا ما غيرت استراتيجيتها.. فما رأيكم بذلك؟ ـ بطبيعة الحال هذا هوالحلم.إذا ما اتحد العرب من المحيط إلى الخليج كما نقول ستتغير السياسة العالمية برمتها حتى علاقتها مع إسرائيل وفي يوم واحد. وإذا اتحدوا فقط في مواجهة الولايات المتحدة في تهديداتها لتوجيه الضربة العسكرية إلى العراق سيفوز العرب لأنهم سيجدون العالم الإسلامي يقف وراءهم. من الناحية النفسية أن العرب فقدوا الحرب قبل أن تبدأ وقد أظهروا ضعفهم في حرب الخليج. والأميركيون يسيطرون على مفاتيح عديدة في المنطقة سواء بالأموال أو بالتهديد أوبالقواعد العسكرية أوبالاتفاقيات أوبالبترول. ـ هل ساهم ضعف النظام العربي الإقليمي في تشكيل الواقع الراهن؟ ـ لنقل إن تاريخ ضعف العرب يمتد تاريخيا إلى فترة طويلة.وقد بدأ هذا التاريخ منذ العهد العثماني وتفكيك الدولة العثمانية وسقوط العثمانيين في فرض سلطة إسلامية موحدة في الدول العربية والإسلامية جر وراءه الضعف العربي والإسلامي في آن واحد. ولكن تعاسة العرب تجسدت في أنهم سرعان ما استعمروا من قبل الغربيين حالا بينما دول إسلامية أخرى لم تلق هذا المصير.والتعاسة الثانية التي وقعت على رؤوسهم أن الغرب اكتشف بأن أراضيهم تختزن كميات لامحدودة من البترول والغاز. العثمانيون لم يتمكنوا من مواجهة صعود الإمبراطورية الغربية. وقد سمحوا إلى الغربيين الدخول إلى البلدان العربية بكل بساطة في العراق ومصر ولبنان وغيرها.ووضع حكومات تابعة لهم. ـ هل كانت أحداث الـ 11 من سبتمبر سببا أم مجرد ذريعة؟ ـ أعتقد أن الأميركيين أرادوا أن يعطوا درسا للطالبان أوالقاعدة وابن لادن الذي لا أؤمن بأنه وراء هذه التفجيرات بل أنه استغلها لصالحه لأنه لا توجد براهين وأدلة كافية على ذلك. واستغل الأميركيون ومن أجل أن يظهروا بمظهر المنسجم مع خطابهم قاموا بمواصلة حربهم الصليبية كذريعة لشن الحرب على الدول التي لا تنسجم مع إرادتهم.ولذلك ابتدع الرئيس الأميركي جورج بوش دول محور الشر وغيرها من المصطلحات لشن حروبه. ومما لا شك فيه أن هذه الأحداث أثرت على الحركات الإسلامية وأدت إلى ضعفها وعلى وجه الخصوص المنظمات الموجودة في أوروبا. المقاييس الإنسانية التي يبنى عليها مفهوم الدين والحضارة والحداثة قد اضطربت إلى حدود كبيرة. أظن أن دول الجنوب سيكون لها رد فعل شديد وأقصد هنا رد فعل الشعوب بطبيعة الحال. ومن جهة أخرى تتصرف الولايات المتحدة كقوة مهيمنة ومسيطرة. باريس ـ شاكر نوري: الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |