ملف بطولات الانتفاضة الباسلة متخم بالقصص والحكايات لدرجة أن كتاب التاريخ لن يستطيعوا ملاحقة التطورات اليومية والتضحيات التي لا حدود لها لهؤلاء الأبطال، ولكن حينما تأتي الشهادة على ذلك من الأعداء فإنها تكون لها ثقلها ولا تشوب مصداقيتها أي شكوك. ففي تقرير نادر لصحيفة «معاريف» سعى لتقديم كشف حساب للانتفاضة ومدى فضحها لحقيقة الكيان الصهيوني تمت إماطة اللثام عن أسرار وتفاصيل تستحق الوقوف أمامها طويلا بالرصد والتحليل. في أقل من ثلاثة أسابيع فقط تم إطلاق 700 ألف رصاصة وقذيفة على الفلسطينيين في الضفة الغربية ونحو 300 ألف رصاصة وقذيفة في قطاع غزة كانت تلك إجابة لسؤال مفاجيء لمدير المخابرات الحربية الإسرائيلية «عاموس مالخا» ألقاه على أحد مساعديه خلال جولة تفقدية في الضفة وغزة بعد اندلاع الانتفاضة بثلاثة أسابيع البحث والمتابعة للموضوع استغرق عدة أيام وكانت النتيجة مدهشة حتى للصهاينة فإذا كانت الصورة أحيانا تعادل تأثير ألف كلمة فإن رقم مليون رصاصة يعني الكثير والكثير. فبينما وصفت معاريف الرقم (مليون رصاصة وقذيفة) بأنه فلكي أطلق مصدر مسئول على عملية الإحصاء «رصاصة لكل طفل فلسطيني!». التقرير كشف في نفس الإطار عن قصة كان بطلها نبيل شعث وإن كان لم يروها بنفسه لوسائل الإعلام حيث كان بصحبة مبعوث أوروبي في جولة في قطاع غزة وأراد أن يكشف له عن وحشية الجيش الإسرائيلي بشكل عملي حيث أمر أحد حراسه بإطلاق رصاصة في الهواء وأسرع بالاحتماء وراء ساتر وكانت المفاجأة أن القذائف الثقيلة والطلقات انطلقت من الدبابات وعشرات المواقع التابعة للجيش الإسرائيلي بكثافة كبيرة ومستمرة لمدة ساعتين متواصلتين في مقابل رصاصة واحدة! ودلالة هذه الواقعة التي تكررت كثيرا ـ حسب التقرير نفسه ـ أن الجيش الإسرائيلي كان مستعداً جيدا للانتفاضة لمدة سنوات وأنه قرر عندما اندلعت إفراغ إحباطه فوق أجساد الفلسطينيين. وعلى الرغم من أنه لم يكن أحد يتوقع أن تستمر الانتفاضة لمدة عامين بسبب زيارة شارون للأقصى فقد تخيل الجانب الإسرائيلي أن الأحداث لن تتجاوز ماحدث في أعقاب افتتاح نتانياهو نفق البراق، لم يكن أحد يتوقع أن تحصد أرواح الآلاف ®.من بينهم 615 إسرائيلياً، بدون أن تبدو للصراع أية مؤشرات على قرب توقفه ®.وإن كانت ظهرت بالطبع علامات إرهاق وتعب. القيادة السياسية في إسرائيل أعربت ـ بعد المجازر الرهيبة المتواصلة ـ عن اعتقادها أن السبب الحقيقي في استمرار الانتفاضة كل هذا الوقت هو رد الفعل العنيف للغاية لإسرائيل في الأسابيع الأولى للانتفاضة والذي أدى لتدهور الموقف بشدة حيث كانت نسبة الخسائر في الجانب الإسرائيلي بسيطة جدا ومع ذلك كانت إسرائيل تقتل 20 فلسطينيا مقابل كل قتيل إسرائيلي. وهنا حذر عدد من كبار المسئولين الفلسطينيين من مغبة استمرار هذا النهج إلا أن أحدا لم يستمع لهم واستمر التصعيد خاصة عن طريق القناصة فبدأت الثورة الفلسطينية مندفعة برغبة في الانتقام . تبادل الاتهامات وفي محاولة فاشلة لتجميل وجه إسرائيل القبيح زعم التقرير نفسه أن الحكومة الإسرائيلية اتخذت أكثر من مرة قرارات ساعية لتخفيف الحصار والضغط على الفلسطينيين إلا أن الجيش وصغار القادة لم يستجيبوا لأوامر القيادة السياسية! وهو الأمر الذي تكرر عشرات المرات وكان ـ وفقا للصحيفة ـ أحد أسباب إحباط وغضب مسؤولين إسرائيليين منهم نائب وزير الدفاع «افرايم سنية» ورئيس الأركان «أمنون لفيكين شاحاك» ووزير الخارجية شيمون بيريز. ففي ذات مرة كان بيريز قد أقر اتفاقا مع ياسر عرفات ينص على وقف إطلاق النار عبر وقف أعمال الجيش الإسرائيلي الرامية لفصل قطاع غزة لشطرين مع فتح أحد المعابر للفلسطينيين وكانت المفاجأة في اليوم التالي أن المعبر ظل مغلقا وعندما استنجدت السلطة الفلسطينية ببيريز كانت المفاجأة أشد حيث أبلغهم انه استفسر عن الوضع من قادة الجيش وقد اخبروه أن المعبر مفتوح وبعد مماطلة وتسويف قرر محمد دحلان أن يحاول بنفسه عبور المعبر فما كان إلا أن تم احتجازه وسط مئات السيارات وآلاف الفلسطينيين وعندما استفسر بيريز ثانية اتضح أنه صدرت بالفعل أوامر بفتح المعبر إلا أن الجنود رفضوا تنفيذها بحجة أنه تم اكتشاف لفافة مشتبه فيها وأن جميع خبراء المفرقعات كانوا غير متواجدين في الموقع مما استدعى إغلاق المنطقة طوال اليوم !! التقرير نفسه كشف أن كثيراً من القرارات الصادرة عن الحكومة الإسرائيلية وبدت كبادرة حسن نية تم التوقيع عليها وختمها بخاتم الحكومة وظلت أسيرة ملفات وأدراج مقر الحكومة ولم يتم إرسالها لأي جهة لكي تنفذها وعندما أرسلت في إحدى المرات سأل جنرال في الجيش رئيس الأركان ـ حينئذ ـ شاؤول موفاز عن مصيرها في ظل وجود أوامر أخرى بالتصعيد والتشدد فكان رد موفاز أفعل ما يحلو لك حسب الأوامر المتشددة وإذا كان للمستوى السياسي ملاحظات سيرسلونها لنا (وهو ما لم يحدث بالطبع). وفي الإطار نفسه رفض نائب رئيس الأركان (يعلون) بل وضباط صغار كثيرون تنفيذ أوامر بالسماح بعبور شحنات إنسانية أساسية للفلسطينيين،ناهيك عن تنفيذ اتفاقيات بوقف إطلاق النار وكان من الأمثلة على ذلك ما أدى في النهاية لاستقالة الوزير ـ في بداية الانتفاضة ـ شاحاك الذي كان مخولا لفترة بالتوصل لاتفاق سياسي وبالفعل توصل مع «دحلان» لاتفاق تفصيلي وتم إقراراه من الحكومة السياسية تم إرساله لقادة الجيش الذين تجاهلوه تماما فقرر أن يستقيل على الفور. «يعقوب أور» منسق العمليات في الضفة وغزة حاول أن يرتدي المسوح نفسها بعد استقالة شاحاك فما كان من ضباط وجنود الجيش الإسرائيلي إلا أن اتهموه بالعمالة للفلسطينيين هو وكل مساعديه. وكثيرا ما احتجزوا شحنات غذائية وخضراوات كان قد تم الاتفاق على السماح بعبورها حتى تفسد تماما كما انطبق الأمر نفسه على صادرات (فواكه وزهور) كانت في طريقها للتصدير خارج البلاد. وبشكل مواز تم منع الوقود من الوصول للأراضي الفلسطينية بعد اعتراض ضباط صغار على تنفيذ العملية! والغريب أنه على الرغم من قيام الجيش الإسرائيلي بتجريف آلاف الدونمات من حقول للفلسطينيين فإن أحدا لم يعترض إلا عندما تم القضاء تماما على غابة صغيرة حيث اتضح أنها تابعة لسيطرة إحدى المستوطنات. التقرير الإسرائيلي أدان باراك رئيس الوزراء ووزير الدفاع الأسبق حين ذكر أن نائبه «افرايم سنية» أبلغه شفاهة وكتابة بتجاوزات (جرائم) ضباط وجنود الجيش الذين لا يلتزمون بأية سياسات تقررها الحكومة مع الفلسطينيين وإن كان أرجع ذلك لخوفه من الانتخابات في حالة ما إذا انتقد ضباط وجنود الجيش ®.وبالطبع خسر في النهاية كل شيء. التقرير خلص في النهاية لحقيقة قاطعة أقر بها بوضوح حيث قال: لقد أثبتت الانتفاضة وبشكل نهائي أن إسرائيل ليست دولة لها جيش بل جيش له دولة.