بالرغم من مرور عام كامل على أحداث 11 سبتمبر وبالرغم من أن الولايات المتحدة وجهت الاتهام بالمسئولية عن الاحداث إلى أسامة بن لادن وتنظيم (القاعدة).. وبالرغم من أن أميركا شنت حربا مدمرة على أفغانستان.. وأعلنت حربا شاملة مفتوحة على العالم العربي والإسلامي تحت دعوى الحرب على الإرهاب.. بالرغم من ذلك كله فلا تزال الإدارة الأميركية عاجزة عن تقديم أدلة قاطعة على هوية الفاعل الحقيقي لجريمة الثلاثاء الأسود!! أدلة يمكن أن يطمئن إليها ضمير أي قاض نزيه حقا.. أو أي باحث مدقق فعلا.. ويمكن أن تصمد لنقاش جدي. ويبدو الأمر شديد الغرابة ومريبا إلى أبعد حد.. لكن هذه هي الحقيقة. لقد سارع الاعلام الأميركي منذ اللحظات الأولى لوقوع الاحداث إلى إتهام ما أسموه بالإرهاب الإسلامي. وخلال أيام قليلة كانت الإدارة الأميركية قد قامت بتعيين أسامة بن لادن رسميا كمسئول عن الجريمة قبل أن يتسع الوقت لأي تحقيق جدي!! وبرغم الثغرات الخطيرة في سيناريو إسناد التهمة لتنظيم القاعدة، وفي مقدمتها التعقيدات الشديدة الأمنية والتنظيمية والفنية التي تحول دون إمكانية قيام أعضائه بارتكاب هذه الجريمة. وقد نفى ابن لادن مسئولية تنظيمه عن الاحداث، وأن كان قد أعلن ترحيبه بالهجمات فقط حينما بدأت أميركا ضرب أفغانستان. وإذا كان نفي ابن لادن لا يعني براءته بالضرورة، فإنه حتى لو كان قد أعترف بالمسئولية فإن هذا لا يعني بالضرورة ثبوت التهمة عليه في ظل التعقيدات الهائلة التي تعترض إمكانية ارتكابه لهذه الجريمة. فمن الممكن تماما أن يحاول أي تنظيم إرهابي أو غير إرهابي ركوب موجة العداء الشعبي الواسع لأميركا الذي فجره عدوان هذه الأخيرة على الشعب الأفغاني. وحتى هذا الاعلان عن المسئولية - بفرض حدوثه جدلا - ليس برهانا دامغا على هوية المسئولين عن الاحداث. ومن الضروري بصورة مطلقة التذكير بالسيناريوهات الكثيرة المحتملة لتدبير هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والتي طرحها سياسيون وإعلاميون ورجال مخابرات من شتى أنحاء العالم في أعقاب الاحداث مباشرة. وفي مقدمة هذه السيناريوهات احتمال قيام اتجاه يميني متطرف في مؤسسات الإدارة الأميركية وأجهزتها الأمنية بتنفيذها، لخلق ظروف مواتية لتنفيذ خطط أميركية جاهزة للهيمنة على العالم. ودون أن نقطع برأي في هذا الصدد فإن من الضروري الإشارة إلى وجود شواهد كثيرة على وجاهة هذا السيناريو، في مواجهة الضعف الواضح لسيناريو مسئولية ابن لادن والقاعدة. ومن أهم هذه الشواهد تلك السهولة الكبيرة التي تم بها اختراق منظومات الأمن والسيطرة الأميركية المتطورة والمعقدة، بما في ذلك منظومة حماية العاصمة واشنطن. ملابسات مشبوهة ومن الضروري في هذا الصدد الإشارة إلى عدد من الملاحظات الجوهرية والملابسات المثيرة للشبهة المرتبطة بأحداث 11 سبتمبر والتحقيقات الجارية فيها منذ البداية حتى الآن: أولا: يلفت النظر بشدة أنه رغم إسناد تهمة ارتكاب الجريمة إلى منظمة إرهابية - ربما يعنيه ذلك من تقصير فادح من جانب أجهزة الأمن والمخابرات - فإن المسئولين عن هذه الاجهزة ظلوا لشهور طويلة بمنأى عن أية مساءلة، بغض النظر عن هول الكارثة!! والأدهى من ذلك أن هؤلاء المسئولين - الذين يفترض أنهم فاشلون - هم أنفسهم الذين قاموا بالتحقيق في أسباب فشلهم المفترض!! وحينما بدأ الاعلام الأميركي والكونغرس يتساءلان عن أسباب وحدود تقصير هؤلاء المسئولين (وفي مقدمتهم جورج تينيت مدير وكالة المخابرات الأميركية، وروبرت موللر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية) فإن ذلك لم يحدث قبل مرور ثمانية أو تسعة أشهر على وقوع الكارثة!! ومع ذلك فإن أحدا من قادة الأجهزة الأمنية لم يفكر في تقديم استقالته®. أو حتى وضعها تحت تصرف الرئيس، كما يحدث عادة في البلاد الديموقراطية®. وليس هناك ثمة ما يشير إلى حدوث شيء من ذلك. والأكثر إثارة أنه حينما بدأ نطاق التحقيق في التقصير يتسع نسبيا، سرعان ما ثارت الضجة حول العراق، وضرورة توجيه ضربة عسكرية للإطاحة بصدام حسين. ليتجه إهتمام الرأي العام الأميركي والدولي في اتجاه آخر تماما. ولا يزال المسئولون عن التقصير الفادح قابعين على رأس أجهزة الأمن والمخابرات الأميركية. ومسئولين عن مواصلة التحقيق في القضية! ثانيا واضح تماما حتى لأي باحث جنائي مبتدئ، أن هناك تلاعبا مشبوها فيما يسميه رجال القانون بأدلة الإتهام في القضية وعلى سبيل المثال فإن الصناديق السوداء للطائرات الأربع - التي استخدمت في الهجمات - اختفت كلها دون أثر!! وحتى بقايا الطائرات نفسها اختفت وكأنها تبخرت!! أما منفذو الهجمات (المفترضون) فقد لقوا مصارعهم كلهم.. ولم يتم العثور على جثثهم حتى ليثبت أن هؤلاء كانوا موجودين على متون الطائرات.. رغم أن وجودهم في حد ذاته لا يثبت أنهم اختطفوها وقاموا بارتكاب الجريمة. ومنذ أيام قليلة فقط أعلنت سلطات التحقيق الأميركية أنه تم العثور على أجزاء من رفات خمسة من الخاطفين المفترضين في أنقاض برجي مركز التجارة العالمي، دون تحديد أسماء هؤلاء الخمسة. ومرة أخرى فإن وجود هذا الشخص أو ذاك على متن الطائرة لا يعني بالضرورة قيامه باختاطفها. والأمر الذي لا يقل إثارة للريبة هو ما قيل حول عثور أجهزة الأمن الأميركية على الوثائق الشخصية للخاطفين المفترضين، وخطة العملية في سيارات مؤجرة تركوها بالقرب من المطارات التي استقلوا منها الطائرات!! وهو تصرف لا ينسجم مع مستوى الاحتراف العالي المفترض في مرتكبي مثل هذا العمل. فإذا وضعنا في اعتبارنا حقيقة ان بعض أصحاب الأسماء الـ 19 المذكورة اتضح أنهم أحياء يرزقون في وطنهم (السعودية).. وما قيل حول وجود كثيرين يحملون نفس الأسماء والألقاب.. لأدى ذلك كله إلى إثارة أعمق الشك في حقيقة أدلة الإتهام. ثالثا: ومن ناحية أخرى فبفرض صحة أدلة الإتهام المزعومة وقيام أعضاء القاعدة بشن الهجمات وقدرتهم فنيا على قيادة الطائرات الضخمة والتحكم فيها. فلابد أن يكون لهم شركاء كثيرون على الأرض من الأميركيين تحديدا.. فقد أفاضت الأقلام في ضرورة السيطرة ليس فقط على الطائرات وأجهزة الكومبيوتر الخاصة بها، بل وأيضا على كومبيوترات المطارات. وضمان تواطؤ المسئولين عن الرادارات، الذين يفترض أن الطائرات لا تغيب عن أعينهم لحظة واحدة.. وكذلك المسئولين عن أجهزة الرادار العسكرية الداخلة في إطار أحزمة الدفاع العاصمة ومبنى البنتاغون. وهؤلاء جميعا مدنيون وعسكريون أميركيون.. فهل تواطأوا جميعهم مع الخاطفين؟ أم أصابتهم جميعهم غيبوبة في نفس الوقت. واضح تماما أن العملية أكبر بكثير من ابن لادن وجماعته، حتى لو أدعى هو القيام بها.. وأن هناك أيادي خفية مشبوهة وراء ذلك كله.. أيادي تعد للجريمة.. وتعبث بالأدلة و تفبركها أو تمحو آثارها حسب الطلب. من المستفيد ؟ رابعا: ما أن وقعت أحداث 11 سبتمبر حتى كانت بمثابة إشارة البدء لتحركات أميركية واسعة النطاق، واضح أنه كان مخططا لها بصورة محكمة من قبل، وأتاحت للولايات المتحدة قلب خرائط العالم الإستراتيجية رأسا على عقب خلال أشهر قليلة، مما دعا بعض المحللين إلى القول إنه لو لم تكن أحداث 11 سبتمبر قد وقعت لكانت أميركا بحاجة إلى اختراعها!! فتحت دعوى الحرب على الإرهاب انتزعت الولايات المتحدة لنفسها مواطئ أقدام طالما خططت لانتزاعها في آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين الغنية بثرواتها النفطية. وكانت الولايات المتحدة قد أدخلت هذه المنطقة في نطاق عمل القيادة المركزية الأميركية السنتكوم منذ عام 1999 وأتاحت هذه التحركات السريعة للولايات المتحدة أن تحصل على قواعد عسكرية لقواتها على حدود روسيا الجنوبية وحدود الصين الغربية، وحدود إيران الشرقية خلال أشهر قليلة!! وهو ما كان يحتاح إلى سنوات عديدة لتحقيقه في ظروف عادية. وأعطت الولايات المتحدة لنفسها حق التدخل العسكري ضد الإرهاب حيثما وجد.. وباختصار فقد تم إعادة رسم خرائط العالم الاستراتيجية خلال بضعة أشهر، انطلاقا من أحداث 11 سبتمبر وبفضل هذه الاحداث بالذات. خامسا: ومن ناحية أخرى فإن الميزانية العسكرية الأميركية تم زيادتها ببضع عشرات من مليارات الدولارات بدعوى تمويل الحرب على الإرهاب. بينما تشير التوجهات الفعلية إلى عملية كبرى لتحديث أسلحة القوات الأميركية بكل فروعها. ومعنى ذلك هو ضخ عشرات المليارات من الدولارات فورا في عروق المجمع العسكري الصناعي الأميركي. وقد تمت زيادة الميزانية العسكرية من (312) مليار دولار للعام 2001/2002 إلى (355) مليار دولار للعام 2002 / 2003 بالإضافة إلى عشرات المليارات الأخرى من الاعتمادات الإضافية للحرب على الإرهاب خلال كل من العامين! وتم الاعلان عن التخطيط لزيادة الميزانية العسكرية الأميركية تدريجيا لتصل إلى (425) مليار دولار بحلول عام 2007.. وسيتم ضخ كل هذه المبالغ الخيالية في عروق الصناعات العسكرية المرشحة لأن تصبح قاطرة الاقتصاد الأميركي خلال الاعوام القليلة المقبلة.. وسيكون كل ذلك في خدمة النزعة الإمبراطورية الأميركية الهادفة إلى فرض الهيمنة المطلقة على العالم بدون منازع في المدى المنظور على الأقل. ولم يكن ممكنا تحقيق ذلك كله بالسهولة والسرعة اللتين نراهما لولا أحداث الحادي عشر من سبتمبر. سادسا: وإذا كانت احداث (الثلاثاء الأسود) قد جاءت مواتية بهذه الصورة لتحقيق مخططات اليمين الجمهوري المتشدد في فرض الهيمنة الامبراطورية الأميركية على العالم، وفرض قبضة قوية على المجتمع الأميركي ومصادرة كثير من الحريات فيه.. فلم يكن غريبا أن نرى صقور الإدارة الأميركية، وفي مقدمتهم نائب الرئيس ريتشارد تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفليد يرفعون (فزاعة) الإرهاب في وجه المواطنين الأميركيين والعالم بأسره.. مؤكدين أن الولايات المتحدة ستتعرض حتما لهجمات إرهابية جديدة خلال الأعوام المقبلة!! ولا يكف هؤلاء السادة عن اختراع تهديد إرهابي جديد من حين لآخر والصاقه بالعدو الذي ينوون توجيه نيرانهم إليه، أو تعزيز وجودهم في المنطقة التي يوجد بها.. أو ابتزازه لحمله التساوق على مع مخططاتهم الشريرة.. حسب الحالات المختلفة. فإذا كان العراق في بؤرة تصويب النيران الأميركية.. وكانت الدول العربية تعارض ضربه عموما وضربه من أراضيها بوجه أخص، فلا بأس من ابتزازها بالإتهام بتفريخ الإرهاب تارة، وإيواء المنظمات الإرهابية تارة أخرى، وإنتاج أسلحة الدمار الشامل التي يمكن أن تقع في أيدي الإرهابيين تارة ثالثة. أو بشعار أن من ليس معنا فهو ضدنا تارة رابعة وهكذا.. وهكذا. وبعد كل ما ذكرناه أليس من المحتمل أن يكون الجاني في أحداث 11 سبتمبر أطرافا أخرى أبعد ما تكون عن بن لادن ورفاقه بإمكانياتهم المتواضعة نعتقد أن هذا الإحتمال غير مستبعد إطلاقا.. بل وقد يكون مرجحا®. ولا نستطيع القطع بالطبع، وقد نخطئ. وقد لا تتاح لجيلنا معرفة الحقيقة وقد لا تتاح حتى للأجيال القادمة. لكن البحث عن أكبر المستفيدين طريق معروف للوصول إلى المجرم الحقيقي في المعتاد. وفي جميع الاحوال فإن الرواية الأميركية لما حدث في 11 سبتمبر تظل مليئة بثغرات ضخمة وخطيرة. حتى لو اعترف ابن لادن نفسه بالمسئولية عن تلك الأحداث التي تبدو أكبر بكثير من إمكانياته هو ورفاقه.. والحقيقة أن الولايات المتحدة لم تقدم برهانا قاطعا واحدا على مسئوليتهم عن هذه الجريمة. ـ كاتب مصري