الذكرى الاولى لاحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام الماضي المآساوية التي قلبت الموازين رأسا على عقب سواء على الصعيدين المحلي او العالمي. هناك جدل ساخن يدور الان في كل الولايات المتحدة الاميركية بعد الصدمة التي لم تذهل العالم فحسب بل الاميركيين انفسهم.. حول مسالة ضمان الامن الداخلي على حساب الحريات العامة والحقوق المدنية التي كفلها الدستور الاميركي والقوانين السارية. في تاريخ الولايات المتحدة وبعد الحرب الاهلية لم تتعرض لاي عدوان خارجي بل ان مقبرة الشهداء التي تحتل موقعا هاما غير بعيد عن البيت الابيض لم يسقط اي من فيها في حرب في اراضيها بل شهداء للحروب التي شاركت فيها اميركا ابتداء من الحربين العالميتين الأولى والثانية وكوريا وفيتنام والصومال والبوسنة وكلها كانت خارج حدودها، وحتى الاعتداء الشهيرعلى بيرل هاربر من قبل اليابانيين حدث في ولاية هاواي وذلك على بعد ثلاثه آلاف ميل. كذلك حدثت الأعمال الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة خارج أراضيها سواء في لبنان اوالصومال او السعودية اوالسفارات الأميركية في كينيا وتنزانيا، وحادث طائرة بان اميركان فوق لوكيربي، واخيرا المدمرة كول في ميناء عدن في اليمن.. لا شك ان أحداث سبتمبرسببت انقلابا في المفاهيم الاميركية نحو سياسات الامن الداخلي والعلاقات الدولية والصورة الاسطورية التي يعرفها العالم عن اميركا باعتباها القوة الكبرى الوحيدة في عالم اليوم، وخيل للمواطنين ان امنهم اضحى قابلا للاختراق ومهددا من الداخل والخارج وذلك لهول ما حدث وللمشاهد المرعبة جراء هجمات يوم الثلاثاء الاسود وتراءت الاجهزة الامنية والعسكرية وكانها عاجزة عن حماية الامة الاميركية. يوم استعانت الاداره الاميركيه بالمجاهدين من كل اصقاع الدنيا كانت في حالة مواجهة مرة مع الاتحاد السوفييتي اثناء الحرب الباردة حيث كانت الولايات المتحدة تحارب عدوا واحدا وكانت كل تجهيزاتها وترتيباتها وتحالفاتها تصب في خدمة هذا الهدف المتمثل في ايقاف المد الشيوعي ومن ثم اسقاط الدوله السوفييتية العملاقة. وبتفكك الاتحاد السوفييتي الى دويلات مستقله انتهت صورة العدو التقليدي.. ولكن سرعان ما ادركوا انهم كانوا واهمين فقد ظهرت مخاطر ومتاعب لم تكن في الحسبان حتى في ايام سطوة الاتحاد السوفييتي.. فقد ترك الاميركيون افغانستان نهبا للحرب الاهلية ومرتعا طيبا لامراء الحرب وللمنظمات المتطرفة والجماعات الأصولية والتي تشكلت من بقايا المقاتلين الذين وجدوا الدعم الاساسي من الاميركيين تدريبا وتمويلا وتسليحا ودول مختلفة من العالم بحجة دحر الشيوعية وهكذا فقد تبدى جليا خطرانتشارالاسلحة النووية وذلك بتوفرها لمن يدفع، وتشتت العلماء والخبراء في الدول الاكثر خطورة حول العالم وظهرت متاعب جديدة لم تك في الحسبان مثل ظهورالمزيد من نعرات القوميات العرقية والحروب الداخلية وأخطار البيئة، وتهريب وتجارة المخدرات والسلاح. لكن كان الارهاب هو الاكثر جدية وتهديدا وايلاما فلم يشهد الاميركيون ابدا اي هجوم على بلادهم كما حدث في الحادي عشر من سبتمبر من العام الماضي حيث ادركوا انهم امام عدو لا طعم له ولا لون ولا رائحه ولا هوية ولا وطن فقد سارت الاحداث بشكل دراماتيكي تم فيما بعد الاعلان عن العثور على اعضاء في تلك المنظمات حول العالم شرقه وغربه بلا استثناء. لقد كانت حوادث الحادي عشر من سبتمبر 2001 الاعنف وبشكل لم يسبق له مثيل من حيث اعداد القتلى والمصابين والمفقودين والخسارة المادية والمعنوية التي لم ير لها الاميركيون مثيلا، فقد نفذ الانتحاريون الهجوم باساليب لم تخطرعلى بال اقوى مخابرات العالم وواضح ان الغرض من الهجمات كان الحاق اكبر قدر من الاذى والخسارة المادية والمعنوية فقد ضربت مصادر قوتها الاقتصادية والعسكرية الاولى بتدمير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك واصا بة البنتاغون القلعة الحصينة واكبرمبنى في العالم على الاطلاق. لقد غيرت حوادث سبتمبر الماساوية نظرة الولايات المتحدة نحو امنها الداخلي وكذلك العالم، وتبدلت قناعاتها الراسخة عن أمنها الداخلي وحصاناتها التي تمتعت بها طيلة عقود خلت، فالولايات المتحدة ليس فيها وزارة للداخلية بالمعنى المعروف فقد اعتبرت دائما انها مامونة الى درجة لا توصف على الرغم من ان المجتمع الاميركي يموج بملايين البشر من شتى انحاء العالم يشكلون معا مجتمع الثقافات واللغات المتعددة والتي اكسبت الولايات المتحدة ميزة تعاون وتضافر كل هذا النسيج بما يشكله من زخم دافع للتعددية والتشكل والحد الادنى من الانسجام الذي مكن الماكينة الاجتماعية والاقتصادية والصناعية الهائلة من الدوران والتي اوصلت اميركا الى التفوق الذي تمتعت به على مر العقود. الرئيس بوش قرر انشاء ادارة للشئون الامنية تابعة للبيت الابيض وعين لها توم ريتش حاكم بنسلفانيا السابق.. الا ان مجلس الشيوخ باغلبيته الديمقراطية رفض مشروع الرئيس وطلب ان تكون وزارة مسئول وزيرها امام الكونغرس.. لتوحيد عشرات الاحهزة.. وربما اجيز المشروع في ذكرى العدوان. وضع توم ريدج خطة متكاملة لحماية الأمن الداخلي تضمنت تحولات هيكلية في طبيعة عمل أجهزة الأمن الداخلي بصورة لم تحدث منذ الحرب الثانية، وقد عكست هذه الخطوات اللاحقه تغيرا في القيم الأميركية التقليدية التي كانت تعلي من الأمن الشخصي وحريات الفرد على أمن المجتمع واحتياجاته وصدرت إجراءات تنال من الضمانات الدستورية للأفراد وتسمح بحرية التفتيش والاحتجاز والاعتقال بدون أمر قضائي، وإنشاء المحاكم العسكرية لمحاكمة المتهمين بأعمال إرهابية بدلا من المحاكم المدنية. وزير الدفاع رامسفيلد قال: خلال الحرب الباردة واجهت الولايات المتحدة تهديدا محددا، ولكن كان يمكن التنبؤ به، وصاغت الاستراتيجيات والقدرات لمواجهته، ولكن جاءت أحداث سبتمبر لكي تنبئ بشكل مؤثرعن أن تحديات القرن الجديد ليس من الممكن التنبؤ بها كما كان في الماضي. وتوقع رامسفيلد أنه في السنوات المقبلة ربما تفاجأ الولايات المتحدة مرة أخرى بخصوم جدد يمكن أن يضربوا بطريقة غير متوقعة بحصولهم على أسلحة ذات قوة ومدى طويل وبشكل يجعل هذه الهجمات مميتة وبصورة أكبر من تلك التي عانينا منها في سبتمبر وأن التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة في القرن الجديد هو تحد صعب تدافع به عن نفسها ضد المجهول. لقد حدثت تغيرات جذرية في الحياة الأميركية وتطلعت الاجهزة العسكرية والأمنية بمختلف مسمياتها المباحث الفدراليه و البنتاجون ووكالة المخابرات الأميركية وعشرات اخر الى المزيد من الصلاحيات والى ادوار جديدة، وتقلص دور الكونجرس حيث مررت الادارة بعض القوانين بصورة عجلى بحجة الحادي عشر من سبتمبر حتى ان زعيم الاغلبية الديمقراطية توم داشل تعرض للانتقاد عندما تساءل عن الاموال التي خصصت لمواجهة آثار العدوان وبفضل هذه الاحداث حصل الرئيس بوش على افضل نسبة اداء في استطلاع للراي العام الاميركي لكن لايمنعنا القول ان الاقتصاد متعب قسم الرئيس بوش العالم الى قسمين مع وضد في الحرب ضد الارهاب لكنه لم يتحدث عن مفهوم الارهاب ومدى ونطاق الحرب.. ومع انه تعهد بمكافحة الارهاب لكنه لم يفصح عن طريقة إدارته لتكوين تحالف عالمي قوي ضد الارهاب،.وقد نعت العراق وايران وكوريا بمحورالشر.. وهنا خلط بين محاربة الإرهاب وأسلحة الدمارالشامل في هذه الدول الثلاث المتهمة ببناء قدرات نووية وتصنف كدول راعية للارهاب وهي الاسباب التي كانت وراء العقيدة الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي لا تقتصر على الاحتواء والردع وإنما تتعداها إلى الهجمات الوقائية Preemptive Strikes التي قال عنها الرئيس الأميركي بأن الولايات المتحدة لن تنتظر وهي ترى الأخطار تتجمع ضدها. وكما اصيب الاقتصاد الاميركي في مقتل بعد سبتمبر وافلست كبرى الشركات الاميركيه شركة إنرون للطاقة وورلدكوم للاتصالات وزيروكس للأدوات الكتابية، وارتبط هذا بانهيار شركات الحسابات التي كانت تتستر على الفساد في هذه الشركات مما اضاع المليارات من مصالح وحقوق الناس، لقد اصبح شعار محاربة الإرهاب هو المحدد والموجه للسياسة الأميركية تماما مثلما كان شعار محاربة الشيوعية هو شعار السياسة الأميركية على مدى عقود الحرب الباردة. ـ اعلامي يمني ـ واشنطن